كيف نعدل سلوك أبنائنا؟(2)
نجلاء على هيكل
حينما ننظر لأطفالنا في نومهم نري بهم الملاك النائم؛ فنأخذ في تقبيلهم والدعاء لهم بالصحة والعافية والعمر المديد، وعلي النقيض تماماً من ذلك في صحوهم، نراهم عفاريت ويتلاعب الشيطان بعقولنا لندعو عليهم و تكبر أخطاؤهم بعيوننا.
وبما أن دعوة الآباء مستجابة، كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم : «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم» رواه مسلم، وفي رواية أبي داود زيادة بعد الدعاء على الخدم:" ولا تدعوا على خدمكم ". ولقوله صلى الله عليه وسلم :"ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن ؛ دعوة المظلوم ، ودعوة المسافر ، ودعوة الوالد على ولده" رواه أبوداود والترمذي، وصححه الألباني.
ويستفاد من هذا أن يعود المسلم لسانه على الدعاء بالخير والتوفيق لمن يتعامل معهم ويحبهم، ويتجنب الدعاء عليهم؛ فمن الممكن أن تكون أبواب السماء مفتوحة في ذلك الوقت، وتستقبل هذا الدعاء فيا ترى هل أطفالنا يستحقون منا هذا ؟ أم هم بالفعل مثل الملائكة و لكننا لا نرشدهم بالأسلوب الصحيح؟
الأبناء والهوايات:
إن الهواية الأكثر إمتاعا للطفل هي إما مشاهدة المسلسلات الكرتونية التي لا تخلو من العنف، أو ألعاب الفيديو جيم التي تأخذ تركيز الطفل بالكامل من سمع ورؤية، وفيه تضييع الكثير من الوقت دون فائدة، وفي الحديث الصحيح:" اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك" رواه الحاكم وصححه، وصححه الألباني.
بالإضافة للجلوس الغير صحي للطفل على المقعد، والتي تكون إحدى الأسباب الرئيسية لآلام العظام بالمستقبل.
إضافة أيضا إلى كثرة التردد على عيادات أطباء العيون التي نراها مملوءة بنصف المرضى تقريباً من الأطفال الذين يرتدون النظارات الطبية في الأعمار الصغيرة؛ وذلك يعود بالطبع لكثرة مشاهدة أفلام الكرتون التي تلهيهم بها الأم عنها؛ لتهتم هي بشؤون المنزل من طهي وترتيب وغسيل وغيره من طلبات المنزل، وهذه حال الأم ربة المنزل.
فيا ترى ما هو وضع حياة الأمهات العاملات ؟ وما قد يلاقيه الطفل من إهمال من قبل الخادمات أو دور الحضانة؟
إن خلق الهواية الجيدة للطفل لمن الأمور غير السهلة على الآباء لاختلاف الطباع من ابن لآخر؛ فهناك الطفل الرياضي، والطفل الفنان والطفل القارئ والكاتب، وكل من هذه الهوايات له دوره الإيجابي بالمجتمع.
وأيضا القدرة على تفريغ الطاقة داخل الطفل من الأمور المهمة؛ وهذه الطاقة يلزمها مجهود ورياضة كي تفرغ. هذا بالنسبة لهواة الرياضة.
أما هواة القراءة فنجدها تعمل على زرع روح التخيل والخيال عند الأطفال، كما أن الكتاب خير صديق للطفل، والكتاب المختار تحت إشراف الآباء يكون بالطبع هو الأفضل ،ولا ننسى الأعمال الفنية والرسومات والمشغولات اليدوية التي تخلق روح الإبداع والتذوق للطفل الفنان.
كل هذه العناصر تعمل على شغل الطفل عن أفلام الكرتون التي تخلق العنف بداخله، ولكن الأمر يتطلب هدوء أعصاب، وتحمل من الآباء وصبر شديد، وإصرار وعزيمة.
الآباء وشبح التعليم:
إن معظم الأطفال فقدوا طفولتهم وحريتهم؛ بسبب كثرة الاستذكار وانشغالهم بالدروس الخصوصية التي يكون الهدف الأول منها هو الحصول على أعلى الدرجات للالتحاق بأفضل الكليات في المستقبل، فهذه هي ثقافة المجتمعات العربية، وإلا يكون الابن أمام والديه والمجتمع ابنا فاشلاً لأنه لم يحقق طموح والده فيه، ولا استطاع مكافأة والدته عن سهرها الليالي في رعايته!
فإننا نرى في بعض البيوت التي صرف الأب على الابن أموالاً طائلة على الدروس الخصوصية التي هي تعتبر إهدارا للوقت، رسوب الابن وهذا يعود بالطبع لتشتت الابن بين المدرسة، والدروس وعدم وجود الوقت الكافي للراحة والاستذكار!
وبالطبع كانت النتيجة إما الحصول على درجات ضعيفة أو الرسوب، ونجد الآباء في النهاية غير مصدقين لهذه النتيجة ولكنها هي النتيجة الطبيعية، ففي إحدى الأبحاث العلمية النفسية وجد أن معظم زائري الأطباء النفسيين يكون السبب الرئيسي لمشكلاتهم: من الدراسة وصراع التفوق، فهل نرى ما قد يصنعه التفكير الخاطئ للآباء في نفوس رجال الغد.
الابن والقدوة:
إن القدوة قد تغيرت فأصبحت القدوة اليوم متمثلة في ممثل مشهور أو لاعب كرة أو حتى مغنية، قدوة في الملابس والحركات والكلمات، وأصبح المجتمع المتمثل في البرامج التلفزيونية والإذاعية يتكلم عن ذلك المشهور بصورة متحمسة، حيث ينطلق من أعيننا شعاع براق عند الحديث عنه، فما يرى الطفل إلا هذه الكلمات التي تجعله يتمسك بذلك المشهور في عقله، راسماً صورته كنموذج مثالي له في المستقبل القريب غير البعيد.
فلماذا لا يكون أفضل تكريم لسيدنا محمد عليه الصلاة وأذكي السلام، هو جعله قدوة لنا ولأطفالنا في كل مكان وزمان وموقف، وجعله يحيا بيننا بالذكر والمواقف المشابهة لنا في حياتنا فالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام لا يوجد أي شئ في حياته موضع خفاء؛ وقد تزوج من السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهي في العمر الصغير لتنقل لنا كل أفعاله وتصرفاته في مواقفه الحياتية، فحياته عليه الصلاة والسلام قدوة في كل زمان ومكان، وهذه أفضل قدوة لأطفالنا حينما نبدأ بزراعتها في أنفسهم منذ الصغر، فمن شب على شئ شاب عليه.
الرزق ومسؤولية التربية:
الله سبحانه وتعالى أمرنا بالسعي للرزق قال تعالى:" هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " سورة الملك.
ولم يطلب منا جعله همنا الأكبر في الحياة؛ قال تعالى:" وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ " الذاريات؛ بل أخبرنا سبحانه وتعالى أن الاهتمام بالأبناء من أهم مسؤلياتنا، وأن تربيتهم على نهجه القويم هو سبب وجودنا على هذه الأرض.
فالأب له دوره المسؤول عنه، والأم لها دورها في التربية، ومسؤولة عنه، كما ورد في الحديث المتفق على صحته:" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
فالأم مدرسة ولكن القوامة والإصلاح للرجل وهذه أفضل صورة للكون، فوجود الأب بالمنزل يقرأ القرآن ويصلي السنة أو يتوضأ ليذهب للصلاة في المسجد لأفضل قدوة مرئية وعملية للطفل؛ حيث يتركز هذا في عقله.
ومشاهدة الأم تبارك عودة الأب من العمل بالشوق والابتسامة: يعمل على خلق روح المحبة والاطمئنان للأطفال، و يكون نتاج ذلك هو خروج طفل للمجتمع سوي بدنياً ونفسيا أي ملاكاً كما في نومه.