شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(65)
- باب الغسل من المني - باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل
لقد فرق الشرع بين المني والمذي؛ فرتب الغسل على خروج المني بجماع أو احتلام ورتب الوضوء على خروج المذي وغسل أثره من الجسد، وهذه الأحكام يستوي فيها الرجل والمرأة.
الغسل من المني
شرح حديث: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك ... وإذا فضخت الماء فاغتسل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الغسل من المني.أخبرنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر واللفظ لـقتيبة، قالا: حدثنا عبيدة بن حميد عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي رضي الله عنه أنه قال: كنت رجلاً مذاءً، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، وإذا فضخت الماء فاغتسل)].يقول النسائي رحمه الله تعالى: الغسل من المني. أي: من خروج المني، فإن هذا مما يوجب الغسل، وذلك غسل من الجنابة، وقد أورد النسائي رحمه الله تعالى فيه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام أفتاه بأنه في حال حصول المذي منه أنه يغسل ذكره ويتوضأ، وإذا فضخ الماء، فإنه يغتسل، والمقصود من فضخ الماء هو حصول الدفق، وخروج المني، فإن هذا هو الذي يوجب الغسل، والحديث فيه: بيان حكم المذي، وحكم خروج المني، فالمذي نجس، وهو ناقض للوضوء، وعليه أن يتطهر من الحدث الأصغر بأن يتوضأ، ويستنجي قبل ذلك بأن يغسل ذكره وما أصابه المذي؛ لأنه نجس، وقد تقدم هذا في باب مستقل، وفي هذا الحديث زيادة، وهي الشاهد للترجمة، وهي: الاغتسال عند خروج المذي؛ لأن الخارج مذي ومني، فالمذي ينقض الوضوء، ويلزم منه الوضوء، والمني يحصل به الحدث الأكبر، ويلزم منه الاغتسال. وقد مضى في الأحاديث السابقة أن علياً رضي الله عنه وكل المقداد بن الأسود في السؤال عنه، وذلك لاستحيائه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته منه؛ لكونه صهره؛ زوج فاطمة رضي الله تعالى عن الجميع، وهذا الذي جاء في هذا الحديث مبني على أساس أن المقصود هو: أنه سأله بواسطة، ولم يكن مباشرة؛ لأنه أوصى غيره أن يسأل، وبيّن سبب عدم إقدامه على السؤال.فإذاً: ما جاء في هذا الحديث مبني على ما جاء في تلك الأحاديث، وأن ما أخبر به عن نفسه إنما هو باعتباره فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم له؛ لأنه صاحب الحاجة وصاحب المسألة التي احتاج إلى السؤال فيها، ولمكان ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منه استحيا من أن يواجهه بهذا السؤال، فأناب غيره بالسؤال عنه وأجيب، والغالب أن ذلك كان بحضرته، يعني: بحضرة علي رضي الله عنه، ولهذا فإن أصحاب الكتب عدوا هذا من مسند علي، لأنه على الاعتبار بأنه حضر القصة، وأنه سمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يكن هو الذي وجه السؤال، وصدر منه السؤال مباشرةً إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.إذاً: فخروج المني من الإنسان -رجل أو امرأة- يوجب الغسل من الجنابة، وهذا هو معنى قوله: [(إذا فضخت الماء فاغتسل)].
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك ... وإذا فضخت الماء فاغتسل)
قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر].قتيبة بن سعيد هو الذي تكرر ذكره كثيراً، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وأما علي بن حجر فهو السعدي المروزي الذي سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[قالا: حدثنا عبيدة بن حميد].عبيدة بن حميد هذا سبق أن مر ذكره، وهو صدوق ربما أخطأ، وخرج حديثه البخاري والأربعة.[عن الركين بن الربيع].الركين بن الربيع هو: أبو الربيع، فكنيته توافق اسم أبيه، وهو ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن حصين بن قبيصة].حصين بن قبيصة ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن علي].علي رضي الله تعالى عنه، هو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أصحاب الشورى الستة الذين وكل الأمر إليهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، وأبو الحسن والحسين رضي الله تعالى عن الجميع، وقد مر ذكره فيما مضى من الأحاديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث: (إذا رأيت المذي فتوضأ ... وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد أنبأنا عبد الرحمن عن زائدة ح، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم واللفظ له حدثنا أبو الوليد حدثنا زائدة عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري عن حصين بن قبيصة عن علي رضي الله عنه أنه قال: ( كنت رجلا مذاءً، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل )].أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه من طريق أخرى، وهي مثل التي قبلها، ومنها فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأنه إذا أصابه المذي يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة، وإذا فضخ الماء، أي: دفقه وأنزله، فإنه يغتسل من الجنابة.
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا رأيت المذي فتوضأ ... وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل)
قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].عبيد الله بن سعيد هذا تقدم ذكره فيما مضى، وهو ثقة، مأمون، سني؛ لأنه أظهر السنة في بلاده سرخس، وأخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.[أنبأنا عبد الرحمن].عبد الرحمن هو ابن مهدي، الإمام المعروف، الحجة، الثقة، الثبت، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن زائدة].وهو زائدة بن قدامة الثقفي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ح، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم].أتى بـ (ح) التحويل وقال: (ح) وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، (ح) التحويل المقصود منها: الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد، عندما يذكر إسناداً ويقطع فيه مسافة من حيث ذكر بعض الرجال، يعود فيستأنف ويذكر إسناداً آخر، فيبدأ من شيخ من شيوخه، ثم يستمر حتى يتلاقى مع الإسناد الأول، فهنا يؤتى بـ (ح) الدالة على التحويل، وهذا هو معناها، وذكرت فيما مضى: أن النسائي كـالبخاري يستعملانها بقلة؛ فلا يحتاجان إلى استعمالهما بكثرة، بخلاف مسلم الذي يجمع الأحاديث في مكان واحد، فيكثر منه التحويل، وبين البخاري، ومسلم بون شاسع في استعمال التحويل وعدمه، والسبب في ذلك ما ذكرته؛ لأن الحديث الذي يأتي بطرق متعددة يفرقون تلك الطرق على الأبواب، ولكنهما أحياناً يجمعان بعض الطرق، فيحصل بذلك استعمال التحويل كما هنا، وكما سبق أن مر في مواضع عديدة. وإسحاق بن إبراهيم هو: ابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة ثبت إمام، وهو من المحدثين ومن الفقهاء، معروف بالفقه ومعروف بالحديث، وخرج حديثه أصحاب الكتب إلا ابن ماجه .[حدثنا أبو الوليد].أبو الوليد، هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وهو ثقة ثبت إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا زائدة].وهنا حصل الالتقاء في الأسانيد، يعني: خرج من النسائي إسنادان، إسناد فيه: عبيد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن مهدي، وإسناد آخر فيه: إسحاق بن إبراهيم عن أبي الوليد الطيالسي، ثم التقيا عند زائدة، ثم استمر بعد ذلك إلى نهايته، فهما طريقان استعمل فيهما التحويل، وحصل التقاء الطريقين عند زائدة بن قدامة، وعند ذلك التقى الإسنادان المتقدم والمتأخر عن زائدة عن الركين عن حصين بن قبيصة عن علي. [عن الركين عن حصين بن قبيصة عن علي].الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، وحصين بن قبيصة، وعلي رضي الله تعالى عنه قد مر ذكرهم.
غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل
شرح حديث أم سليم في غسل المرأة إذا أنزلت الماء
قال المصنف رحمه الله تعالى: [غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبدة حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( أن أم سليم رضي الله عنها، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ قال: إذا أنزلت الماء فلتغتسل )].أورد النسائي رحمه الله تعالى هذه الترجمة: غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، يعني: من الاحتلام، وأنه يلزمها الغسل من الجنابة كما يلزم الرجل، وقد أورد فيها النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أمه أم سليم رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال: [(إذا أنزلت الماء فلتغتسل)]، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجاب هذه الصحابية رضي الله عنها وأرضاها، بأن المرأة عليها أن تغتسل، لكن بشرط إنزال الماء، فإذا حصل إنزال ماء؛ وهو المني فعند ذلك يلزمها الاغتسال كما يلزم الرجل. إذاً: فالذي يرى في منامه أنه حصل منه جماع، ولكنه لا يجد ماءً، ولا يجد أثر ذلك على ثوبه وعلى جسده لا يلزمه شيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قيد ذلك بإنزال الماء الذي هو المني، فإذا حصل الإنزال ووجد ذلك على الثياب وعلى الجسد فعند ذلك يلزم الغسل.إذاً: المعتبر في الاغتسال في حال الاحتلام هو خروج الماء؛ لأن الحكم منوط بخروجه. وهذا فيه بيان ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من الحرص على معرفة الأحكام الشرعية، وأنهم يسألون عن كل ما يحتاجون إليه في أمور دينهم، ولا يمتنعون من ذلك، ولا يستحيون من أن يسألوا عن أمور دينهم، ولو كان ذلك من الأمور التي في النفس منها شيء، فهي سألت مثل هذا السؤال في حضرة الرجال، وهو مما يستحيا منه في حق النساء، ومع ذلك فلم يمنعهن ذلك من التفقه في دين الله عز وجل، ومن الحرص على معرفة الأحكام الشرعية، وهذا فيه الدليل الواضح على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقوا عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الحق والهدى، وأدوه إلى من بعدهم، وأنهم سمعوا منه وتلقوا منه ورأوا حركاته وسكناته، فنقلوا ذلك، واتبعوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ودلوا غيرهم إلى هذا الهدى، وأرشدوهم إلى طريق السلام والنجاة، فالخير كل الخير باتباع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والسير على ما سار عليه سلف هذه الأمة، الذين هم خير هذه الأمة، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ما كان ولا يكون مثلهم؛ لأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الواسطة بيننا وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونحن ما عرفنا القرآن والسنة إلا عن طريق الصحابة، فلهم فضل عظيم علينا، ولا سبيل للمسلمين في الوصول إلى الرسول عليه الصلاة والسلام إلا عن طريق الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ومن لم يأخذ دينه، ويأخذ عقيدته، ويأخذ أحكامه التي يتعبد الله عز وجل بها عن الصحابة الكرام، وعمن سار على منهاجهم فإنه حاد عن الجادة، وضل الضلال المبين، وترك الحق والهدى، وابتعد عنه واتبع غير سبيل المؤمنين؛ لأن الله تعالى اختار لرسوله صلى الله عليه وسلم أصحاباً أوجدهم في زمانه، وخصهم الله تعالى بهذا التكريم، وبهذا التشريف، فهم الذين شرفهم الله بالنظر إلى طلعته في هذه الحياة الدنيا، وسمعوا كلامه منه عليه الصلاة والسلام.إذاً: فهذا السؤال من أم سليم رضي الله تعالى عنها، وهو من الأمور التي يستحيا منها، وتستحي النساء أن تتكلم بها بحضرة الرجال، ومع ذلك لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين، بل سألن عن أمور دينهن، ولو كان ذلك مما يستحيا منه.ولما كان علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحته ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لما كان هذا التقارب في المصاهرة استحيا من أن يواجه الرسول صلى الله عليه وسلم بالسؤال، ولكنه لم يمتنع ولم يترك أن يتعرف على الحكم الشرعي؛ فأناب غيره ليتولى ذلك، وحصل مقصوده، وحصل للأمة معرفة الحكم الشرعي بهذا السؤال الذي استحيا علي رضي الله عنه وأرضاه أن يسأل عنه.
تراجم رجال إسناد حديث أم سليم في غسل المرأة إذا أنزلت الماء
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم وهو: الحنظلي، المشهور بـابن راهويه، وكما قلت فيما مضى: المحدثون يقولون: راهويه، وأما أهل اللغة فيقولون: راهويه، فيختمون بويه، وهو إمام، فقيه، محدث، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[حدثنا عبدة].عبدة، هو ابن سليمان الكلابي، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سعيد].سعيد هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن قتادة].قتادة هو: ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].وهو أنس بن مالك خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، خدم رسول الله عليه الصلاة والسلام عشر سنين، ونقل عنه الحديث الكثير، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق سبعة، وأنس واحد منهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته حيث قال: والمكثرون من رواية الأثرأبو هريرة يله ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيِّفأكثرهم على الإطلاق: أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، ومنهم: أنس بن مالك الذي معنا، والبحر أو الحبر الذي هو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، والخدري هو: أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى في سورة النور، وهي الصحابية الوحيدة التي تعتبر أكثر النساء رواية للحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها.
يتبع