استئجار الأرحام دراسة فقهية مقارنة(1-2)
د/ حصة بنت عبد العزيز السديس
ثانياَ: القضايا والمشاكل التي تحدث بين الأمهات صاحبات البويضة ضد الأم المستأجرة، لأن الأخيرة قد ترفض تسليم المولود لصاحبة البويضة على الرغم من أنها تفي بعقدها وتدفع لها الثمن كاملاً.
لأن الأم هذه تشعر أن هذا الجنين يخرج من بين أحشائها، ومشاعرها تتغير بالحمل والولادة، فتشعر أنها أم ذلك الطفل، ولا تستطيع التفريط به آنذاك، ولا تصبر على فراقه، لما قامت بينها وبينه نوع من الروابط النفسية أثناء الحمل، فهي ومن قبل أن تراه تشعر به وتحبه، وتتصور شكله15، ولأنها عانت من آلام الحمل وأوجاعه التي لا يقدر بمال مهما بلغ، فتتمسك بالطفل بعد ولادته، وتضرب بالعقد عرض الحائض.
وإذا ما انتزعته المحاكم منها، فقد تصاب بجرح عاطفي غائر، أو مرض نفسي خطير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد يكون سبب الخلاف والمشاكل هو عدم تسلم الطفل من قبل صاحبة البويضة وزوجها لكون الطفل ولداً معاقاً.
ثالثاً: هذه العملية قد تغطي معنى الأمومة بحاجز ضبابي، يجعل هذا المفهوم غير واضح، فبعد أن كانت الأم ، وعلى مر التاريخ الإنساني، هي صاحبة البويضة التي تنقل إلى الجنين الصفات والسمات الوراثية، وهي نفس الوقت، هي التي كانت تحمل وتضع وترضع وتربي وهي التي ترتبط بالطفل بعلاقة من أسمى العلاقات الإنسانية وأرقها.
فأصبح الآن نوعان من الأم: الأم البيولوجية، والأم الحامل للجنين.
وتداخلت الأمور، واختلف الناس في هذا المعنى الواضح الجميل، من هي الأم؟ ، وهذا الاختلاف قد يؤدي إلى تنازع الولاء عند الطفل بعد الإنجاب، هل سيكون ولاؤه للأم البيولوجية ، صاحبة البويضة، أو للأم التي حملته، وأرضعته من ثدييها، لذلك قد يتعرض الطفل إلى هزة نفسية، إذ إنه لن يعرف إلى من ينتمي بالضبط، ومعرفة انتمائه تساعده على التوصل إلى هويته.
ومع ذلك فهناك اتجاه آخر يرى خلاف ذلك16 ويرفض اعتبار ذلك من جملة السلبيات، إذ يعتقد هؤلاء أن الطفل الذي يولد نتيجة حاجة ملحة سيكون محبوباً أكثر من أي طفل آخر، وسوف يحصل رعاية لا يحلم بها الأطفال الدين يولدون بالطريقة العادية، وسيجد من لحب ما لا يجده الآخرين، فيكون بذلك تعويضاً عما فات الطفل من ا لولادة الطبيعية.
وهناك محاولات من العلماء الآن للتواصل إلى اختراع رحم صناعي يقوم بمهمة الحمل كاملة، وهذا مما يزيد الأمر غموضاَ وضبابية ولبساً، والطفل في هذه الحالة سيصبح مثل صغار الدجاج، كل ما علينا هو أن نوفر له الغذاء والجو المناسب، لكي تتسلمه الأم، كامل النمو، بعد تسعة أشهر، أو ربما أقل من ذلك إذا تطورت التكنولوجيا في هذا المجال17.
رابعاً: الرحم في نظر الإسلام له حرمة كبيرة ، وليس هو موضع امتهان أو ابتذال حتى يستأجر، لأن الرحم عضوُ بشري له علاقة شديدة بالعواطف والمشاعر أثناء الحمل، ليس أمره كاليد والرجل، يُمكن استئجار صاحبها لأجل العمل ، أو استخدام الجسد في حالة الرياضة، أو الأعمال اليدوية كحمل الأشياء ونقلها، وغيرها من الاستخدامات التي لا تدخل فيها أي مشاعر أو عواطف، واستئجار الرحم يُعد استهانة بالكرامة الإنسانية ويدخل ذلك في إطار هذه الرحمة والمرأة لا تملك حق تأجير رحمها، لأن إثبات النسل ووسائل الإنجاب من حق الشارع وحده، فلا تباح بالإباحة، ولأن استئجار الرحم يدخل في موضوع الفروج والأصل في الفروج الحرمة.
خامساً: هذه العملية قد تؤدي إلى اختلاط الأنساب في كثير من صورها الرائجة في الغرب، إذ قد يدخل طرف ثالث في القضية على شكل مني أو بويضة18.
المبحث الأول: أفراد المسألة:
المطلب الأول: الرحم الظئر والأم البديلة.
أ ـ الأم المستأجرة "الرحم الظئر"19.
وذلك يكون بأن تتقدم امرأة تستطيع الحمل والولادة من أسرة لا تستطيع الزوجة فيها أن تحمل أو تلد، إما لغياب الرحم لديها نهائياً أو عدم قدرته على احتضان الجنين أو لعدم وجود الرغبة لدى هذه الزوجة بالحمل ترفهاً وتجنباً لمشاق الحمل والولادة ، فتأتي المرأة المستعدة للحمل وتقوم بإتمام العملية مقابل أجرة ويوثق ذلك بعقد20.
وقد ظهرت الفكرة على الواقع عندما رفضت السيدة ماري وايتهد تسليم الطفلة التي حملتها بالنيابة بعد يومين من ولادتها إلى الزوجين اليزابيث ووليام ستيرن اللذان كانا قد تعاقدا معها21.
وقد جرى التعاقد بواسطة مركز نيويورك للعقم، وذلك مقابل 10 ألاف دولار للسيدة وايتهد، ونفس المبلغ لمركز نيويورك للعقم، بالإضافة إلى دفع مبلغ 500 دولار لتغطية نفقات أخرى22.
وقد وصلت المشكلة إلى القضاء في أمريكا، وحكم القاضي بصحة التعاقد وبأن الطفل للزوجين إليزابيث ووليام، وقد أعلن المحامي نويل كوين صاحب الوكالة التي أشرفت على توقيع العقد أن ماري لم تكن أول أم بالوكالة في الولايات المتحدة، فقد سبقتها أمهات أخريات، بل ورفضت أربع منهن تسليم أطفالهن، ولكن حالة ماري أول حالة تصل إلى القضاء وأضاف أن 65 طفلاً أمريكيا ولدوا هذا العام بمقتضى عقود من هذا النوع، وأن في أمريكا اثني عشر مركزاً لخدمة هذا الغرض23.
وفي حالة ثانية فقد وافقت ريتا باركر على أن تكون أما بديلة ورحما مستعارا لزوجين هما بولين وهاري تايلر وذلك مقابل أخر.
وحملت الأم المستعارة لقيحة الزوجين، وبدأ هاري تايلر يتردد على المرأة التي حمله له ولده، ووقع في غرمها، وعندما وضعت رفضت تسليم الوليد الذي حملته إلى الزوجين تايلر، ورفع الأمر إلى القضاء24.
يقول د . بكر أبو زيد رحمه الله: وقد أثبتت الإحصائيات والأخبار العالمية الموثقة وجود أعداد غير قليلة من القضايا والمنازعات على المواليد من هذه الطرق بين ذات الرحم وذات الماء، وبين ذات الرحم وصاحب الماء 25.
وفي بريطانيا وضعت أم بديلة تدعى كيم كوتون طفلة لزوجين لا تعرف عنهما شيئاً، بواسطة وكالة تقاضت مبلغ 14 ألف جنيه من الزوجين للأم البديلة و 65000 جنيهاً لها منها ألف جنيه لتغطية نفقات العلاج26، ورفضت كذلك هذه الأم تسليم وليدتها27.
وأصبحت الصحف تزودهم بأسماء الوكالات التي وفر أرحاماً للإيجار وعناوينها من أمريكا إلى لندن إلى فرانكفورت وأسعارها28.
المطلب الثاني: الأم القريبة 29.
الأم القريبة الجدة الأم، الأخت الأم، ويظهر ذلك في أسرة لا تستطيع الزوجة فيها أن تحمل أو تلد، ولا تملك نفقات أم مستأجرة، فتلجأ إلى إحدى قريباتها لتقوم بالحمل عنها بدون أجر.
وقد حصلت هذه الحالة في صورتين:
1 – الجدة الأم:
والأم البديلة في هذه الصورة هي والدة صاحبة البييضة.
والحادثة حصلت في مدينة جوهانسبرج بجنوب إفريقيا، حيث وضع سيدة من جنوب إفريقيا ثلاثة توائم بعد أن اتفقت مع ابنتها وزوجها على أن تكون أما بديلة.
ذلك أنه بعد زواج كارين من أكيلنو فبرايرا عام 1983م، حملت الزوجة بعد الزواج مباشرة ووضعت مولودها الأول ألكينو ولكنها أصيبت بالسرطان واستئصال الرحم، وأمام رغبتها في الإنجاب والإشارة عليها باللجوء إلى الأم البديلة من قبل الأطباء وضعف الإمكانيات المادية، كان الحل بعرض أمها أن تكون هي الأم البديلة وهي في الثامنة والأربعين من عمرها، وبالفعل تم توقيع العقد وحملت الجدة ثم وضعت ثلاثة توائم لابنتها30.
1ـ الأخت الأم:
والأم البديلة في هذه الصورة هي ابنة صاحبة البييضة:
والحادثة كانت في إيطاليا، حيث وضعت جيوفانا كابريللي 20 عاماً ابنا نيابة عن والدتها مانيولا كابريللي ، 48 سنة وكانت الأخيرة قد تزوجت بعد وفاة زوجها والد جيوفانا من شاب يدعى ماركو برزنتو 36 عاما، وقد كانت مانيولا أنجبت من زوجها الأول ولدين وبنتا هي جيوفانا ولكنها كانت تسعى لتحقيق رغبة زوجها ولم تكن باستطاعتها الإنجاب وهي في هذا السن، فأشار عليها الأطباء باللجوء إلى الأم البديلة.
وأمام النفقات الضخمة توقفت تنفيذ العملية إلى أن عرضت جيوفانا على أمها أن تكون هي الأم البديلة.
وبالفعل تم تخصيب بييضة الأم بماء الزوج وأودع كل ذلك في رحم الابنة جيوفانا فحملت بشكل طبيعي وأنجبت طفلاً سلمته لأمها31.
المراجع
1 سورة آل عمران، الآية 102.
2 سورة النساء، الآية 1.
3 سورة الأحزاب، الآية 70، 71. .
4 مجلة العربي ، العدد 232، ربيع الأول 1398هـ، تحت عنوان فقهي لى تساؤلات ساؤلات – قضايا علمية تنتظر أحكامها الشرعية، ثبوت النسب، دراسة مقارنة، د ياسين الخطيب ، ص 32، دار البيان العربي، جدة، ط1، 1987م؛ مجلة البلاغ الكويتية، العددين 486، 487؛ وانظر: الإنجاب في ضوء الإسلام، ص 168، 169.
5 دراسات في قضايا طبية معاصرة ، الأم البديلة –رؤية إسلامية- : الدكتور عارف علي عارف، ص 813ـ 815.
6 الطب الإسلامي: أحمد شرف الدين، مقال، ص 391.
7 أخرجه البخاري 3/ 1174 ـ 1175، كتاب بدأ الخلق ، باب ذكر الملائكة ، حديث رقم 2969؛ ومسلم 16/189، كتاب القدر، باب كيفية خلق الأدمي في بطن أمه وكتابه، حديث رقم 4781.
8 أخرجه البخاري ، 5/192، في كتاب الحدود، باب للعاهر الحجر، حديث رقم 6318؛ ومسلم ، 2/ 1080، في كتاب الرضاع، باب الولد للفراش وتوقي الشبهات، حديث رقم 2645.
9 مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة الثالثة، العدد الثالث، الجزء الأول، 1408هـ / 1987م، ص 434ـ 440.
10 من بحث الدكتور محمد علي البار بعنوان القضايا الأخلاقية الناجمة عن التحكم في تقنيات الإنجاب التلقيح الصناعي، ص 461ـ 468 ، بحوث مجلة مجمع الفقه الإسلامي ، العدد الثالث، 1408هـ/ 1987م.
11 وكانت أول وكالة يتم افتتاحها في أوروبا هي: الوكالة الدولية الأوروبية لتأجير أرحام السيدات، بمدينة فرانكفورت الألمانية، وأول وكالة مماثلة أمريكية هي من ولا ية ميشيغن، وتعتبر شركة ستوركس sرضي الله عنهo- صلى الله عليه وسلم -ks من الشركات الرائجة في مجال التجارة بالأرحام. انظر: جريدة المسلمون، في 28/ مارس 1997م، العدد: 634، وكالات لتأجير الأرحام وشتل الجنين.
12 وتأجير الأرحام هناك له تكاليف باهظة، وقد تكلف أكثر من خمسين ألف دولار، وحصة الأسد من هذه الأموال تأخذها هذه الشركات ، وليست للأم البديلة إلا نسبة بخسة منها. انظر: المصدر السابق، رأي الدكتورة مديحة الصيفي، استاذة علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، جريدة المسلمون، المصدر السابق.
وفي العشر العسر سنوات الأخيرة لوحظ زيادة التعامل التجاري للولادة عن طريق تلك الوكالات المتخصصة في المدن الرئيسة في الغرب، وهذه الوكلات لديها قوائم بأسماء الأمهات البديلات لتساعدهن في التعرف على الأزواج الراغبين في هذه العملية، وتدار هذه العملية عن طريق أطباء ومحامين، ومن السهل التعرف عليها عن طريق دليل الهاتف، أو عبر منظمة محلية، أو جمعيات طبية، أو عن طريق شبكة الإنترنت.
13 وهناك اتجاه في الفقه الغربي تنادي بحرمة استئجار الرحم بسبب ورود جانب الاستغلال فيه، سواء بإجبار الطرف الثاني أو حتى برضاه، فهذه لجنة وأرنك wa- صلى الله عليه وسلم -nok، وهي لجنة أخلاقية طبية في بريطانيا، اعتبرت هذه العملية نوهاً من الاستغلال للآخرين ،وأوصت بمنع دخول طرف ثالث في عملية الإخصاب الخارجي. انظر: الهندسة الوراثية والأخلاق، ناهدة البقصمي، ص 187؛ قضايا طبية معاصرة في ضوء الشريعة الإسلامية ، 1/20؛ جمعية العلوم الطبية الإسلامية، المنبثقة عن نقابة الأطباء بالأردن، دار البشير، 1995.
14 أعلنت إحدى الأمهات البديلات السيدة : كوتن، أنها وافقت على القيام بهذه المهمة من أجل الحصول على المال لتغيير ستائر منزلها وأثاثه. ناهدة البقصمي، مصدر سابق، ص 187.
15 رأي الدكتورة منال حمزة ، عضو الهيئة الطبية بعيادات الحرس الوطني بجدة، جريدة المسلمون.
16 البقصمي، ص180.
17 دراسات فقهية، ص 808ـ 812.
18 انظر: المسائل الطبية المستجدة في ضوء الشريعة الإسلامية ، للدكتور محمد عبد الجواد لنتشه، ص 309؛ أطفال الأنابيب بعين العلم والشريعة، زياد عبد النبي، ص 105.
19 انظر: أطفال الأنابيب بعين العلم والشريعة، زياد عبد النبي، ص 105.
20 مقال: بدعة غريبة في طريقها إلينا، حمدي رزق، جريدة الوطن، العدد 5486، تاريخ 25/ مايو 1990م، ص 6
21 مقال: هل الرحم قابل للتأجير، عن مجلة التايم ترجمة إيمان عكور، الرأي الأردنية، تاريخ 23/ 1/ 87.
22 مقال: بدعة غريبة في طريقها إلينا، حمدي رزق، جريدة الوطن، العدد 5486، تاريخ 25/ مايو 1990م، ص 6؛ مقال: هل الرحم قابل للتأجير، عن مجلة التايم ترجمة إيمان عكور، الرأي الأردنية، تاريخ 23/ 1/ 87.
23 مقال: بدعة غريبة في طريقها إلينا، حمدي رزق، جريدة الوطن، العدد 5486، تاريخ 25/ مايو 1990م، ص 6.
24 انظر: طفل الأنبوب الصناعي ، د. محمد علي البار، ص 77.
25 بحث: طرق الإنجاب في الطب الحديث، بكر أبو زيد ، فقه النوازل، 1/269؛ وانظر كتاب: الأنساب والأولاد، عبد الحميد طهماز، ص 71 وما بعدها.
26 خبر: أول أم بديلة تضغ طفلة، صوت الشعب، 106، 1985 الصفحة الأخيرة.
27 أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، زياد عبد النبي، ص 106.
28 انظر مقال: بدعة غريبة في طريقها إلينا، حمدي رزق، جريدة الوطن، العدد 5486، تاريخ 25/ مايو 1990م، ص 6؛ أطفال الأنابيب بين العلم والشريعة، زياد عبد النبي، ص 105.
29 انظر: المسائل الطبية المستجدة، ص 311ـ 313.
30 انظر مقال: بدعة غريبة في طريقها إلينا، حمدي رزق، جريدة الوطن، العدد 5486، تاريخ 25/ مايو 1990م، ص 6؛ وانظر مقال: القصة التي هزت العالم من أركانه.. جدة تلد ابن بنتها، د. هشام خزيم، جريدة شيحان ، تاريخ 10/10/ 1987م، ص 12ـ 13ـ 14؛ وخبر : أول جدة أم في التاريخ، جريدة الدستور تاريخ 2/10/1987م، ص 1.
31 انظر مقال: بدعة غريبة في طريقها إلينا، حمدي رزق، جريدة الوطن، العدد 5486، تاريخ 25/ مايو 1990م، ص 6.