
06-04-2019, 01:35 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,462
الدولة :
|
|
رد: توثيق النص الشعري المشرقي في الأندلس
توثيق النص الشعري المشرقي في الأندلس
أ. د. أيمن ميدان [(*) ]
3/4- أخطاء في النسبة:
إن ثمة أبياتا أخطأ علماء الأندلس في عزوها لقائليها من هذه الأبيات بيت أورده ابن سيده (ت 458هـ) معزوا إلى قطري بن الفجاءة (ت 78هـ)، يقول فيه: (من الطويل)
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد
لنفسي حياة دون أن أتقدما
بينما جاء ضمن ثلاثة أبيات أوردها أبو تمام في حماسته معزوة بلا خلاف للحصين بن الحمام المري (ت 10ق هـ)(56).
وقد نسب أبو حيان الأندلسي البيت التالي إلى حسان بن ثابت (ت 54هـ):
شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة
مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها
بينما يروي لكعب بن مالك الأنصاري (ت 50هـ) في كل من: لسان العرب (جبر)، والمعرب ص 161، وخزانة الأدب، 1/415 والأزمنة والأمكنة 1/39 وديوان كعب ص 10(57).
رابعا: تصويب بنى النص:
إذا كانت عناية علماء الأندلس بالنص الشعري قد شملت إسناد مروياته، وتصويب ما اعترى أسماء مبدعيه من تصحيف وتحريف وخلط، وتحقيق نسبته لقائله، فإن هذه العناية امتدت إلى تصويب ما اعتراه من أخطاء طالته شكلا ومضمونا، فكانت لهم لفتات ذكية تناولت لغته وإيقاعه ومضمونه.
4/1- البنية اللغوية:
بلغ اهتمام علماء العربية قديما بلغة الشعر درجة من التشدد أفضت بهم إلى صدام ضار بالشعراء، جسدته مقولة الفرزدق (ت 110هـ) لعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي: "علينا أن نقول، وعليكم أن تحتجوا"(58)، وأمام هذا الصدام تباينت مبررات كل طائفة، ففي الوقت الذي رأى فيه علماء اللغة والنحاة.. حتمية تحرك الشعراء في نطاق لغوي شكلته قرائح الأعراب الأقحاح وفق قواعد استقيت منه، ولا يحق الخروج عليها - ذهب الشعراء إلى أن ملكة الإبداع لديهم لا ينبغي أن يحد من تدفقها عوائق لغوية ونحوية وصرفية... يتذرع بها أناس لا ذائقة لهم، ولا وعي بصنعة الشعر يتسلحون به، فقال عمار الكلبي من أبيات يهجو بها النحاة: (من البسيط)
ماذا لقينا من المستعربين ومن
قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا
إن قلت قافية بكرا يكون بها
بيت خلاف الذي قاسوه أو ذرعوا
قالوا: لحنت. وهذا ليس منتصبا
وذاك خفض، وهذا ليس يرتفع
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم
وبين قوم على إعرابهم طبعوا
ما كل قولي مشروحا لكم فخذوا
ما تعرفون وما لم تعرفوا فدعوا فدعوا"(59)
1/أ- ازدواجية اللغة:
وتجد هذه العناية في الأندلس تربة خصبة لاحتضانها، فتتجلى في عدة مظاهر، من بينها عزوف مؤرخي الأندلس عن الاحتفاء بالموشح باعتباره تمردا على عنصري نقاء اللغة ووحدة الإيقاع كما وقافية، فجاءت مؤلفاتهم عطلا من نصوصه، إذ لم يشير الفتح بن خاقان (ت 529هـ) إلى شيء من أصوله في "قلائد العقيان"، وترفع عبد الواحد المراكشي (ت 647هـ) عن إيراد شيء من نصوصه، خضوعا لتقليد شاع في زمانه، إذ قال في تضاعيف ترجمته للوشاح الأندلسي الكبير أبي بكر بن زهر: "ولولا العادة لم تجر بإيراد الموشحات في الكتب المجلدة المخلدة، لأوردت له بعض ما بقي على خاطري من ذلك"(60). أما ابن بسام الشنتريني فقد عزف عن إيراد نصوص منه، وإن عني بدراسته مضمونا وأساليب بناء ومراحل تطور(61)، وفي أخريات القرن السابع الهجري يلقى الموشح قبول ابن سعيد الأندلسي (ت 685هـ) فيحتفي بنماذجه وأعلامه التي يحتشد بها كتابه "المغرب"(62).
1/ب- اللحن:
ومن مظاهر عنايتهم بتوثيق النص الشعري أيضا تعقب ما اعتراه من تصحيف وتحريف ولحن، ولهم في هذا المضمار مواقف لا تنكر، وآراء تذكر، فقد كانوا يعيبون اللحن، ويعدونه "من أقبح الأشياء"(63)، فمحمد بن محمد بن ميمون الخزرجي كان يشارك في العربية" والشعر النازل عن الدرجة الوسطى، لا يخلو بعضه من لحن"(64)، وقراءة قصيدة أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن بلال الأشعري التي يقول منها: (من بحر)
تستثير الضحك سخرية من لحنها وفسادها الخارج عن الحد"(65).
وقد تعقب أبو بكر بن العربي (ت 543هـ) صاحب الرواية الأندلسية الخالصة لأدب المعري - ابن السيد البطليوسي في شرحه ديوان سقط الزند وما اختار من لزوميات، مما حدا بابن السيد إلي تأليف رسالة صغيرة وسمها بـ "الانتصار ممن عدل عن الاستبصار" فند خلالها مآخذ ابن العربي رادا أكثرها إلى تصحيف وتحريف ارتكبهما ناسخ نسخته من الديوان - أي شرح السقط - مما أصاب كلامه بكسر في الوزن وتغير اعترى وجه الكلام(66).
ويعد أبو عبيد البكري وابن السيد البطليوسي أكثر علماء الأندلس عناية بتعقب ما اعترى لغة الشعر المشرقي من لحن، مثال ذلك رفض البكري رواية القالي لقول الشاعر: (من الطويل)
إذا أنت لم تترك طعاما تحبه
ولا مقعدا تدعى إليه الولائد
تجللت عارا لا يزال يشبه
شباب الرجال نقرهم والقصائد
مستندا على رفض صاعد بن الحسن لها، وعدها تصحيفا، واستبدالها بأخرى (سباب بدلا من شباب)، ثم طرح تأويل أنصار الروايتين للمعنى، لينتصر خيرا لرواية صاعد، لأنها "رواية.. حسنة جليلة، وعن.. التكلف غنية"(67).
ومن اللحن الذي طال جانب النحو ما رواه القالي من شعر لأبي الأسود يقول منه: (من الطويل)
وإن أمرا لا يرتجى الخير عنده
يكن هينا ثقلا على من يصاحب
إذ انبرى البكري لتخطئته، قائلا: "هذا سهو من أبي علي - رحمه الله - لم يشعره؛ لانجزام قوله: "يكن هينا" من غير جازم، وصحة إنشاده:
وأي امرئ ………………
يكن هينا ……………"(68)
1/ج- غريب اللغة:
كما امتدت عنايتهم بتوثيق لغة النص الشعري لتشمل التنبيه على غريب اللغة، ونادرها، وما تسرب في تضاعيفها من ألفاظ معربة وأخرى تنتمي إلى لغات القبائل.
وقد تعقب الأعلم الشنتمري في شرح حماسة أبي تمام المفردات المعربة عن الفارسية، والألفاظ التي تعود إلى لغات القبائل(69) فمن المفردات المعربة "اليارق" وتعني "السوار"، وهو فارسي معرب، وأصله ياره، فعرب"، وقد ورد ذكره في قول شبرمة بن الطفيل: (من الطويل)
لعمري لرئم عند باب ابن محرز
أغر عليه اليارقان مشوف
أحب إلينا من بيوت عمادها
سيوف وأرماح لهن حفيف(70)
ومثل هذا في تضاعيف شرحه كثير(71).
كما تعقب الشنتمري أيضا المواطن التي تسربت فيها لغات القبائل إلى أشعار الحماسة، فرصد تواجدا للغات كل من تميم وهذيل وطييء، وإن احتلت طييء مكانة متميزة، إذ رصد لقبيلة تميم موطنا واحدا ولهذيل موطنين، أما طييء فقد رصد لها ثمانية مواطن فـ "ذو" في قول عارف الطائي: (من الطويل)
لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم
لأنتحين العظم ذو أنا عارقه
بمعنى الذي، وهي لغة طييء"(72).
وتطرقوا كذلك إلى المفردات النادرة الشيوع، فابن السيد البطليوسي في تعليقه على قول المعري: (من الوافر)
تصيد سفرها في كل وجه
وغاية من تصيد أن يصادا
ذهب إلى أن للبيت رواية أخرى، وهي: "تصيد أن يصادا" بفتح التاء والصاد والياء من الفعل الأول، وفتح الياء من الفعل الثاني، وهو من قولهم: صاد يصاد، لغة من صاد يصيد، وهي لغة نادرة"(73).
وقد أشار الشنتمري في شرح حماسة أبي تمام إلى بعض المفردات التي جمعت على صيغ نادرة الورود، مثال ذلك لفظة "الكيسي" التي وردت جمع (كيس) في قول عقيل ابن علفة المري: (من الطويل)
وكن أكيس الكيسى إذا ما لقيتهم
وإن كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا
إذ علق على هذا البيت قائلا: "والكيسي جمع كيس وهو نادر"(74).
كما نبهوا على ميل بعض الشعراء إلى استخدام مفردات حوشية وغريبة، من مثل عبد الواحد ابن سليمان الغرناطي(75)، وأحمد بن محمد القيسي(76) وأبي الوليد بن هاني الغرناطي(77).
1/د- السياق:
وقد تنبه علماء الأندلس إلى ضرورة أن تأتي أساليب الشعراء متسقة لا خلل ينتابها؛ فيسحب بظلاله على المعنى، كالفصل بين متلازمين(78) أو الإخبار عن النكرة بالمعرفة(79)، والحذف المفضي إلى الغموض(80)، والتقديم والتخير، فمن سيء التقديم والتخير قول القلاخ بن حزن المنقري: (من الطويل)
فما من فتى كنا من الناس واحدا
به نبتغي منهم عميدا نبادله
ليوم حفاظ أو لدفع كريهة
إذا عي بالحمل المفصل حامله
فقد علق الأعلم الشنتمري على البيت الأول قائلا: "هذا البيت رديء النظم، مبني على التقديم والتخير... ونظيره في سوء النظم وتعمية المعنى بيت أنشده ابن الأعرابي، وهو: (من الطويل)
لها مقلتا حوراء طل خميلة
من الوحش ما تنفك ترعى عرارها"(81)
1/ه – تعدد الروايات:
استدعت عنايتهم بتوثيق لغة النص واتساق أساليبه تحري الدقة في تعقب رواياته المتعددة - والمتباينة أيضا - ونقدها، وقد كان لتعدد مصادر رواية الشعر المشرقي لدى الأندلسيين، وتسامحهم في قبول كل ما يحمل سمة مشرقية كبير أثر في إقبالهم على الجمع والمزج بين الروايات المشرقية للآثار الشعرية دون تعصب لمدرسة أو انحياز لفريق دون فريق، فاجتمعت لأبي عبيد البكري عدة روايات لديوان يزيد بن الطثرية، الذي جمع منه كل رواية: رواية أبي حاتم عن الأصمعي، ورواية الطوسي عن ابن الأعرابي وأبي عمرو الشيباني"(82). وأقدم الأعلم الشنتمري على الجمع بين رواية الأصمعي لشعر زهير بن سلمى وما زيد من مرويات رواة آخرين، فأتمها بما عثر عليه من زيادات لدى أبي عبيدة(83)، وتوفرت لدى ابن السيد البطليوسي نسخ متعددة من ديوان سقط الزند لأبي العلاء المعري أثرت شرحة بروايات متعددة(84).
وقد تعددت وسائلهم في رصد الروايات المتعددة، إذ توزعت بين الرصد العاري من الشرح والترجيح والنقد(85)، والرصد مصحوبا بتوجيه المعنى(86) والترجيح(87)، ونقد الرواية، معتمدين في نقدهم على آراء سابقيهم من علماء المشرق(88)، أو متكئين على قرائن تاريخية(89) وأخرى أسلوبية(90).
ففي معرض نقد البكري ما أنشده القالي معزوا إلى العجاج من رجز يقول منه:
يقتسر الأقوام بالتغمم
اتكأ على رواية ثلاثة من الرواة المشارقة، فقال: "هكذا روي عنه بالتغمم بالغين ولم يختلف في ذلك عنه، وهو وهم، وإنما هو بالتقمم بالقاف، أي بالركوب والاعتلاء، كذلك رواه أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي - رحمهم الله - وفسروه بما ذكرته، وهو الذي لا يصح سواه"(91).
وقد يستندون في نقد الرواية وطرح رواية بديلة على قرائن دلالية وذوقية، مثال ذلك ما قام البكري به في معرض نقد رواية القالي لبيت للبعيث يقول فيه: (من الطويل)
على حين ضم الليل من كل جانب
جناحيه وانصب النجوم الخواضع
لأنه "لا يستقيم أن يكون (.. وانصب النجوم الخواضع)، لأن الخواضع هي المنصبة، فكيف يستقيم أن يقول: وانصب النجم المنصب.. وإنما يريد الشاعر أن الليل قد أدبر، وانقض للغروب ما كان طالعا من أوله... وأيضا فإن الذي يلي هذا البيت من القصيدة قوله:
بكى صاحبي من حاجة عرضت له
وهن بأعلى ذي سدير خواضع
فلو كان الذي قبله كما أنشده أبو علي - رحمه الله - لكان هذا من الإيطاء"(92).
4/2- الإيقاع:
كان للأندلسيين دور ملموس في دراسة موسيقى الشعر تأليفا ونقدا وتصحيحا، تجلى في عدد من المؤلفات العروضية(93) والنظرات النقدية التي تناولت النص الشعري المشرقي والأندلسي أيضا تناولا يعكس ثقافة عروضية واسعة يتسلحون بها، ووعيا شديدا بقيمة اتساق الإيقاع في إفراز المعنى وجلائه يحدوهم(94)، فكثيرا ما أشاروا إلى من لم يحسن إحكام الوزن وضبطه من الشعراء، فأبو عبد الله بن رشيد كان له شعر يتكلفه، ولا يكاد لعدم شعوره بالوزن يتألفه.."(95)، وقد كان الوادي آشي ينتقد سراج الدين عمر بن أحمد بن الخضر بن ظافر الأنصاري (ت 627هـ)، لأنه لا يحسن إحكام وزن الشعر، ولا يميز بين بحوره؛ فتراه يخلط في القصيدة الواحدة بين البحرين، فقال: ومن شعره يمدح (التنبيه) ما أنشدنيه: (من الطويل)
وما سمي التنبيه إلا لأنه
ينبه عن كل الحوادث للفهم
وأنشدني غير هذا، مع أنه لا يحسن وزن الشعر... ورأينه يستعمله في القصيدة الواحدة من بحرين، ولا يميز بين ذلك كالطويل والبسيط وغيرهما، وقيدت ذلك عنه، ولم يمكنني تنبيهه على ذلك لزعارة في خلقه" 96)، ويبدو أن تسرب الخطأ إلى عروض الشعر أضحى شائعا في أشعار متأخري شعراء الأندلس، إذ أشار ابن الأبار في معرض نقده أبياتا لأبي الإصبع عيسى بن محمد العبدري جاءت مختلة الإيقاع، فقال: "أفسد في صدر البيت الثاني والثالث من حيث الوزن، وقد وقع فيه جمهور الشعراء"(97).
ومن هذا المنظور راحوا يتعقبون الأشعار المشرقية والأندلسية، مظهرين ما اعتراها من أخطاء طالت الوزن، من ذلك ما أنشده أبو علي القالي لرؤبة بن العجاج (ت 145هـ) من رجز يقول فيه:
وطامح النخوة مستكت
طأطأ من شيطانه التعتي
إذ قام أبو عبيد البكري بتخطئة هذه الرواية مقترحا رواية بديلة تزيل ما علق بالشطر الثاني من اختلال فقال: "هكذا أنشده، ولا يستقيم ذلك ولا يصح، وإنما صحة إنشاده: طأطأ من شيطانه المعتي"(98).
وقد نبه الأعلم الشنتمري على ما اعترى بعض أبيات حماسة أبي تمام من خلل عروضي(99) ، إذ علق على بيت لامرأة من بني مخزوم، تقول فيه: (من السريع)
إن تسألي فالمجد غير البديع
قد حل في تيم وفي مخزوم
قائلا: "والبيت خارج من الوزن لتحريك العين في "البديع" "وراح يقلب الوجوه الإيقاعية المتنوعة؛ فقال: "فإن وقف عليه وسكن، وجعل كالبيت المصرع مما قافيته مبنية على الوقف قام وزنه، والبيت غير مبني على ذلك، فمثل هذا لا ينبغي أن يجوز"(100).
وقد نبه العلماء الأندلسيون أيضا على ما أصاب القافية من عيوب، وراحوا يزيلون هذه العيوب متكئين على وسائل متعددة، من: بينها رد الأبيات المفردة إلى قصائدها التي تنتمي إليها، وتجلى هذا الموقف فيما قام به البكري أمام رواية القالي لبيت الأبيرد اليربوعي الذي يقول فيه: (من الطويل)
فتى لا يعد الرسل يقضي مذمة
إذا نزل الأضياف أو ينحر الجزرا
فقال: "هذا سهو منه، وإنما هو: أو تنحر الجزر" مستندا موقفه هذا على أن قافية أبيات القصيدة التي ينتمي إليها البيت السابق مرفوعة؛ وقبله:
فتى إن هو استغنى تخرق في الغنى
وإن قل مالا لم يؤذ متنه الفقر"(101)
وقد استندوا أيضا على توجيه المعنى توجيها يدعم تغيير. القافية تغييرا يزيل ما اعتراها من عيب، مثال ذلك ما أجراه البكري من تغيير لرواية بيت للبعيث يقول فيه: (من الطويل)
على حين ضم الليل من كل جانب
جناحيه وانصب النجوم الخواضع
إذ رواه بصورة مغايرة، فأعاد للمعنى اتساقه، وأزال ما علق بالقافية من عيب (الإيطاء)(102).
وقد أشاروا أيضا إلى ما أصاب القافية من عيوب تجسدت في السناد(103) والإيطاء(104)... وقد زادوا فيها زيادات لا عهد لعروضي المشرق بها، من هذه العيوب عيب أطلق أبو البقاء الرندي (ت 684هـ) عليه مصطلح "الاستدعاء"، ويتمثل في اختلاف القافية، فتكون فضلة لا معنى لها، واستشهد ببيت أبي الطيب المتنبي الذي يقول فيه: (من الطويل)
ولو كنت أدري كم حياتي قسمتها
وصيرت ثلثيها حياتك فاعلم(105)
أما المصطلح الثاني فهو (التجميع)، وقد أورده ابن الأحمر في معرض نقده أبياتا لابن الفخار (ت 666هـ)، يقول منها: (من الخفيف)
شهرة المشرفي فوق المنار
عزة للورى ودين النبي
إذ قال: "... إن قوله: فوق المنار، فيه عيب.. يسمى التجميع؛ لأن سامعه أولا يقدر قافية البيت مثل قافية المصراع، فيجدها على خلافه"(106).
كما كان لانقيادهم لسلطان الوزن والقافية أثر كبير فيما وقعوا فيه من عيوب، إذ ألجأتهم القافية إلى الزيادة في حروفها، أو استخدام مفردات غير متلازمة(107)؛ مثال ذلك ما رصده ابن الأبار من انقياد إلى القافية دفع الأمير عبد الله بن محمد إلى ضرب من الإيهام، عندما قال: (من الطويل)
موالي قريش من قريش فقدموا
موالي قريش لا موالي معتب
إذ "حول اسم مغيث إلى معتب إغماضا وانقيادا للقافية"(108).
كما ألجأهم الحرص على اتساق إيقاع البيت إلى زيادة ألفاظ لا يحتاجها معناه، وقد رصد الأعلم الشنتمري نماذج شعرية لكل من أبي داؤد الإيادي (ت 79ق هـ) (109) وزهير بن أبي سلمى (ت 23ق هـ)(110) والمتنبي (ت 354هـ) وآخرين أصابها الحشو، ففي تضاعيف تعليقه على قول المتنبي: (من الكامل)
بنتم عن العين القريحة فيكم
وسكنتم وطن الفؤاد الواله(111)
قال: "إلا أن صنعة البيت وحفظ إعراب القافية سبب ذكر الوطن"(112) ومن مثل ذلك أيضا قول أبي العلاء المعري: (من الطويل)
ومن يعف عن ذنب ويسنح بنائل
فخالقنا أعفى وراحته أسخى
إذ "اضطره الشعر إلى أن يضع (الراحة) موضع (اليد)، ولا يجوز أن يقال: إن لله راحة، وإن كانت بمعنى اليد؛ لأن الشرع قد منع أن يوصف إلا بما وصف به نفسه"(113).
4/3- المضمون:
غني الأندلسيون بمضمون النص الشعري عناية فائقة تجلت في مظاهر متعددة، يأتي في مقدمتها إزالة ما اعتراه من غموض، وإظهار ما اتسم به من أصالة أو امتداد أو تكرار، ورصد روافده التي أنتزع منها، وتعقب قائله أو شارحه بالنقد والتجريح.
3/أ- الشرح:
يعد شرح النص الشعري الخطوة الأولى على درب استكناه مضمونه، لذا راح الأندلسيون يعنون بهذا الجانب، فشرحوا عددا من النصوص الشعرية المشرقية شروحا تباينت غاياتها، واختلفت وسائلها(114)، فإذا كان ابن الإفليلي قد عني في شرحه ديوان المتنبي بالمضمون عناية دفعته إلى الاصطدام المباشر بالنص دون توسل بشرح مفردات، أو ترجمة أعلام، أو تحديد مواطن، أو رصد ما يشبه المعنى لدى الشاعر أو غيره، فإن ابن السيد البطليوسي في شرحه ديوان سقط الزند لأبي العلاء المعري شغل بهذه الجوانب شغلا استنفد جل طاقاته، حتى إذا بلغ شرح البيت أو الأبيات اقتضب القول(115).
وإذا كان ابن الإفليلي وابن السيد البطليوسي قد شغلا بنص الشاعر تاما، فان ابن سيده صب اهتمامه على ما اعترى جانبا من شعر المتنبي من غموض، فسلط الضوء على أبيات المعاني(116)، وجاء اعتماده على شرح المفردات وغيرها من وسائل إيضاح ضيقا جدا، ومنهم من عني بشرح شواهد بعض الكتب المشرقية(117).
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|