توثيق النص الشعري المشرقي في الأندلس
أ. د. أيمن ميدان [(*) ]
3/ب- أصالة المعنى:
عني الأندلسيون ببيان قيمة ما انطوى النص الشعري عليه من معان، ويعد ابن السيد البطليوسي في نقده للنص المشرقي نسيج وحده؛ إذ عني في شرحه ديوان سقط الزند ببيان قيمة معنى المعري بالقياس إلى من سبقه إليه، أو إلى بعضه، وعني ببيان تجديد المعري... ودرجة تجديده... ونبه على معانيه المبتكرة التي لا يحفظ لغيره فيها شيئا، وهي شيء كثير.."(118) كما أنه تعقب أثر أبي تمام والمتنبي على شعره، راصدا في كل مرة درجة الأخذ وسبله: إلماما ونظرا، أو عكسا، أو انتزاعا وإعادة تشكيل، أو بسطا... إلخ(119).
ومن المواطن التي أعجب البطليوسي بها قول المعري: (من الطويل)
كان تراب الأرض لم يرض عزها
فأصعد يبغي في السماء جوارا
إذ علق عليه بقوله: "هذا معنى مليح في ارتفاع الغبار، ولا أحفظ له نظيرا فيما رأيته من أشعار"(120)، ومثل ذلك قوله في موطن آخر: "هذا معنى لا أحفظه لغيره"(121).
ولم يقف البطليوسي عند رصد أبكار معانيه بل تطرق إلى المعاني المتداولة، راصدا درجة إجادته في صياغتها أو تطويرها، فكانت له إضافات بديعة، تجلى هذا الملمح في شرحه لقول المعري: (من البسيط)
والنفس تحيا بإعطاء الهواء لها
منه بمقدار ما أعطته من نفس
إذ قال: "هذا تمثيل مليح لا أحفظه لغيره... وقد ورد في الشعر القديم والحديث نحو من هذا الغرض، ولكن أبا العلاء زاد فيه زيادة مليحة بتمثيل ذلك بالنفس"(122)، ومن مثل ذلك قوله في موطن ثان: "وقد ذكر الشعراء نحو هذا المعنى، ولكنهم لم يبلغوا هذا المبلغ"(123).
وقد امتدت عناية البطليوسي بتعقب المعنى لدى المعري لترصد ما تكرر لديه من معان، ففي معرض شرحه لقول المعري: (من البسيط)
ومنهل ترد الجوزاء غمرته
إذا السماكان شطر المغرب اعترضا
قال: "وقد أولع بهذا المعنى فكرره في مواضع من شعره، كقوله: (من الطويل)
تبيت النجوم الزهر في حجراته
شوارع مثل اللؤلؤ المتبدد
وقوله في موضع آخر: (من الوافر)
به غرقى النجوم فبين طاف
وراس يستسر ويستبان"(124)
ومثل هذا في شرح البطليوسي كثير(125).
وقد تنبه ابن سيده إلى أن تكرار المعنى قد يعتري القصيدة، فيكرر في مواطن مختلفة منها، مثال ذلك قوله: "وقد اطرد هذا المعنى في غير هذا الموضع من هذا الشعر"(126).
وإذا كان ابن السيد البطليوسي يجسد الموقف الأندلسي أمام النص الشعري المشرقي فإن ابن بسام صب اهتمامه على رصد ما للشعر المشرقي من أثر كبير في نظيره الأندلسي، إذ راح يرصد جذور معاني الأندلسيين في البيئة الشعرية المشرقية محددا درجة الأخذ وسبله، وقد تناول الباحث هذا الجانب في بحث له بعنوان: "تأثير أبي العلاء المعري في الأدب الأندلسي"؛ إذ تجلى تأثر الشعراء الأندلسيين بشعره مضمونا ووسائل تعبير وظواهر فنية، وتأرجحت وسائل الأخذ بين الإلمام والنظر، والعكس...(127)، فمن عكس المعنى قول أبي بكر بن بقي (ت 545هـ): (من البسيط)
والنجم منهزم أولى كتائبه
والصبح يغسل ثوب الليل من درن
وهو يشبه قول أحد معاصريه: (من البسيط)
شهم له نظرة في كل مشكلة
يكاد يغسل ما في الطين من درن
ثم يعلق ابن بسام قائلا: وكلاهما اقتنص المعنى من قول المعري وقام بعكسه: (من المتقارب)
فإن كان يكتبه كاتب
فقد سود الصبح مما كتب"(128)
وكثيرا ما نص ابن بسام على أن للشعراء الأندلسيين إضافات: باهرة على المعنى، مثال ذلك تعقيبه على بيت لأبي بكر محمد بن عيسى الداني الملقب بابن اللبانة (ت 507هـ) من قصيدة قالها عندما ورد حضرة إشبيلية وتعذر عليه رؤية المعتمد بن عباد (ت 448هـ)، يقول فيه: (من الكامل)
قد رشتني سهما فرشني طائرا
وكما نفذت فإنني أترنم
بقوله: "وقوله الخير معنى مشهور موضعه، باهر مطلعه فأخذه أبو بكر فنقله نقلا مليحا، وزاد فيه إحسانا صريحا، والذي نبهه عليه قول المعري: (من الطويل)
وحالا كريش النسر بينا رأيته
جناحا لشهم آض ريشا على سهم(129)
3/ج- نقد المعنى:
كما كان لوقوف الأندلسيين أمام المعنى كبير أثر في توثيقه وإثرائه أيضا، وكثيرا ما تعقبوا سقطات الشعراء وهنات العلماء أيضا الذين سبقوا إلى الوقوف أمامه، على أنني أسارع فأقرر أن حرص الأندلسيين على رصد المعنى وتقليب وجوهه أوقعهم أحيانا في تحميل النص الشعري مالا طاقة له به، وقد أشار ابن الإفليلي إلى هذا الملمح في تضاعيف شرحه لقول المتنبي: (من الطويل)
أحبك يا شمس الزمان وبدره
وإن لا منى فيك السها والفراقد
إذ قال بعد تمحل في استنطاق البيت: "وهذا وإن لم يلفظ بجميعه، ففي فحوى خطابه ما يدل عليه"(130).
وقد تبين للعلماء الأندلسيين أن الخطأ الذي أصاب المعنى فيما روي من أشعار مشرقية يعود إلى طابع الاجتزاء الذي هيمن على كتب المختارات الشعرية المشرقية، والاستشهاد بالبيت مقطوعا عن سياقه، فيصبح حمالا لأوجه، ورأوا ضرورة رده إلى سياقه مع التثبت من دقة روايته.
وكان أبو عبيد البكري أكثر علماء الأندلس وعيا بهذا الملمح، وتجلى وعيه في تعقب ما اعترى مرويات القالي في أماليه من إسقاط أبيات، أخلت باتساق المعنى(131) وسار على نهجه ابن سيده في شرح مشكل شعر المتنبي(132) وابن السيد البطليوسي في شرح ديوان سقط الزند(133) والاقتضاب في شرح أدب الكتاب(134)، فقد ذهب ابن سيده إلى أن تمام المعنى يستدعي أحيانا رواية البيت متصلا بغيره، ففي معرض تعقيبه على قول المتنبي من قصيدة ودع بها عضد الدولة البويهي (ت 372هـ)، وكانت آخر شعر قاله: (من الوافر)
وذلك النشر عرضك كان مسكا
وذلك الشعر فهري والمداكا
أشار إلى أن الاكتفاء بهذا البيت يوقع المتنبي في نبو ذوق في مخاطبة الملوك؛ إذ "لولا البيت الذي بعد هذا لعد جفاء من المتنبي لتسويته شعره في نوعه بعلا الملك في نوعها، ولكن حسن ذلك بالبيت الذي أردفه به، فيقول فيه…
فلا تحمدهما واحمد هماما
إذا لم يسم حامده عناكا"(135)
كما تطرقوا إلى نقد ما اعترى شروح سابقيهم من سوء تفسير أو تأويل للمعنى، مبعثه العناية "بتبيين اللغة والتصريف والإعراب عن تحقيق المعاني وتبيين الأغراض"، ومن هذا المنطلق حمل الأعلم على ابن جني في شرحه ديوان المتنبي، إذ كان خطأه في تأويل المعاني أكثر من إصابته فيها، وإعراضه عن تبيين المشكلات منها أكبر من إقباله عليها، وليس هذا قدحا في علمه، ولا تسارعا إلى ظلمه وهضمه، ولكن معاني الشعر كثيرا ما زل العلماء في تأويلها، وضلوا عن منهاج سبيلها، وذكروا عجز كثير من العلماء عنها والتقصير منهم فيها"(136).
ورأى البكري الرأي نفسه في تعقبه لإخفاقات القالي في مجال المعني، رادا هذه الإخفاقات إلى عنايته بـ "تفسير ظاهر اللغة عن تفسير غامض المعنى"(137).
وقد كان أبو علي القالي في أماليه وابن جني (ت 392هـ) في الفسر الكبير والصغير أكثر رواة وشراح الشعر المشرقيين تعرضا لنقد الأندلسيين الذي تأرجح بين الموضوعية تارة والتعسف تارات أخر، فعني البكري بتعقب سقطات القالي تعقبا لم يترك له فضلا أو مزية، وراح ابن سيده والأعلم الشنتمري وابن بسام الشنتريني يرصدون ما اعترى شروح ابن جني من قصور.
فأبو عبيد البكري يخطئ القالي فيما فسر به قول الشاعر: (من البسيط)
إن الذئاب قد اخضرت براثنها
والناس كلهم بكر إذا شبعوا
إذ ذهب إلى "أن الناس كلهم عدو لكم إذا شبعوا كبكر بن وائل" طارحا تفسيرا بديلا، فقال "لم يرد الشاعر هذا المعنى؛ لأن الناس كلهم لم يكونوا عدوا لبني تميم ولا أقلهم، وإنما يريد أن الناس إذا شبعوا هاجت أضغانهم وطلبوا الطوائل والترات في أعدائهم، فكانوا لهم كبكر بن وائل لبني تميم"(138).
أما ابن سيده فله موقف خاص من شرحي ابن جني لشعر المتنبي تجسده تعقيباته الآتية، والتي اتسم بعضها بالحدة، كقوله: "لابن جني في هذا البيت كلام أجله عن أن أعزوه إليه"(139) و"هذا قول أبي الفتح، وليس عندي بقوي"(140)، واتسم بعضها الآخر بالموضوعية، كقوله: "هذا قول أبي الفتح وهو حسن"(141) وقوله: "وقد أجاد أبو الفتح في تمثيله..."(142).
وقد تعقبوا أيضا أخطاء الشراح الأندلسيين في تفسير النص الشعري المشرقي، إذ راح المؤلف المجهول لكتاب "التنبيه على المغالطة والتمويه" يتعقب اخطاء أبي المطرف أحمد بن عميرة المخزومي في شرحه لأشعار امرئ القيس (ت 80ق هـ) والنابغة الذبياني (ت 18ق هـ)(143)، من ذلك رده على أبي مطرف في شرحه قول امرئ القيس: (من الطويل)
فكان تنادينا وعقد عذاره
وقال صحابي قد شأونك فاطلب"(144)
وكذلك قول النابغة الذبياني أيضا: (من الطويل)
وقد عسرت من دونهم بأكفهم
بنو عامر عسر المخاض الموانع
إذ ذهب أبو المطرف في شرحه للبيت إلى أن "عسرت من دونهم بأكفهم" تعني أنها رفعت أذنابها للضراب "فجعل بني عامر بن صعصعة نوقا وجعل أكفهم أذنابا، فلو أن الكف معروفة والذنب معروف، وإن خلقة كل منهما متباينة لظن من رأى هذا التفسير من الجهال أن القوم بغاؤون لأنهم هم الفاعلون للعسر بالأكف... وعجبي من تفسير أبي المطرف... لتفسيره "عسرت" بـ "رفعت أذنابها للضراب"، وإنما ترفع الناقة ذنبها لمنع الضراب لا للإمكان منه، وهذا المعنى مفسر في عجز البيت نفسه وهو قوله "المخاض الموانع" أي المانعة لأنفسها من ضراب الفحل، وكذلك تفعل كل لاقح"(145).
خامسا: العناية باتساق النص واكتماله:
امتدت عناية الأندلسيين بتوثيق النص الشعري لتشمل هيكله الخارجي، فتنبهوا إلى ما اعتراه من خلط أو إسقاط أو بتر، أصاب المعنى بالاختلال والقصور، وراحوا يزيلون هذا الخلط، ويضيفون ما أسقط منه متكئين على ذاكرة حافظة واسعة غذتها مصادر شعرية كثيرة توفرت لديهم بفضل الرحلة والهجرة ورغبة أولي الأمر(146)، وذائقة سليمة تكونت لديهم نتيجة سعة رواية، وطول مجاهدة للنص الشعري مشرقيا وأندلسيا.
وقد كان لأبي عبيد البكري (ت 487هـ) فضل كبير في هذا الجانب، عندما راح يتعقب مواطن الوهن التي أصابت رواية أبي علي القالي في آماليه، واتصلت بالإطار الخارجي للنص الشعري، إذ ردها إلى الإسقاط(147) والخلط(148) والتقديم والتخير(149).
5/أ- الإسقاط:
تعقب البكري أبا علي القالي في أربعة مواطن كان لإسقاط بعض الأبيات كبير أثر في اختلال المعنى، وتوجيه النقد لقائله، ففي معرض تعقيبه على بيتين لبكر بن النطاح (ت 192هـ) يقول فيهما:
ولو خذلت أمواله جود كفه
لقاسم من يرجوه شطر حياته
ولو لم يجد في العمر قسما لزائر
لجاد له بالشطر من حسناته
قال: "أسقط أبو علي - رحمه الله - من الشعر ما أخل بمعناه فصار فيه مطعن على الشاعر، وهو قد أحسن التخلص، فقال:
ولو لم يجد في العمر قسما لزائر
لجاد له بالشطر من حسناته
لجاد بها من غير كفر بربه
وشاركه في صومه وصلاته(150)
وقال أبو عبيد البكري في موطن آخر: "أسقط أبو علي - رحمه الله - من هذا الشعر البيت الذي يقوم به معنى البيت الخير؛ لأنه جواب له، ولا فائدة له إلا بذكره... ولولا هذا البيت المسقط لكان البيت الذي أنشده لغوا ومنقطعا مما قبله، كأنه ليس من الشعر"(151).
وقد تنبه ابن السيد البطليوسي في شرحه لديوان سقط الزند لأبي العلاء المعري (ت 447هـ) إلى ما اعترى شعر المعري من حذف أقدم المعري ذاته على ارتكابه أخل في مواطن محددة بتدفق المعنى داخل القصيدة، فقال في تضاعيف شرحه القصيدة التاسعة عشر "هكذا وقعت القصيدة في سقط الزند غير متصل بعضها ببعض، فأثبتناها على ما وجدناه"(152). ثم عاد فكرر إشارته السابقة في تضاعيف تعليقه على البيت الرابع من القصيدة الرابعة والثلاثين، فقال: وهذا البيت لا يلتئم بما قبله من الأبيات التئاما صحيحا؛ لأن أبا العلاء أسقط أبياتا كانت قبله، ولما كان فيها من ذم هذا المذكور"(153).
5/ب- التقديم والتأخير:
كما نبه بعض العلماء الأندلسيين على ما اعترى النص الشعري من خلل في ترتيب أبياته، وراحوا يعيدون ترتيبه وفق قراءة ذوقية، فقد آخذ البكري أبا علي القالي فيما رواه من رجز لرجل من غطفان، يقول فيه:
حمراء من معرضات الغربان
يقدمها كل علاة عليان
لأنه "أخر: .. الشطر المتقدم فاستحال معناهما..."(154).
وقد أقدم الأعلم الشنتمري على إعادة ترتيب بيتين لجران العود النمري (ت 68هـ) أوردهما أبو تمام في حماسته، يقول فيهما: (من البسيط)
يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي
والعقل متلة والقلب مشغول
ثم انصرفت إلى نضوي لأبعثه
إثر الحدوج الغوادي وهو معقول
وذيلهما بقوله: "كذا وقع هذان البيتان، والصواب أن يكون الأول ثانيا؛ لأنه انصرف أولا إلى نضوه فأرحله وذهب"(155).
ومن ذلك أيضا إقدام ابن السيد البطليوسي على إعادة ترتيب أبيات لطرفة بن العبد (ت 60ق هـ)(156) وأبي حيان الأندلسي (ت 745هـ) على إعادة ترتيب أبيات شعر لزهير بن صرد الجشمي رواها الطبراني (ت 360هـ)، أنشدها يوم حنين، صدرها قائلا: (من البسيط)
أمنن علينا رسول الله في كرم
فإنك المرء نرجوه وننتظر(157)
أمنن على بيضة قد ساقها قدر
مشتت شملها في دهرها غير
5/ج- الخلط والمزج بين الأشعار:
وقد تنبه الأندلسيون أيضا إلى ما اعترى النص الشعري من خلط، تتبعوا صوره وأنماطه، وكان البكري في هذا الجانب نسيج وحده، إذ تعقب المواطن التي زل أبو علي القالي فيها، فخلط بين الأشعار المتفقة وزنا وقافية وغرضا، رادا هذه النصوص إلى قائليها، مثال ذلك ما أنشده القالي لسلمة بن يزيد يرثي أخاه لأمه: قيس بن سلمة، يقول من أبيات: (من الطويل)
أقول لنفسي في الخلاء ألومها
لك الويل ما هذا التجلد والصبر
ويعلق أبو عبيد البكري على الأبيات بقوله: "وقد خلط أبو علي - رحمه الله - في هذا الشعر فأدخل فيه أبياتا من قصيدة الأبيرد - الرياحي - المشهورة التي يرثي بها أخاه بريدا"(158).
ومثل هذا في تنبيهات البكري على أبي علي كثير(159).
وقد نبه البكري أيضا إلى أبيات مفردة تكونت نتيجة الاعتماد على الاجتزاء والضم، فثمة بيت قد من عجزي بيتين(160)، وثان قد من ثلاثة أبيات(161) وثالث قد من بيتين، فاستعار من الأول صدره، ومن الثاني عجزه(162)، ردها البكري إلى أصولها التي قدت منها، مثال ذلك بيت أنشده القالي معزوا إلى البعيث (ت 134هـ) يقول فيه: (من الطويل)
ألا طرقت ليلى الرفاق بغمرة
ومن دون ليلى يذبل فالقعاقع
حيث رده البكري إلى أصله الذي قد منه، فقال: "خلط أبو علي – رحمه الله – في البيت الأول، فأتى من بيتين، وصحة إنشاده…:
ألا طرقت ليلى الرفاق بغمرة
وقد بهر الليل النجوم الطوالع
وأنى اهتدت ليلى لعوج مناخة
ومن دون ليلى يذبل فالقعاقع(163)
5/د- إكمال النص الشعري:
لم تقف عناية علماء الأندلس بتوثيق النص الشعري عند حد إصلاح ما اعترى هيكله من خلط، أو تقديم وتخير، أو بتر، بل تجلت عبر مظهر آخر تمثل في حرصهم على أن تضم الرواية الأندلسية للآثار الشعرية المشرقية نسخة تامة منها. فقد أشار د. محمد بنشريفة إلى وجود نسخة من ديوان المتنبي بالمكتبة السعدية المنصورية، وصفها بقوله: "وهي نسخة نفيسة مقابلة على أصول أندلسية ومغربية عتيقة.."(164) وتضم زيادات لا وجود لها في غيرها من أصول خطية ومطبوعة، وقام بنشرها في تضاعيف كتابه أبو تمام وأبو الطيب في أدب المغاربة"(165).
وأشار الوادي آشي في برنامجه أنه قرأ ديوان سقط الزند لأبي العلاء المعري "بالقاهرة المعزية على الأستاذ المحدث أثير الدين أبي حيان المذكور في أصلي، ووجدت في أصل سماعه زيادة قصائد له، قرأت بعضها عليه في أصل السماع، وقرأ علي بعضها في آخر الديوان، فكمل لي بين سماع من لفظه وقراءة عليه"(166).
وقد بلغت تلك الرغبة أوجها لدى الأعلم الشنتمري في شرحه لحماسة أبي تمام، إذ لم يقنع بشرح ما أورده أبو تمام من مختارات وفق ترتيبه، فراح يجمع نصوصها، ويستقصي رواياتها المتعددة شرقا وغربا، معيدا ترتيب ابوابها ترتيبا يعكس دقة وعي ورقي ذوق فني، صابغا مادتها بصبغة أندلسية، فأخضع ترتيب مادتها للأبجدية المغربية، تحدوه رغبة صادقة في أن يخرج مؤلفا كاملا لم يكن نظيره موجودا قبل"(167)، وقد أوهمت إضافات الأعلم الشنتمري التي طالت شكل الحماسة وجوهرها تبويبا وترتيبا عبد القادر البغدادي (ت 1092هـ) فلم يتردد في نسبتها إليه(168).
وتتجلى هذه الرغبة لديه مرة ثانية في شرح شعر زهير بن أبي سلمى، إذ لم يقتصر على رواية الأصمعي بل شفعها بما زيد. لدى الرواة الآخرين، فأتم روايته بما عثر عليه من زيادات لدى أبي عبيدة(169). وقد قام أبو عبيد البكري بجمع ما تيسر له جمعه من روايات لديوان ابن الطثرية، فتجمعت لديه "منه كل رواية: رواية أبي حاتم عن الأصمعي، ورواية الصوسي عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني"(170).
كما امتدت عنايتهم إلى الشعر الأندلسي أيضا، فراحوا يكملون ما اعترى دواوين شعرائه من نقص، ويستدركون ما عثروا عليه من أبيات، مثال ذلك ما استدركه ابن سعيد الأندلسي من أبيات لابن خفاجة خلت نسخة ديوانه منها(171) وما قام به ابن الأبار من إضافة ثلاثة أبيات وجدها لابن عمار خلا ديوانه منها، وقال: "ولم أجد هذه الأبيات الثلاثة في ما جمع أبو الطاهر التميمي من شعر ابن عمار، فأضفتها إليه، وكتبتها في نسختي منه"(172).
أما إكمال ما اعترى قصائدهم من بتر فكثير الحدوث لديهم، وبه تعج مصنفاتهم، من مثل ذلك ما قام به لسان الدين بن الخطيب في معرض التطرق إلى قصيدة أبي بحر بن عبد الصمد في رثاء المعتمد بن عباد وأنشدها على قبره بأغمات، إذ اقتصرت المصادر السابقة على ذكر ثلاثة أبيات منها أوردها ابن الصيرفي يقول فيها: (من الكامل)(173)
ملك الملوك أسامع فأنادي
أم قد عدتك عن السماع عوادي
لما خلت منك القصور فلم تكن
فيها كما قد كنت في الأعياد
قبلت في هذا الثرى لك خاضعا
وتخذت قبرك موضع الإنشاد
بينما جاءت لديه في مائة بيت وأربعة أخر(174).
يتبع