
06-04-2019, 12:44 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة :
|
|
رد: النص الشعري التراثي بين التنميط والتأوي القصيدة الرصافية لعلي بن الجهم نموذجا
النص الشعري التراثي
بين التنميط والتأوي القصيدة الرصافية
لعلي بن الجهم نموذجا
د. كامل الصاوي[(*)]
لكأن وحدة الدمعة قد جعلت مخيلة الشاعر تستدعي واحدية للمحبوبة أو تفردا لها؛ بعدما مكث طوال الأبيات الخمسة عشر السابقة متحدثا عن (أحبة) بصيغة الجمع، وليس (حبيبة) واحدة، لكنها حبيبة آتية، وأفعالها من زاوية في ذاكرة الشاعر؛ إذ يتحول قائلا:
لجارتها ما أولع الحب بالحر
وما أنس م الأشياء لا أنس قوله معنى وهل في قتله لك من عذر
فقالت لها الأخرى فما لصديقن بأن أسير الحب في أعظم الأسر
صليه لعل الوصل يحييه واعلمي يطيب الهوى إلا لمنهتك الستر
فقالت أذود الناس عنه وقلم من الطارق المصغي إلينا وما ندري
وأيقنتا أن قد سمعت فقالت وإلا فخلاع الأعنة والعذر
فقلت فتى إن شئتما كتم الهوى
كما قلنا يعود الشاعر إلى ذاكرته؛ فيستدعي محبوبته، ذات حديث لها مع صاحبة، ممن يدركن سر حب الشاعر لها، المحبوبة عالمة بأسرار فعل الحب ولوعته التي يحدثها، بل يجعلها الشاعر تختار له هو صفة "الحر" ومعلوم أن صفة "الحر" من الدلالات التي تستدعيها-ضمن ما تستدعي-الإباء وعدم الاستسلام، والحركة وعدم السكون.
وتصل مخيلة الشاعر-هنا-بالسكون مداه؛ حين يجعل الصديقة تعلم أن الحبيب الحر المعاني، إنما هو مقتول أي ساكن بلا حراك، وأنها تلوم صاحبتها من خلال سؤالها عن عذرها في قتل حبيب محب، وحر.
ثم تواصل الصديقة حديثها للحبيبة؛ ناصحة إياها بالوصال. وإذا كان البحث قد أشار منذ قليل إلى ما تستدعيه كلمة "حر" عامة؛ فإن الشاعر يؤكد ما ذهب البحث إليه؛ حين تكمل الصديقة قولها: (أسير الحب في أعظم الأسر). ومعلوم أن الأسير يسلب حركته ويقيد محبوسا لا يملك من حركته شيئا. وكأني بالشاعر هنا لم يختر الحب المسلوب، بل اختار-تعبيرا عن حاله-سلب حركته؛ مما يؤكد لدى البحث أن خيال الشاعر يشكل صوره اعتمادا على تداعيات الحركة، إيجابا، وسلبا.
ولعل المحبوبة في قولها لصديقتها ما يؤكد أيضا بناء القصيدة بالحركة؛ إذ تقول لصاحبتها معللة فعلها: (أذود الناس عنه......)؛ فالفعل "يذود" ومن معانيه ودلالاته "الذود والمدافعة"، ولا ذود أو مدافعة إلا بحركة وربما عنيفة أيضا. وإن كان الاختيار الذي اختارته مخيلة الشاعر؛ "أذود الناس عنه" يحمل-ضمن ما يحمل من دلالات-الحب والهوى من جانب المحبوبة؛ حيث لا ذود إلا عما يحب الإنسان، أو يمتلك.
لكن التأمل في الاختيار يرينا أن مقصد المحبوبة من الذود هو ألا تجعل المحب يستشعر عمق هواها له وتمكنه منها، فيدفعه هذا الشعور-وكما هي عادة العربي-إلى الفخر بإيقاعه لها في هواه، فيحكي ذلك مفاخرا بذاته، وفاضحا سرها. هذا ما يريده الشاعر، وهو ما عنته المحبوبة. لكن المخيلة التي تصطاد بالحركة صورها تدفع الشاعر إلى اختيار التعبير "أذود الناس عنه"؛ فإذا ما يممنا الوجه شطر السر والفضح؛ فإذا بالمخيلة تختار الانتهاك. الذي على الرغم من كونه انتهاك سر؛ إلا أنه من دلالات "الانتهاك" القهر وعنف الحركة. وإن كانت الصيغة "منهتك" (بتقديم الهاء على التاء) تعني ارتضاء المحب، الحر، لأن ينتهك في الحب سره، وتلك كما قلنا صيغة أملتها عقلية عربية ذكورية، ترى في هتك سر الرجل مع محبوبته لونا من المفاخر.
حين توقن الحبيبة وصاحبتها أن ثمة سامعا يتلصص؛ يأتي السؤال: (من الطارق المصغي)، ولعله من نافلة القول أن عمل المخيلة هنا ظاهر جلي. فالاختيار (من الطارق) ثري بدلالات الحركة، ومن الطرق جاءت الطريق لكثرة طرق الأقدام لها. ولكن إن زاد البحث في تأمله فإنه يمكن له القول: أن الشاعر يقدم نفسه مسمعا إلى جانب كونه سامعا، إذ هو طارق، ولا طرق إلا بصوت،.. وإن كان-أيضا-لا صوت إلا ناتج حركة.
لكأن الشاعر، وقد أيقن سماعهما له، وإدراكهما لوجوده ينفث عما في داخله من حركة مكبوتة، سبق أن أعلمنا الشاعر بها من خلال فكرة "الأسر"، ومن خلال ما هو معلوم عمن يتلصص سامعا، فيحبس حركته. لذا فإن انفجار الحركة وصف صالح لما أجاب به الشعر؛ حين قال:
فتى إن شئتما كتم الهوى وإلا فخلاع الأعنة والعذر
فمعلوم أن كتمان الهوى هو حركة معاناة داخلية بين الرغبة في البوح، والفخر به، كما أشار البحث إلى العقلية العربية الذكورية، قبل قليل، على أنه ما تزال الحركة بيدي المحبوبة (إن شئتما كتم الهوى). ثم تأتي حركته هو معبرا عنها بما يمكن تسميته بجموح الحركة، الذي أملته المخيلة على الشاعر، إذ اختار معبرا عن حاله: (خلاع الأعنة والعذر) فالشاعر يقدم نفسه في حالها هذه جمعا من خيول كلها ملجوم، لكن الشاعر المستسلم للحركة سيخلع كل سير للجام، ويدع أفراس روحه حرة بلا لجام يلجمها. بل إنه لن يدع من السيور شيئا، ولو كان هذا المتروك عذارا، أي بعض الجلد الذي على خد الفرس، وبعيدا عن القول: بأن ذلك كناية عن الخوض في اللهو حتى المنتهى؛ فإن الكيفية التي اصطنع بها الكناية تبدو هي القيمة، هنا.
* *
لكأن الشاعر-الذي سبق له القول: (أما ومشيب راعهن.....) حيث لم يرعه هو حاله ومشيبه، بقدر ما استشعر الروع في قلوب. الأحبة-قد شعر هنا بقسوة وعيده: الذي حمله قوله: (وإلا فخلاع الأعنة والعذر)، فيلين حاله وينقلب-كما هو حال المحبين بين-القسوة واللين-فيؤثر اللين والشكوى؛ وإن كان الوعيد سيظل مستسرا في لينه أيضا، إذ يكمل قائلا:
عليه بتسليم البشاشة والبشر
على أنه يشكو ظلوما وبخله ذكرت لعل الشر يدفع بالشر
فقالت هجينا فقلت قد كان بعض م يردن بنا مصرا ويصدرن عن مصر
فقالت كأني بالقوافي سوائر وإن كان أحيانا يجيش به صدري
فقلت أسأت الظن بي لست شاعر ولا كل من أجرى يقال له مجري
فما كل من قاد الجياد يسوسه على كل حال نعم مستودع السر
صلي واسألي من شئت يخبرك أنني
كما قلنا الشاعر يرتدي إزار لينه؛ بعدما ارتدته حال من جموح؛ فيعلن شكايته من حبيبة ظالمة، ولكن مخيلته الساعية صوب تشكيل ما تتخيله بالحركة. تملي عليه قوله (بتسليم البشاشة والبشر) حيث لا ترد كل من البشاشة والبشر هنا إلا عبر تجسيم، ثم تحريم ما تجسم، حين تقدم البشاشة مثلها مثل أي شيء يحمل ويسلم، بما في ذلك من تحريك للعوالم.
المرأتان يظهران خوفهما من الهجاء، والشاعر-مؤقتا-لا يذهب عنهما الخوف، بل يقويه، وإذ يفعل ذلك-كما هي عادة مخيلته-يفعله عبر التحريك عبر قوله: (لعل الشر يدفع بالشر)، فكما سبق له القول على لسان الحبيبة: (أنود الناس عنه) يستخدم الدلالة ذاتها "الدفع"، فيقر محركا الشر؛ الذي يراه لا يدفع إلا ببعضه.
وإذ توقن المرأتان بفعل هجائهما، وتتخيلان حالهما الآتية؛ فإن المخيلة ما زالت على تداعيها المركزي؛ إذ تكون قصائد الهجاء سوائر شوارد ينتقلن من بلد إلى سواه، في حركة لا تتوقف. صحيح أن الشعر الشارد والقصائد السيارة ليست بابتكار جديد، بل هي من مستهلك الأوصاف التي يوصف بها جيد الشعر، لكن البحث ارتضى المزاوجة بين كون القصيدة-أي قصيدة-هي جدلية بين الموروث الجمعي المتواتر، والذاتية التي تفرض شيئا من جديد. ولعله من: نافلة القول: أن سياقا كاملا من الخيال وتداعياته صوب الحركة يجعل الحركة هنا أمرا مركزيا، ومحورا كاملا تدور حوله القصيد، ومن ثم تصبح الكيفية هي الفاعلة، وليس مجرد إيراد صورة موروثة كانت أم مبتكرة هو الأمر المهم في عمل مخيلة النص.
وإذا كان الشاعر يريد أن ينفي عن نفسه تهمة الهجاء؛ فينفي عن نفسه الشعر-هنا-(لست شاعرا) لكن الشاعر وسامعتاه كلهم يعلم أنه شاعر، فيقر بأنه أحيانا يقول الشعر لكن الأهم في ضوء عمل المخيلة ليس إلا كيفية تعبيره عن تعاطيه الشعر؛ فيختار التعبير "وإن كان أحيانا يجيش به صدري" وكأن الشعر هو الذي يقول الشاعر، وليس الشاعر هو من يقول الشعر، الذي يجعله-هنا-حركة تجيش وتغلي داخله، فلا يملك لها دفعا.
إن عمل المخيلة في التعبير لا ينفي عن القصيدة غرضها أو موضوعها، بل هو مثر له. الشاعر يبدع أقواله في أحوال المحب، ولذا فطبعي أن يتوسل باللين، وأن يتهم نفسه بأنه ليس شاعرا مالكا ناصية القول؛ إن كان ذلك مؤقتا، سيعيد محبوبة يراودها الشرود والبعد عنه، هنا نفهم قوله (فما كل من قاد الجياد يسوسها...) حيث المخيلة مستقرة على الحركة مادة للتشكيل، فكما وردت القصائد سوائر، يعبر عن حاله-هنا-بأن ثمة فارقا بين ركوب الجواد وسياسته، حيث سياسة الجواد تمكن في الحركة، وامتلاك أكبر لصهوة الفرس. ثم أخيرا يعرض على الحبيبة خوض التجربة؛ تجربة الوصل، التي معها، وفيها ستدرك أين قرار أسرارها، التي تخشاها.
* * *
المفاخرة أمام المحبوب عادة عربية، بل هي دأب إنساني طبيعي. على بن الجهم يفخر أمام محبوبته، التي كأنه شعر بحيرتها حيال كونه شاعرا يعلم الناس قدره، ونفيه هو عن نفسه أن يكون قائدا ومروضا لحصان الشعر الجامح. هنا تستدعي مخيلته علاقة جديدة له بالشعر؛ إذ يكمل قائلا:
ولكن أشعاري يسيرها ذكري
وما أنا ممن سار بالشعر ذكره ولا زادني قدرا ولا حطمن قدري
وما الشعر مما أستظل بظله
ملخص القول: أن شعره لا يسير ذكره، ولكن ذكره هو ما يقود شعره ويدفعه للحركة والذيوع. الشعر متحرك ولكنه متحرك بتحرك السيرة والذكر. ولكان مخيلة الشاعر ترى الشعر كبير قوم يتبعه أتباعه، لكنه ينفي عن نفسه تبعيته لهذا السيد المسمى بالشعر. ومرة أخرى نقول إنه حتى في موقفه-المتخيل طبعا-من الشعر لا يجد سوى الحركة بؤرة وملاذا.
* *
من الشائق أن هذا النص الذي بين أيدينا اكتسب شهرته من كونه يحتوي غزلا رق حتى كاد أن يكون على حافة الذوب، لكنه رسميا قدم بعده قصيدة مدحية في الخليفة المتوكل، لكن يبدو أن العقلية التي رأت الغزل مدارا للقصيدة كانت هي الصادقة، حيث لا يحتل مدح الخليفة وآله إلا ثلاثة عشر بيتا من مجموع القصيدة البالغة أبياتها ثلاثة وأربعين بيتا.
وإذا كان البحث معنيا بعمل المخيلة، وكيف أن تناول موضوعات ورثت وتكررت إنما هو إنتاج جديد للموضوع من باب أن الأشياء تتأثر رؤيتها بطريقة التعبير عنها-فإن ذلك مما ألح عليه البحث مرارا.
وحين يولي البحث وجهه شطر ما تبقى في القصيدة من شعر خصصه قائله للمتوكل، فإن المخيلة الشاعرة ما تزال ترى صورة المتوكل بالعين نفسها التي سبق وأن رأت من خلالها الأحبة، والحب؛ بعدهما حقيقة موضوع النص الأساس. واعتمادا من البحث على أنه سبق له أن أورد النص كاملا قبل تحليله؛ فإننا سنقرأ صورة المتوكل مثبتين ما ذهبنا إليه من كون الخيال الذي يستدعي الحركة هو الفاعل في صورة الخليفة الممدوح، بما فاض عن الحب من أبيات.
يلقانا أول ما يلقانا دافع القول من الشاعر، وحال شعره الذي قاله في الخليفة:
دعاني، إلى ما قلت فيه من الشعر
ولكن إحسان الخليفة جعفر وهب هبوب الريح في البر والبحر
فسار مسير الشمس في كل بلدة لجل أمير المؤمنين عن الشكر
ولو جل عن شكر الصنيعة منعم
لقد سبق للبحث الإشارة إلى أنفة ابن الجهم وكبريائه، حتى إنه نفى عن نفسه أن يكون تابعا ولو للشعر، وأن شعره يسيره ذكره، وليس العكس، ومن ثم فإنه طبعي أن يبحث عن مبرر يبرر من خلاله مدحه للخليفة، فيكون إحسان الخليفة هو ما دعاه لقول الشعر، وهنا يلحظ البحث إلى أن قول الشاعر: (إحسان الخليفة جعفر دعاني..) يحتوي خصيصة متعلقة بالحركة، وهي، هنا، تجسيده الإحسان بعد أنه لا يتحرك إلا مالك جسد.
وإذ يدخل في قول الشعر في الخليفة فإن شعره الحامل ذكر الخليفة، وصفاته، يتحرك حركة كونية، فهو-أي الشعر-يسير مسير الشمس، ويهب هبوب الريح؛ أي لا عائق يعوق حركته. أترى يمتدح الشاعر الخليفة، أم يمتدح شعره هو؟ لكن الملاحظة الجديرة بالنظر فيها هي أن عليا كأنه يخضع الكون كله لسلطان الحركة؛ إذ يأخذ حركة الشمس "في كل بلدة". ويأخذ حركة الريح "في البر والبحر". شعر على هو الذي له السلطان في الوقت الذي لا يملك الخليفة ترفعا، ولو عن الشكر والمدح. مرة أخرى أيمدح الخليفة أم شعره؟ وهو الذي سبق له القول في شعره: (يسيره ذكري) فهل سار الشعر بذكر الخليفة أم بذكر علي؟. على أية حال ما يعني البحث هو تمدد الحركة وسطوتها على مخيلة الشاعر.
يواصل الشاعر مدحه للخليفة، أو بالأحرى يدخل فيه؛ فيواصل قائلا:
وبالشمس قالوا حق للشمس والبدر
إذا نحن شبهناه بالبدر طالع نداه فقد أثنى على البحر والقطر
ومن قال إن البحر والقطر أشبه لما بلغت جدوى أنامله العشر
ولو قرنت بالبحر سبعة أبحر
لقد سبق للبحث الوقوف أمام صورة الأحبة (نحن الأهلة) رائيا في الصورة أنها وعد بحركة ونماء. هنا ما تزال المخيلة من على قابضة على صورة الجرم العلوي" القمر" لكن ليس في حال كونه هلالا، بل في حال تمامه بدرا. على أن اللافت هنا أن البدر الذي يشبه به الخليفة يفتح له على شيئا من حركة،؛ إذ هو "البدر طالع"، ثم يعطف الشمس على البدر. ومعلوم أن البدر والشمس-إلى جانب دلالتيهما العلوية-بستسران الحركة، التي هي فعل أصيل ثابت لهما، مما يعني ثبات المخيلة على آلية تداعياتها فيما تتخيل.
الخليفة أو الممدوح بحر ومطر غمام، تلك صور موروثة، وإن عكس الشاعر التشبيه ليكون البحر والقطر هما ما يشبهان الممدوح في كرمه ونداه، لكن عليا هنا يودع حركة في صورة البحر عبر إسناده فعلين دالين على الحركة هما: الفعل "قرنت"، والفعل "بلغت" ليكون الاقتران، والبلوغ مسعى من البحر ليبلغ مبلغ المتوكل.
ثم يواصل الشاعر قبضه على تداعيات كلها متعلق بالحركة، في رسمه صورة المتوكل خليفة المسلمين آنذاك، إذ يكمل قائلا:
كما لا يساق الهدي إلا إلى النحر
ولا يجمع الأموال إلا لبذله على أنه أبقى له أحسن الذكر
وفرق شمل المال جود يمينه غرائب لم تخطر ببال ولا فكر
إذا ما أجال الرأي أدرك فكره
فالخليفة كريم، وتلك صورة متواترة في كل ممدوح عربي، لكن ابن الجهم يقدم ممدوحه همه أن يجمع الأموال، ولكن لا ليحبسها عنده أو يكنزها، بل جمعه المال مقدمة لإطلاق هذا المال، ثانية، عبر بذله. وكأني بعلي يبدع عبر الأموال حركتين: أولاهما حركة الجمع، والثانية حركة البذل والإطلاق. ثم ينمي الصورة؛ فيستدعي ذهنه تشبيها مفعما بالحركة عبر قوله: (كما لا يساق الهدي إلا إلى النحر) فالأموال عن طريق جود الممدوح وكرمه هي هدي يسوقه صاحبه، أو سائقه إلى الذبح، ومعلوم أن النحر، أو الذبح يستدعي حركة الذابح وحركة المذبوح، التي غالبا ما تكون حركتين، حركة مقاومة الذبح، ثم حركة المذبوح الذي يعاني لحظة موته وخروج الروح منه. وكأني بعلي بن الجهم هنا يجعل حركة الأموال تبدأ من عند الخليفة؛ لتموت عند آخرين.
ثم يعود قابضا على صورة المال من جديد، فيقدمه أشبه بالحشود الكثيرة، المجتمعة الشمل، أي كثرة وتوحدا. لكن يد الخليفة (وهي هنا يد مفردة) تبدد هذا الشمل وتفرقه، أترى يمكن عد هذه الصورة توليدا من صورة الخليفة المحارب، والذي يفرق حشود الجيوش، ليكون الخليفة الكريم المفرق شمل مال جمع.؟-ربما !
ثم انتقالا إلى صورة الخليفة حال يفكر؛ فإذا بالشاعر أيضا تمتاح مخيلته من نبع الحركة؛ فإذا ما كان المال قد قدمه الشاعر هديا يساق إلى نحره، فإن صواب رأي الخليفة لا تعزله تداعيات الحركة من مخيلة الشاعر عن صورة ارتضتها للمال (صورة الحيوان) لكنه كان في المال حيوانا يساق للنحر. أما هنا ففكر الخليفة حين يتجول ويتحرك فإن حركته تقتنص الغرائب والشوارد، ولعل الغريب ليس سمتا لغويا، بقدر ما هو سمت بداوة، ورعي للحيوان ورده إن شرد. وكأن آراء الخليفة ترد ما شرد من قطيع الفكر، وهي صورة يمكن فهم مغزاها، حين يعلمنا التاريخ بنهاية المتوكل التي كانت على أيدي مارقين أنس إليهم، لكنهم شردوا عنه.
وإذا كانت الخلافة في عصر بني العباس لم تقف عند حدود السياسة، بل تعدتها إلى الدين؛ فمن خلال الصراع بين العباسيين والعلويين حول من أحقهما بالخلافة، كانت حجة العلويين أنهم الأحق؛ فعلي هو الوصي وأبناؤه هم الأحق بالخلافة، في مقابل ما قال به العباسيون من أن العباس هو الوريث، أي وريث النبي، لأنه عمه، الذي كان حيا وقت انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى. ومن ثم فهو وريثه وأولاد العباس هم الأحق بالخلافة، ومن هنا نفهم لم انتقل من الحديث عن المتوكل خاصة إلى الحديث عن بني العباس عامة، ولكن بصبغة دينية؛ إذ ينهي قصيدته قائلا:
لكم يا بني العباس بالمجد والفخر
أغير كتاب الله تبغون شاهد إليكم، وأوحى أن أطيعوا أولي الأمر
كفاكم بأن الله فوض أمره وهل يقبل الله الصلاة بلا طهر
ولن يقبل الإيمان إلا بحبكم منازلكم بين الحجون إلى الحجر
ومن كان مجهول المكان فإنم
حيث يلاحظ البحث غياب المخيلة واللجوء إلى ما يشبه التقرير أو المحاججة الكلامية، ولعل البحث وضح السر وراء ذلك.
* *
لقد كان ما عني به البحث هو انسلال صور المتحركات، وأن الصور في قصيدة واحدة-وإن تعددت موضوعاتها-قد توحدها المخيلة، وتنادي الصور بعضها بعضا. ومن ثم تضمن المخيلة الفاعلة للنصوص مغزى وفحوى. وأن هذا ليس شيئا يختص به هذا النص دون سواه، إنما هو سمة النصوص التي تتناول موضوعات متشابهة، ومن ثم ندرك فداحة فرض نمط تعبيري أو تصويري. منمط وثابت، وما جره على شعرنا العربي-الثري-من إفقار.
ولعل البحث بنهايته يصل مطمئنا إلى أن نصوصنا ثرية المغزى فقيرة في رؤى الرائين، والذين قعدوا فأساءوا بما صنعوا، ولم يضيئوا نصوصا، بل حاصروا الشعراء، والمبدعين بأعراف وتقاليد ربما تكون أملتها شروط وظروف مؤقتة لكنهم أرادوا لمؤقتهم أن يكون دائما.
الخلاصة التي نتغياها هي أنه في الفن عامة والشعر خاصة لا يوجد قول صحيح وآخر غير صحيح؛ بل يوجد قول منسجم وآخر غير منسجم. ونستعين هنا بما أسماه محيي الدين محسب بـ "التضافر السياقي"(23).
لقد اخترنا نصا لعلي بن الجهم ابن المؤسسة الثقافية المقبولة-قبله، وبعده أيضا-لنثبت من خلال النص وصاحبه جملة أشياء، تتعلق كلها بما مورس في حق النص الشعري في ثقافتنا العربية.
وإذا أراد البحث أن يجمل ما سعى إلى قوله من خلال هذا النص، فإن ذلك يمكن صوغه على النحو التالي:
أولها بالطبع أن النص ابن بنيته القارة في ذهن صاحبه، أو ما يمكن أن نسميه-قياسا-رحم الدلالة الخالي، والذي يملؤه كل شاعر بنطفة خاصة بالمعنى المتواتر.
ثاني الأشياء التي أردناها هو: أن الثقافة العربية أنتجت خصوماتها، التي أهدرت فيها طاقتها، وعلي بن الجهم منتج نص يقول-كما تقول العرب-لكن بطريقة غير متحجرة ولا محفوظة.
ثالث ما أردناه-وهو الأهم-تقديم نموذج لقراءة النص التقليدي، نثبت من خلاله أنه حتى المبدع الذي وسم بالتقليدية هو في الأساس-أيضا-حامل بذرة التمرد على منمط الأقوال؛ فلقد وصفت وعنونت قصيدته، التي حللناها بأنها قصيدة "مدحية" أي مما اتهمها الغذامي-مثلا-بأنها أنتجت الطاغية والمنافق والمخادع... إلخ. فهل هذا النص مداره الأساس هو المدح؟ أم أنها تهمة حملها عنوان. لا أكثر؟. وحتى إن سلمنا بكونها مدحية، فأين..الطاغية المنتج فيها؟ بل أين منافقها، وكذابها؟
الأمر الرابع: أردنا بالتحليل أن نصل إلى طموح-لا نراه بعيدا؛ إن سلمت رؤى من يحلل-بأن كل نص عربي قديم يمكن أن يعد قيمة مضافة الركام المعنى. ومن نافلة القول: أن إنتاج الدلالة غاية الشعر، وغاية من يحلله.
أما الشيء الخامس، الذي أردناه هو: أن عليا ذاته-على صعيد الموقف والعلاقات-كان صيغة تصالح فيها طرفا الخصومة العربية الشهيران: (القديم/ الجديد)؛ أي أنه كان من الممكن أن تعيش الثقافة تصلحا ما زلنا نعاني غيابه حتى يومنا هذا.
* *
هوامش البحث
نفسه ص 11.
بنيلوبي: العبقرية تاريخ الفكرة ص 208.
نفسه والصفحة ذاتها.
محمد مندور: النقد المنهجي عند العرب، القاهرة، دار نهضة مصر للطبع والنشر، ص 79.
سيلفان أورو، وآخرين: فلسفة اللغة، ترجمة بسام بركة، بيروت، المنظمة العربية للترجمة ط 1، 2012 ص 210.
نفسه ص 210.
نفسه ص 268.
نفسه ص 218.
نفسه ص 308.
العبقرية ص 133.
بيار لرتوما: مبادئ الأسلوبيات العامة، ترجمة محمد ذكري، بيروت، مركز دراسات الواحدة العربية، ط 1، 2011 ص 371.
نفسه ص 375.
نفسه ص 375.
ديوان علي بن الجهم، تحقيق: خليل مردم بك، بيروت، دار الآفاق الجديدة، ط 1959، 2 ص ص 141: 148.
Neil Friedman: Eugene Gendlin's Approach to Psychotherapy: An Awareness of "Experiencing". www.americanpsychotherapy.com spring 2004. annals 23.
نفسه "المقدمة" ص 8.
نفسه ص 11.
نفسه ص 13، ولعل ذلك كان دافعا لهجاء البحتري له والوشاية به عند المتوكل.
نفسه ص 25، 26.
نفسه ص 8 – 9.
القصيدة بالديوان ص 181.
يذكر محقق الديوان جملة من الكتب التي أشادت بالقصيدة، بل يصل الأمر إلى حد أن بعض الكتب حاكت حولها الحكايات، الشبيهة بالحكايات الشعبية، في ولع الناس بالقصيدة، خصوصا مطلعها: الديوان ص 141: 144.
ميكال ريفاتير: مغزى القصية، ترجمة وتعليقات تحليلية محيي الدين محسب 23.
* * *
[(*)] كلية الآداب-جامعة المنيا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|