فقه اللغة العربية وأثراه في فقه الحديث النبوي الشريف وفهمه
الأستاذ الدكتور بنعيسى بويوزان
ج- بين «فهم اللغة» و«فقه اللغة»:
رغم ما قد يبدو في الظاهر من تماثل بين مصطلحي الفهم والفقه اللغويين، إلا أن المتمعن في الأمر مليا، يظهر له بأن هناك فارقا واضحا، وإن كان بين الجانبين تداخل لا مرية فيه، لأن التمييز حتمي بين مدلولات الألفاظ، كما سبقت الإشارة إلى ذلك قبل قليل، ومجالات استعمالاتها حسب العرف اللغوي، لأن اللفظة الواحدة، رغم احتفاظها ببنيتها الصرفية والصوتية لأمد غير قصير، إلا أنها تخضع باستمرار لعمليتي الإفراغ والشحن: إفراغ من مدلول سابق ، وشحن بمدلول لاحق، وهذا ما يحتم، ليس الفهم اللغوي فحسب، وإنما يحتم الفقه اللغوي، لأن «الفقه أخص من الفهم، وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهذا قدر زائد على مجرد وضع اللفظ في اللغة، وبحسب تفاوت الناس في هذا، تتفاوت مراتبهم في اللغة والعلم»([30]).
بذلك يبدو بأن الفهم اللغوي مرتبط بالمعنى اللفظي الخاص بهذه اللفظة أو تلك، بينما الفقه اللغوي بجمع بين هذا المعنى اللفظي نفسه، مع الدلالة العامة للسياق الذي وردت فيه الألفاظ مجتمعة، والتي تحمل في طياتها دلالة معينة، تكون المقصود منها لدي المتكلم، أي إن الفهم اللغوي مرتبط بالمعنى، بينما الفقه اللغوي مرتبط بالمعنى والدلالة معًا، لذلك قال ابن القيم رحمه الله: «والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون، إذا خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: ماذا قال آنفا، وقد أنكر الله سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله {فَمَا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا} النساء الآية 78، فذم من لم يفقه كلامه»([31]).
وإلى هذا أيضًا يشير القرطبي رحمه الله وهو يفسر قوله تعالى {لِّيَتَفَقَّهُ� �ا فِي الدِّينِ} التوبة الآية 122، فقال: «أن يتبصروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين»([32])، فالفقه إذن، هو التبصر بالشيء والتدبر فيه إلى أقصى الحدود لمعرفة المقصد والمراد.
وعليه، فلا شك في أن المنافقين الذين كانوا يسمعون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفهمون معناه بلا ريب، فقد كانوا من العرب الأقحاح، ولكنهم مع ذلك لا يفقهون مراد النبي صلى الله عليه وسلم ومقصوده، لذلك نسب الله جل وعلا إليهم عدم الفقه {فَمَا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا }، بينما نسب إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقه {لِّيَتَفَقَّهُ� �ا فِي الدِّينِ }، والفرق واضح جلي إن شاء الله تعالى.
لذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم. كان يستعمل لفظة «الفقه» في غير ما موطن من حديثه صلى الله عليه وسلم، ولا يستعمل لفظة «الفهم»، من ذلك مثلا قوله. صلى الله عليه وسلم. «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا»([33])، وقوله .صلى الله عليه وسلم.: «من يرد الله به خير يفقهه في الدين»([34])، من هنا تظهر مزية الفقه عن مزية الفهم، سواء في اللغة أو في الدين، مع العلم أنه من المستحيل أن يتفقه امرؤ في الدين من دون أن يتفقه في اللغة، كما سيأتي بيانه بضوابطه إن شاء الله تعالى؛ وحتى في معاجم اللغة، نجد أن هناك من يلمح إلى هذا الفارق، من ذلك مثلا، قول ابن منظور: «الفقه: العلم بالشيء والفهم. .. والفقه في الأصل: الفهم، يقال: أوتي فلان فقها في الدين أي فهما فيه، قال الله عز وجل {لِّيَتَفَقَّهُ� �ا فِي الدِّينِ} أي: ليكونوا علماء به،. .. وفقه فقها: بمعنى علم علماً. .. وفقه الشيء علمه، وفقهه وأفقهه: علمه. ..» ([35]).
فيظهر بوضوح أن الفقه هو الفهم مع العلم، بحيث إن المركب من إضافة الفهم إلى العلم، هو عين الفقه وماهيته، وهو ما أشار إليه الفارابي أيضا في ديوان الأدب، حيث قال: «وفلان يتفقه، من الفقه، كما يقول يتعلم من العلم»([36]) وإن كان قبل ذلك قد قال: »الفقه: الفهم، قال أعرابي لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه»([37])، مما يعني عنده أن الفقه يجمع بين الفهم والعلم.
ويزداد الأمر وضوحا مع الزجاجي حيث يقول: «ألا ترى أن الفقه: الفهم، يقال فهمت الحديثَ مثل فهمت، ورجل فقيه، وفقه أي فهم، ثم صار الفقه علم الدين خاصة، فإذا قيل: رجل فقيه، فإنما يراد به العالم بأمر الشريعة، وإن كان كل من فهم علما وحذقه: فهو فقيه»([38])، حيث يظهر عنده بأن الفقه جامع بين العلم والفهم والحذق، والحذق: المهارة بالشيء.
وكل هذا يعني أن فقه اللغة، هو الوقوف على أسرار الألفاظ ومعانيها دلالاتها، مفردة ومركبة في سياقات مختلفة، على ما جرى عليه العرف في الاستعمال اللغوي العربي، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال ثلاثة أمور:
أ- التوسع ما أمكن في الإحاطة بدلالات هذه الألفاظ ومعانيها في ذاتها، كما وضعت أصلا في اللغة العربية، أي العلم بالمعجم العربي.
ب- الإلمام ما أمكن بدلالات هذه الألفاظ، من خلال سياقات تراكيبها المختلفة التي درج عليها العرب في الاستعمال اللغوي على أنحاء متنوعة بتنوع المقاصد والإرادات التي يروم إليها المتكلم، مع مراعاة العرف اللغوي في الاستعمال.
وهذا العنصر الثاني، لا يتأتى فقط بالدربة على الاستعمال اللغوي اصطلاحا وعرفًا، أو الحذق بالأساليب المختلفة في التعبير، وإنما لابد من عنصر آخر في غاية الأهمية، كثيرا ما يغفل عنه، فيقع المحذور منه، وهو عنصر «الذوق اللغوي»، وقد تنبه له الإمام السيوطي رحمه الله فقال: «وأما الكلام فلا يدرك إلا بالذوق، وليس كل من اشتغل بالنحو واللغة والفقه يكون من أهل الذوق وممن يصلح لانتقاد الكلام، وإنما أهل الذوق، هم الذين اشتغلوا بعلم البيان وراضوا أنفسهم بالرسائل والخطب والكتابة والشعر، وصارت لهم بذلك دربة وملكة تامة، فإلى أولئك يرجع في معرفة الكلام وفضل بعضه على بعض»([39]).
وقد أصاب .لعمري .كبد الحقيقة؛ لأن هذا الذوق الذي يتجاوز ظواهر الأشياء، كما قد يتجاوز المعنى الظاهر الذي يتبادر إلى الأذهان من أول قراءة لأي نص من النصوص، إلى ما هو أعمق من ذلك، وهو الدلالة الخفية الصحيحة التي لا تنجلي إلا لمن يحسن تذوق النصوص لتمرسه بها، ولخبرته بالأساليب العربية ودلالاتها، وتفقهه في اللغة وطرق أدائها التي يعبر بها.
وما دام السيوطي قد ربط بين «أهل الذوق» و«علم البيان» الذي هو عمدة اللسان العربي، فإنه يذكر بما كان قد أشار إليه القاضي عبد القاهر الجرجاني حين ميز بين «المعنى» و«معنى المعنى»، فقال: «وإذ عرفت هذه الجملة، فهاهنا عبارة مختصرة، وهي أن تقول: «المعنى» و«معنى المعنى»، تعني بالمعنى: المفهوم من ظاهر النص، والذي تصل إليه بغير واسطة، و«بمعنى المعنى» أن تعقل في اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر»([40]).
ولعله واضح جدا أنه استعمل الفعل «يعقل» للوصول إلى «معنى المعنى»، ولم يستعمل الفعل «فهم»، الذي يبدو بأن صاحبه لا يكاد يتجاوز به المعنى الظاهر، وما أكثر ما يربط الله عز وجل في كتابه الكريم، بين آيات القرآن الكريم، والمركب الفعلي: « لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » و« أَفَلَا تَعْقِلُونَ ».
وهذا يعني أن الإمام السيوطي، وهو يدندن حول «الذوق»، والجرجاني وهو يتحدث عن «العقل» وعلاقته بـ «معنى المعنى». وكلاهما فقيه في اللغة والدين، كل ذلك يوحى بأن المطلوب من الناظر في كتاب الله تعالى والحديث النبوي الشريف، أن يتجاوز مجرد فهم النصوص إلى فقه النصوص، وأما فهم ألفاظ اللغة، فما هي إلا عتبة أولى لابد ولا مفر من الولوج منها إلى أغوار النص ومكنوناته، حيث يبصر فيها ما لا يبصره فيها غيره، وهذا مما يؤتيه الله عز وجل من يشاء من عباده، ممن يفقهه في دينه.
ج- إتقان علوم اللغة العربية: لأن فقه دلالات الألفاظ في سياقاتها المختلفة، لا يتأتى مطلقا إلا من إتقان المعرفة بتصاريف الكلام العربي، لأن الجملة الواحدة في اللغة العربية، ما هي إلا نتاج لعملية لغوية معقدة تجمع بين اللفظ والمعنى والنحو الصرف وعلوم البلاغة: المعاني والبيان والبديع؛ وعليه فلابد لفقه آية من القرآن الكريم أو حديث من الأحاديث الشريفة، من إتقان هذه العلوم على أحسن وجه، وهو ما جعل علماء الأمة يلحون على هذا أيما إلحاح، حتى إن الإمام الشافعي رحمه الله، قد نبه على هذا في مراحل مبكرة من مراحل تأسيس علم أصول الفقه، فقال: «فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده. .. وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره، لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها»([41]).
وزاد هذا التأكيد ابنُ حزم الأندلسي، فألح وفصل على عاده فقال: «ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله عز وجل وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون عالما بالنحو الذي هو علم ترتيب العرب لكلامهم الذي نزل به القرآن، وبه يفهم معاني الكلام التي يعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ، فمن جهل اللغة، وهي الألفاظ الواقعة على المسميات، وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات لاختلاف المعاني، فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا الله تعالى ونبينا صلى الله عليه وسلم، ومن لم يعرف ذلك اللسان، لم يحل له الفتيا فيه لأنه يفتي بما لا يدري»([42]).
وأما إذا وصلنا إلى أبي إسحاق الشاطبي، فإنه قد بلغ الغاية في تحديد المصطلحات، حيث قال وهو يتحدث عن مطالب الاجتهاد: «أما الثاني من المطالب، وهو فرض علم، تتوقف صحة الاجتهاد عليه، فإن كان ثم علم لا يحصل الاجتهاد في الشريعة إلا بالاجتهاد فيه، فهو بلا بد مضطر إليه، لأنه إذا فرض كذلك، لم يمكن في العادة الوصول إلي درجة الاجتهاد دونه، فلا بد من تحصيله على تمامه، وهو ظاهر، إلا أن هذا العلم مبهم في الجملة، فيسأل عن تعيينه، والأقرب في العلوم إلى أن يكون هكذا «علم اللغة العربية» ولا أعني بذلك النحو وحده ولا التصريف وحده، ولا اللغة، ولا علم المعاني، ولا غير ذلك من أنواع العلوم المتعلقة باللسان، بل المراد جملة «علم اللسان» ألفاظا ومعاني، كيف تصورت»([43]). ولا يخفي ما في مصطلح «علم اللسان» من دلالة لدى الشاطبي، بدلا من «علم اللغة العربية»، لأنه أشمل وأعلم في الإحاطة بكل علوم اللغة العربية والتفقه فيها، وقد أكد على هذا ابن خلدون من بعد هؤلاء جميعا، فقال وهو يتحدث عما أسماه «علم اللسان العربي»: «أركانه أربعة، وهي اللغة والنحو والبيان والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، إذ مأخذ الحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين، عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلابد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة»([44]).
فيتضح من كل هذه الآراء إذن، بأن العلاقة بين فقه اللغة العربية أو بالأحرى اللسان العربي، وفقه الشريعة الإسلامية، هي علاقة الجسد بالروح، يستحيل الفصل بينهما، لأن التفقه في الدين، يتوقف ضرورة على التفقه في اللغة([45]).
وإذا كنا قد استشهدنا بهذه النصوص أعلاه للتأكيد على انبناء فقه الشريعة الإسلامية برمتها على فقه اللسان العربي، فإن هناك من العلماء من ربط بشكل خاص بين السنة النبوية المطهرة وفقهها، وضرورة التمكن من علوم اللغة العربية([46]). قبل التعامل مع الحديث الشريف. من ذلك مثلا من العلماء القدامى، الحافظ العراقي، حيث قال: «قلت: فحق لطالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به من شيئين: اللحن والتحريف ومعرتهما، وروينا عن شعبة، قال «من طلب الحديث ولم يبصر العربية، فمثله مثل رجل عليه برنس ليس له رأس» أو كما قال، وعن حماد بن سلمة قال: «مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار، عليه مخلاة لا شعير فيها»»([47]).
وإلى هذا أيضا ذهب المعاصرون، من ذلك مثلا ما قاله الدكتور نور الدين عتر: «قرر العلماء واتفقوا على أنه ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفا بالعربية، فعن الأصمعي أنه قال: «إن أخوف ما أخاف على طالب العلم، إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وسلم «من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار» لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه ولحنت فيه، كذبت عليه»»([48]).
ما نخلص إليه من خلال هذه الفقرة، هو أنه من المستحيل قطعا أن يهتدي امرؤ إلى فقه الحديث النبوي الشريف وقبله القرآن الكريم، دون التفقه في اللغة العربية وعلومها تفقها يسلم معه من الغلط أو الزلل، سواء في الاستنباط والاستنتاج، أو في البرهنة والاستدلال، مهما تكن القضايا التي يعالجها في هذين الوحيين الشريفين.
د- فقه اللغة والتلقي عن السلف:
وهذا ضابط له أهمية خاصة تجعل كل ما قلناه سابقا متوقفا عليه إلى حد كبير، لأن التفقه في اللغة والتبحر في علومها، يجب أن يسير بموازاة مع ما أُثِرَ عن السلف الصالح في القضايا المتناولة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما ألح عليه العلماء القدامى، كما فعل الإمام الغزالي حين حذر من المسارعة «إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل، فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية، كثر غلطه، ودخل في زمرة من يفسر بالرأي. فالنقل والسماع لابد منه في ظاهر التفسير أولا، ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط»([49]).
وإلحاح الغزالي على السماع من أفواه المشايخ، الذين تلقوا العلم بتفسير القرآن الكريم أو الحديث الشريف سماعا عن مشايخهم، حتى يتصل بهم السنة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، آت من كون فهم هؤلاء الصحابة. رضوان الله عليهم حجة .ولأنهم أعلم الخلق بالقرآن والسنة، بعد الرسول صلى الله عليه وسلم: يعلمون سبب نزول آيات القرآن الكريم، تماما كما يعلمون سبب ورود الحديث الشريف، وعليه فلا يجوز الخروج عما سمع عنهم، ونقلته عنهم الأجيال اللاحقة بالسماع، وهو ما نقرؤه اليوم مخطوطا أو مطبوعا.
وهذا "السماع" في الواقع، ولأهميته البالغة، أمر قد درج عليه العرب حتى في فهم إيداعهم وتعابيرهم المختلفة التي تناقلتها الأجيال، فأصبحت تقاليدَ ثابتةً أو سننا متبعا، لا تفهم إلا بالتلقي المباشر عن الشيوخ وسماعاتهم، وإلى ذلك أشار ابن طباطبا العلوي حين قال في باب عنوانه "سنن العرب وتقاليدها": «وأمثلة لسنن العرب المستعملة بينهما، التي لا تفهم إلا بالسماع»([50]).
وهذا يعني ضرورة التقيد بما أثر عن السلف الصالح في فهم مستغلق القرآن والسنة، وما قد يكون فيهما من مشكل أو مبهم، مما لا يكون معه الفهم اللفظي مجديا على أي حال، وعليه فلا يجوز العدول عما أثر عن السلف فيما فسروا به السنة النبوية الشريفة، لأنهم، وهم العرب الأقحاح، هم الذين أتقنوا صهر اللغة العربية مع الضوابط الشرعية، وأي فصل بينهما مآله الزلل والشطط في تحميل النصوص الشرعية ما لا تحتمله. قال الغزالي: «فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضي ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع، ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل، اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وتسقط به منفعة كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم»([51]).
فلو ترك الأمر إلى الفهم اللغوي للألفاظ، فإن القرآن الكريم والحديث الشريف، تستباح نصوصهما الشريفة، يخوض فيها كل خائض، ويقول فيهما من شاء ما شاء، فلابد من الانضباط بما أثر عن السلف الصالح مع هذين الوحيين، وبعد ذلك إن احتياج إلى إعمال الرأي والاجتهاد جاز ذلك، لكن لابد من البحث عن الأشباه والنظائر، مما يدل عليه العرف اللغوي العربي السليم، حتى يسلم القياس وتصح النتائج، مع الالتفات دائما إلى علم وعمل السلف الصالح، يقول الدكتور محمد أديب صالح: «الرأي المحمود، وهو الذي يجري على موافقة معهود العرب في لسانها وأساليبها في الخطاب، مع مراعاة الكتاب والسنة وما أثر عن السلف»([52]).
وعليه فإن التسلح بالمخزون اللغوي العربي في التعاطي مع نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هو المنطق الأساس، ولكن لابد من مراعاة العرف العربي في التعبير والخطاب، لأنه المدخل الرئيسي إلى فهم مقاصد النصوص أولا؛ وثانيا، لابد من التقيد بالجهد الشاق والمرهق الذي قام به السلف الصالح في ضبط دلالات تلك النصوص للاستدلال بها على الأحكام الشرعية، خاصة وأن «الدراسة اللغوية للنص بدأت كاتجاه مبكر في علم أصول الفقه الذي أكد أهمية ضبط العلاقة بين اللفظ والمعنى، كمدخل لدراسة النص القرآني ونص الحديث، على أساس أن الضبط محوري في دراسة وجود دلالة الأدلة على الأحكام الشرعية»([53]).
وعبارة «ضبط»، بما تعنيه من دقة وتحرز، تدل على أن ضبط العلاقة بين الجانب اللفظي الذي يجري على سنن العرب ومعهود أسلوبهم في التخاطب والتعبير، مع الجانب الدلالي الذي يتناسق تناسقا تاما مع القرآن والسنة ومقاصدهما، نتح عنه علم أصول الفقه الذي قعد القواعد الأصولية التي نتجت عنهما الأحكام الفقهية، وفق شواهد وأدلة شرعية من الكتاب والسنة.
ثم إن هذا يعني أيضا، أن الألفاظ في تركيبها العربية المختلفة، لا تضبط دلالتها ضبطا حقيقيا ودقيقا، إلا داخل منظومة من الضوابط الشرعية التي أثرت عن السلف الصالح الذي استثمر مخزونه اللغوي العربي الهائل، فجعله منصاعا مطواعا لمقاصد كتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث إن الفهم اللغوي البحت للكتاب والسنة أصبح مرجوحا معزولا، ما لم يلق سندا يعززه من فهم السلف، سواء للقرآن الكريم، لأنهم أعلم بمحكمه ومتشابهة وبناسخه ومنسوخة، وبأسباب نزوله، أو من فهمهم للحديث النبوي الشريف، لأنهم أيضا أعلم به وبسبب وروده وبناسخه ومنسوخه، وبذلك انصهر عندهم فقه اللغة مع فقه الدين على صعيد واحد، فأصبحوا بذلك كله لمن بعدهم، وإلى قيام الساعة، الأسوة والقدوة والحجة، ينبغي اقتفاء أثرهم فيه، ولا ينبغي العدول عنهم بحال من الأحوال.
3- دلالة الألفاظ ودلالة السياق في الحديث النبوي الشريف:
إن منهج علم أصول الفقه بخاصة، في تعامله مع الحديث الشريف، أنه ينظر في الألفاظ الواردة في نص الحديث في ذاتها أولا، ثم ينظر إليها في علاقتها بالسياق العام للحديث الشريف، فيخلص إلى ما يخلص إليه بعد النظر والتمحيص؛ لأن إغفال جانب من هذين الجانبين يؤدي ولا شك إلى مجانبة الصواب، لذلك قال ابن خلدون: «يتعين النظر في دلالة الألفاظ، وذلك أن استفادة المعاني على الإطلاق من تراكيب الكلام على الإطلاق، يتوقف على معرفة الدلالات الوضعية مفردة ومركبة»([54]). وهذا يعني أن في الحديث الشريف دلالتين لابد من النظر فيهما:
أ- دلالة الألفاظ في ذاتها:
وهذا هو الذي أشرت إليه سابقا، وغير ما مرة، من ضرورة الإلمام بالمخزون اللغوي العربي، لأن اللفظة الواحدة في العربية، لها عدة معانٍ سمعت عن العرب، واستعملوها في أشعارهم وأنثارهم وأمثالهم، ولابد من ضبط معنى اللفظة الواحدة، لأن هذا الضبط هو البوابة إلى ما هو أهم، وهو معرفة دلالتها داخل سياق الحديث، فإذا كانت اللفظة مما يحتمل أكثر من معنى، فلا يضبط ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم إلا من خلال السياق الذي وردت فيه، ثم إن امتلاك ثروة لغوية مهمة، لابد منها لكل من أراد النظر في الحديث الشريف؛ وقد سبق أن قلنا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان على إلمام واسع جدا. بما مكنه الله جل وعلا من ذلك. بالمعجم العربي في استعمالاته المختلفة لدي القبائل العربية الفصيحة المتعددة، مما يفرض على الباحث في كلامه صلى الله عليه وسلم، أن يسعى ما أمكنه السعي والجهد إلى الإلمام ببعض هذا المخزون اللغوي الهائل.
جامعة سيدي محمد بن عبد الله. فاس
ب- دلالة الألفاظ داخل سياق الحديث الشريف:
فمن المعلوم أن اللفظة العربية الواحدة لا تستعمل منفردة أو منعزلة عن غيرها من الألفاظ ليعبر بها عن معنى مقصود أو مراد، وحتى وإن كانت ترى منفردة في سطر ما، فإنها لابد وأن تكون متعلقة بمحذوف مضمر جوازا أو وجوبا، يجب تقديره لفهم المطلوب، لأن الألفاظ في اللغة العربية وضعت أصلا لكي تركب في سياق معين، حتى قال الجرجاني بأن «الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، لم توضع لتعرف معانيها في أنفسها، ولكن لأن يضم بعضها إلى بعض، فيعرف يما بينهما (من) فوائد، وهذا علم شريف وأصل عظيم»([55]).
ولا يختلف علماء الأصول عما ذهب إليه الجرجاني في هذا النص الذي بني عليه نظرية النظم، فهذا الإمام الشاطبي رحمه الله يقول: «أن يكون اعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم، بناءً على أن العرب، إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها، وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد. والمعنى هو المقصود. ولا أيضا كل المعاني، فإن المعنى الإرادي قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبي مفهوما»([56]). وهذا شبيه بما قاله الجرجاني في "الدلائل"، وبما قاله في "أسرار البلاغة"، من أن «الألفاظ خدم المعاني، والمعرفة في حكمها، وكانت المعاني هي المالكة سياستها المستحقة طاعتها، فمن نصر اللفظ على المعنى، كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته»([57]).
وعليه فإن الاهتمام بالسياق. بعد المعرفة الدقيقة بمعاني الألفاظ. يجب أن يكون من أولويات الناظر في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، للوقوف على المقصد النبوي، وفهم دلالات الحديث وفقهها، لاستنباط الشاهد منه، وتنزيله منزلته المطلوبة في الاستدلال به، وعلى هذا أكد الشاطبي رحمه الله فقال: «فإذا كان الأمر هكذا، فاللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب، لأنه المقصود والمراد، وعليه ينبني الخطاب ابتداء، وكثيرا ما يغفل هذا النظر بالنسبة للكتاب والسنة، فتلتمس غرائبه ومعانيه على غير الوجه الذي ينبغي، فتستبهم على المتلمس، وتستعجم على من لم يفهم مقاصد العرب، فيكون عمله في غير معمل، ومشيه على غير طريق، والله الواقي برحمته»([58]).
فالخبرة بمسالك العرب في التعابير وتفننهم في أدائها. كما قلنا سابقا. إضافة إلى التفطن لمعاني الألفاظ ودلالاتها وعلاقاتها بعضها ببعض داخل سياق الحديث الشريف، كل هذا يأخذ بيد الباحث في الحديث الشريف للوقوف على مراده صلى الله عليه وسلم ومقصده.
وقد يكون الحديث النبوي الشريف أحيانا يدور حول لفظة محورية، يكون فهمها هو محور فهم الحديث الشريف، فآنئذ لابد من النظر في كافة أوجه العبارة ومعانيها التي استعملتها فيها العرب في كلامها، لحمل تعبير رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها، قصد الوقوف على المعنى الحقيقي من الحديث، قال الشاطبي رحمه الله مرة أخرى: «فلو كان فهم اللفظ الإفرادي يتوقف عليه فهم التركيبي، لم يكن تكلفا بل هو مضطر إليه، كما روي عن عمر رضي الله عنه، نفسه في قوله تعالى {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ }، فإنه سئل عنه على المنبر، فقال له رجل من هذيل: التخوف عندنا: التنقص»([59]).
وبناء على هذا، فإن التمرس والخبرة بأساليب اللغة العربية، وفقه دلالات الألفاظ منفردة ومركبة، أمر ضروري لفقه أحكام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد بسط المشتغلون المعاصرون بالحديث النبوي الشريف آراءهم في هذا الشأن، فأكدوا على هذا، كما فعل القدامى، وحسبنا من ذلك، ما أكد عليه عبد الوهاب خلاف حين قال: «ونصوص القرآن والسنة باللغة العربية، وفهم الأحكام منها إنما يكون فهما صحيحا إذا روعي فيه مقتضي الأساليب في اللغة العربية وطرق الدلالة فيها، وما تدل عليه ألفاظها مفردة ومركبة، ولهذا عني علماء أصول الفقه الإسلامي باستقراء الأساليب العربية وعباراتها ومفرداتها، واستمدوا من هذا الاستقراء ومما قرره علماء اللغة من قواعد وضوابط، يتوصل بمراعاتها إلى فهم الأحكام من النصوص الشرعية فهما صحيحا، يطابق ما يفهمه العربي الذي وردت هذه النصوص بلغته، ويتوصل أيضا إلى إيضاح ما فيه من خفاء من النصوص، ورفع ما قد يظهر بينها من تعارض، وتأويل ما دل دليل على تأويله، وغير هذا مما يتعلق باستفادة الحكام من نصوصها»([60]).
فمن خلال هذا الاستقراء الشامل للأساليب العربية ودلالات الألفاظ في اللغة العربية أثناء النظر في الحديث الشريف، يتوصل إلى استنباط الأحكام الشرعية استنباطا صحيحا، لأن الفهم أو بالأحرى الفقه، يكون صحيحا بتوفر شروط صحته المبنية على استقراء عام، أو فقه عام في لغة العرب وأساليبها ودلالات ألفاظها، لأنه «لابد لتفسير النص الشرعي في الكتاب والسنة، عند استنباط الحكم الشرعي، من إدراك سليم لدلالات الألفاظ على المعاني المرادة من الكلام»([61]).
وهنا لابد من الإشارة إلى أمر هام أشار إليه ابن القيم رحمه الله في حديثه عما نحن بصدده، وهو أن الناظر في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي له أن يكون دقيقا في التعامل مع اللفظ والمعنى معا، ويوفي كلا منهما حقه الذي يستحقه، فقال: «والمقصود أن الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني، أن لا يتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يقصر بها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه»([62]).
ولا أكاد أشك في أن ابن القيم رحمه الله، قد أراد أن يرتفع بعلم أصول الفقه عن المعارك التي وقعت بين البلاغيين واللغويين العرب حول اللفظ والمعنى، فناصر بعضهم اللفظ وتعصبوا له، بينما ناصر آخرون المعنى وتعصبوا له، فأراد أن ينأى بالفقهاء عن هذا الصراع، لأن الأمر يتعلق بكلام الله جل وعلا، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب أن يكون الأمر في نصابه، وفي المقام الذي ينبغي أن يكون فيه، فقال رحمه الله معلقًا على كلام لعلي رضي الله عنه حين سئل: «هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس؟ فقال: «لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه»، ومعلوم أن هذا الفهم قدر زائد على معرفة موضوع اللفظ وعمومه أو خصوصه، فإن هذا قدر مشترك بين سائر من يعرف لغة العرب، وإنما هذا فهم لوازم المعنى ونظائره ومراد المتكلم بكلامه، ومعرفة حدود كلامه، بحيث لا يدخل فيها غير المراد، ولا يخرج منها شيء من المراد»([63]).
وهذا القول الرائق، هو عين الفقه وجوهره في تسخير فقه اللغة العربية، لفقه الشريعة، حيث ينبغي أن يكون العدل بين اللفظ والمعنى، في التعامل مع كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بعد هذا القسم من هذا البحث المتواضع، أنتقل إلى رصد بعض مجالات تطبيق ما سلف ذكره على الحديث النبوي الشريف من خلال الأبواب التي دأب عليها علماء أصول الفقه الإسلامي في الاستدلال على الأحكام الشرعية وتأصيلها، حيث يظهر بأن ذلك المخزون اللغوي العربي، إضافة إلى الأساليب العربية التي دأب عليها العرب شعرا ونثرًا، هي العمدة في ذلك كله، مما يحتم على الأصولي إتقانه إلى أبعد الحدود، مخافة مجانبة الصواب، قال الشيخ العربي اللوه: «ولقد تقرر عند علماء الأصول أن الأحكام الشرعية مستمدة من الأدلة النقلية: الكتاب والسنة وأقوال أهل الحل والعقد ممن يعتد بأقوالهم من الأئمة المجتهدين؛ والعلم بالأحكام الشرعية التي دلت عليها الأدلة النقلية، يتوقف على معرفة ما وضعت له في اللسان العربي من المعاني، لأن القرآن أنزل باللسان العربي، والنبي المرسل عربي، وكذا الأئمة المجتهدون، وهذا ما دعا الأصوليين إلى الكلام على الوضع وتقسيم اللفظ إلى الاسم والفعل والحرف، وجعلهم يبحثون أيضًا عن معاني الأمر والنهي والعموم والخصوص والإطلاق والتقييد والحقيقة والمجاز والحذف والإضمار والمنطوق والمفهوم والاشتراك والترادف، إلى غير ذلك مما لا يعرف إلا من طريق العلوم العربية، ثم بعد تتبعهم للكتاب والسنة وأساليب العرب في شعرهم ونثرهم وخطبهم وحديثهم، واستقراء ما دون منها، قرروا قواعد عامة، هي أصول الفقه، بعد أن أقاموا عليها الحجج والبراهين، تلك هي القوانين الكلية التي استمدوها من مدلولات الألفاظ اللغوية لتعرض عليها الأدلة الجزئية التفصيلية لتصحيحها»([64]).
وهذا يعني بوضوح، بأن كل مباحث اللغة العربية بالنسبة للأصولي، هي بمثابة معدات الطبيب الجراح الذي يشرح بها وعلى ضوئها النص النقلي، سواء كان من القرآن أو من الحديث الشريف، قبل أن يستنبط ما ينبغي استنباطه، ويصل إلى النتيجة التي هي بغيته وغنيته.
لذلك، فإن الناظر في النماذج التطبيقية الآتية، سيجد بأن الفقهاء يركزون تركيزا أساسيا على مباحث اللغة العربية، وبخاصة علم النحو وعلمي البيان والمعاني، إضافة إلى الدلالة المعجمية للفظة المعينة، ومنها ينطلقون للاستدلال على الأحكام المستخلصة، مما ينم عن وعي دقيق بأسرار اللغة، وبأساليب العرب في التعبير عن المقاصد والإرادات([65]).
1- الاشتراك:
يعرف الاشتراك بأنه هو «ما وضع في اللغة لمعنيين أو معان مختلفة الحقائق على سبيل التبادل»([66])، ويعرفه البلاغيون تعريفا مشابها لتعريف الأصوليين، حيث يقول مثلا أبو هلال العسكري: «ومشتركات الألفاظ. .. أن يريد الإبانة عن معنى، فيأتي بألفاظ لا تدل عليه خاصة، بل تشترك معه معانٍ أخر فلا يعرف السامع أيها أراد، وربما استبهم الكلام في نوع من هذا الجنس، حتى لا يوقف على معناه إلا بالتوهم»([67]). وقد نال هذا الاشتراك حظا وافرا من اهتمام البلاغيين والفقهاء على السواء، والسبب في ذلك، كما الباقلاني «بأن لا نجد في القدر الذي نعرفه من الألسنة للشيء الواحد من الأسماء، ما نعرف من اللغة العربية، وكذلك لا نعرف فيها الكلمة الواحدة تتناول المعاني الكثيرة على ما تتناوله العربية»([68]).
وينقسم الاشتراك من حيث الوضع إلى قسمين:
أ- المشترك اللفظي: وهو ما وضع في اللغة لمعنيين أو معان مختلفة الحقائق على سبيل التبادل.
ب- المشترك المعنوي: وهو لفظ وضع وضعا واحدا لقدر مشترك بين عدة معان، لكل منها ماهية خاصة([69]).
أما أقسامه من حيث أنواع الكلام، فإنه عادة ما ينقسم إلى قسمين كبيرين، هما:
أ- اشتراك في اللفظة الواحدة، ويكون في الاسم أو في الفعل أو في الحرف، على ما جرى عليه الأمر في اللغة العربية.
ب- اشتراك في التركيب أو السياق، سواء كان اشتراكا ناتجا عن الأحوال التي تعرض للفظة المفردة من إعراب وتصريف، أو كان اشتراكا عارضا من قبل الكلام وتركيبه، أو كان اشتراكا من قبل مقارنة الكلام بغيره.
وأما أقسامه من حيث معانيه، فإنه أيضا ينقسم إلى قسمين كبيرين، هما:
أ- اشتراك يجمع معاني مختلفة متضادة، كالمعاني التي تدل على متناقضين في إطلاق لفظة واحدة، فالجون مثلا، يطلق على الأبيض والأسود معا.
ب- اشتراك معاني مختلفة غير متضادة، كلفظة «العين» التي يحمل معناها على أنحاء مختلفة، كما هو معروف في أسلوب "الجناس التام"، من علم البديع.
وفي هذين النوعين كليهما لابد من فقه السياق وفهمه، حتى يتبين المقصود من هذه العبارة أو تلك، وحتى تفهم مقاصد النص حق الفهم.
أمثلة المشترك بين معان متضادة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى»([70])، والشاهد في الفعل «عفا»، ذلك أن مدلوله في لغة العرب يحتمل معنيين متضادين، أولهما «عفا النبت والشعر وغيره، يعفو فهو عافٍ :كثر وطال»، وثانيهما: «عفا المنزل يعفو وعفت الدار ونحوها عفاء وعفوًا وعفت وتعفت تعفيا: درست. .. والعفاء: الدروس والهلاك وذهاب الأثر»([71]).
وقد ترتب عن هذا التضاد اللغوي اختلاف الفقهاء في معنى الحديث الشريف على فريقين:
أ- ذهب بعضهم إلى أن معناه قصروا وانقصوا.
ب- وذهب الجمهور إلى أن معناه وفروا وكثروا([72]).
وقد قال ابن حجر العسقلاني موجزا هذا الاختلاف: «وقال ابن دقيق العيد: تفسير الإعفاء بالتكثير من إقامة السبب مقام المسبب، لأن حقيقة الإعفاء: الترك، وترك التعرض للحية، يستلزم تكثيرها، وأغرب ابن السيد فقال: حمل بعضهم قوله «وأعفوا اللحى» على الأخذ منها بإصلاح ما شذ منها طولا وعرضا، واستشهد بقول زهير «على آثار من ذهب العفاء» وذهب الأكثر إلى أنه بمعنى وفروا أو كثروا، وهو الصواب، قال ابن دقيق العيد : لا أعلم أحدا فهم من الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم «وأعفوا اللحى» تجويز معالجتها بما يغزرها كما يفعله بعض الناس، قال: وكان الصارف عن ذلك قرينة السياق في قوله صلى الله عليه وسلم في بقية الخبر «واحفوا الشوارب» انتهى، ويمكن أن يؤخذ من بقية طرق ألفاظ الحديث على مجرد الترك، والله أعلم»([73]).
والظاهر من هذا الحديث الشريف، وتنوع ألفاظه، أن الأسلوب النبوي الشريف فيه يتناسق مع الأسلوب القرآني الكريم، فعلى كثرة ورود مشتقات المصدر «العفو»، إلا أنه ليس في القرآن الكريم ما يفيد ما ذهب إليه بعضهم من أن معنى الحديث الشريف، هو الدروس والزوال، ثم إنه صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يستعمل هذا الأسلوب الذي يفيد المغايرة والانتقال من حال إلى حال تضادها كلا أو جزءا، لذلك تكثر المقابلة والطباق في كثير من الأحاديث الشريفة، من ذلك مثلا، قوله صلى الله عليه وسلم «أما والله إني أخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»([74])، أو قوله صلى الله عليه وسلم «صم يوما وأفطر يوما»([75])، وهذا كثير جدا في الحديث النبوي الشريف، وأسلوب هذا الحديث الشريف في إعفاء اللحى من سنخها.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه الشريفة كافة، لا يعدل عن الأسلوب المشهور المتداول إلى غيره إلا لضرورة؛ وليس من هديه صلى الله عليه وسلم التعبير بالمبهم عما هو واضح في حياة الناس، ودأب عليه المسلمون من خير القرون إلى قريب من زماننا هذا.
ثم إن الاستعمال العربي للفعل «عفا» في الأغلب الأعم، هو الترك والإبقاء والإكثار، كما هو واضح جدا في القواميس العربية.
يتبع