عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 02-04-2019, 06:30 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: هجمات قراصنة الغرب ضد دولة المماليك البحرية

هجمات قراصنة الغرب ضد دولة المماليك البحرية



د. يوسف بن نصرة الله محمد[·]





مواجهة المماليك للقرصنة الأوربية


تطهير الساحل الشامي من القرصنة

إن عملية تطهير السواحل الإسلامية من القراصنة أو الهجمات تتطلب عدة أمور، وقد قام بها العديد من السلاطين. وأولها الاهتمام بإنشاء قوة بحرية يستعين بها في حرب أعدائه الذين يغيرون على بلاده من جهة البحر المتوسط، وقد قام بذلك السلطان الظاهر بيبرس 658- 676هــ/ 1260- 1277م. حيث أنشأ الأسطول البحري وجهز الجنود. والأمر الثاني أنه كان يهاجم من يعتدي عليه، فقد أرسل الأسطول البحري إلى قبرص عندما اعتدي القبارصة على سواحل المسلمين في مصر والشام. فقد قاد ابن حسون رئيس الشواني الأسطول البحري متوجها إلى قبرص، وعندما حل الظلام أراد أن يهاجم قبرص ليلا، فصدمت الشونة شعبا فانكسرت، وتبعتها بقية الشواني فتكسرت الشواني كلها، وعلم ملك قبرص، فأسر كل من فيها، وكتب إلى السلطان يقرعه ويوبخه وأن شوانيه قد تكسرت، وأخذ ما فيها، وعدتها إحدى عشرة شونة، وأسر رجالها، وقد رد عليه السلطان. والأمر الثالث أنه اهتم بتحصين الثغور الساحلية ومراقبة حركات السفن على السواحل. ([89])
الأمر الرابع واصل "الظاهر بيبرس" الجهاد ضد الصليبيين، ووضع برنامجا طموحا للقضاء عليهم وطردهم من الشام، وبدأت هجماته وحملاته في وقت مبكر من توليه السلطنة، فهاجم إمارة إنطاكية سنة (660هــ/ 1262م) وكاد أن يفتحها، ثم بدأ حربه الشاملة ضد الصليبيين منذ عام (663هــ/ 1265م) ودخل في عمليات حربية ضد إمارات الساحل الصليبي، وتوج أعماله العظيمة بفتح مدينة أنطاكية في سنة (666هــ/ 1268م)، بعد أن ظلت رهينة الأسر الصليبي على مدى أكثر من مائة وخمسين عاما، وكان ذلك أكبر انتصار حققه المسلمون على الصليبيين منذ أيام حطين واسترداد بيت المقدس وواصل المماليك جهادهم ضد الصليبيين في عهد السلطان "المنصور قلاوون" الذي تولي السلطنة في سنة (678هــ/ 1279م)، فاستولي "قلاوون" على حصن المرقب سنة (684هــ/ 1285م)، واسترد "اللاذقية" سنة (686هــ/ 1287م)، وفتح "طرابلس" بعد حصار دام شهرين في (688هــ/ 1289م) ثم تلتها "بيروت" و"جبلة"، ولم يبق للصليبيين في الشام سوى "عكا" و"صيدا" و"عثليت" وبعض المدن الصغيرة، وتجهز لفتح "عكا"، غير أن المنية كانت أسبق من إنجاز حلمه، فتوفي في (ذي القعدة 689هــ/ نوفمبر 1290م). وكانت تلك المدن وخاصة الساحلية هي هدف القراصنة. ([90])
وفي عهد السلطان المنصور قلاوون 678- 689هـــ/ 1279- 1290م كان الأسطول البحري المتمركز على سواحل بلاد الشام يتميز بقوته وتوفر كامل معداته الأمر الذي جعل القراصنة لا يفكرون في الإغارة على سواحل المسلمين. وقام المنصور قلاوون بهدم مدينة طرابلس الساحلية وأقام مكانها عددا من الأبراج على طول الساحل حول الميناء ونقل مدينة طرابلس إلى سفح الجبل في الداخل بعيدا عن الشاطئ خوفا من هجمات القراصنة وتهديد الفرنج. ([91])
أما السلطان الأشرف خليل بن المنصور قلاوون 689- 693هــ/ 1290- 1293م فقد كانت سياسته في التطهير طرد الفرنج من بلاد المسلمين بعد إسقاط مدين عكا، وجعلهم يفرون من بلاد المسلمين عن طريق البحر إلى أي جهة يريدونها. وكانت عمليات التطهير في زمنه أن أخرج كل الفرنج من المدن الساحلية مثل صور وصيدا وحيفا وبيروت وانطرطوس. إضافة إلى ذلك أن الأشرف قام بإنشاء أسطول بحري قوي في سنة 692هــ/ 1293م لتأمين السواحل الإسلامية. فعندما علمت الفرنج بهذا الأسطول أرسلت رسلهم بالهدايا يطلبون الصلح. ([92])
وخلف الأشرف خليل أخوه الناصر محمد بن قلاوون 693- 694 و698- 708 و709- 741هـــ/ 1293- 1294 و1298- 1308 و1309- 1340م. الذي أكمل سياسة أخيه البحرية وقد اهتم بإنشاء الأساطيل، للدفاع عن سواحل بلاد المسلمين. وكان القراصنة والفرنج يشنون غارات على سواحل المسلمين من جزيرة أرواد الواقعة على بعد ثلاثة أميال في البحر المتوسط عن طرابلس. فأرسل الأسطول الإسلامي إليهم سنة 702هــ/ 1302م الذي استطاع أن يستولي على الجزيرة عنوة بعد أن حطم أسوارها. ([93])
تطهير سواحل مصر من القرصنة:

عندما تعددت الهجمات على سواحل مصر قامت دولة المماليك بعدة إجراءات من أجل تطهير عمليات القرصنة على السواحل المصرية منها الاستعداد لتنظيم غزو الصليبيين في عقر دارهم. والاهتمام بصناعة السفن البحرية في موانئ مصر والشام، فقد نودي في القاهرة ومصر بحضور البحارة والنفاطين والنجارين- كان هذا بعد حادثة غزو القبارصة للإسكندرية- وكل من يريد الجهاد في سبيل الله وعملوا على بناء الأسطول، ولما اكتمل الجمع في سنة 768هــ/ 1366م جاء الأمر بشحن المراكب بالرجال والأسلحة، ولكن ذلك المشروع قد توقف بسبب أن الأمير يلبغا الخاصكي لم يعش لتحقيق هدفه، إذ اغتيل بيد مماليكه أواخر سنة 768هــ/ 1367م، مما أدي كذلك إلى إبطال العمارة البحرية في بيروت. ([94])
واتجهت العناية إلى ثغر الإسكندرية مع حركة تعزيز الأسطول الإسلامي عقب غارة القبارصة عليها، فمن ذلك أحضرت الأحجار الصوانية المرشوق بها أكف الحديد المثنية الأصابع، والمغرزة فيها النصول المحددة الأطراف، وتعليقها بسرياقات من القنب في البكر أعلا أبواب الإسكندرية. فإذا ما أرخيت هذه الآلة على الزحافة كسرتها ورفعت من بداخلها حيا أو ميتا. وقاموا بصنع عشرة آلاف من القدور الكفيات المملوءة جيرا وبولا- مثل القنابل اليدوية- وصنعوا أيضا القدور الكبار كثيرا وهي ترمي بالمجانيق. وقد أفادت تلك الاهتمامات إلى حد ما سواحل الإسكندرية. وأما دمياط فأمر السلطان بيبرس بردم فم بحر دمياط. ([95])
تطهير أواسط البحر المتوسط:

أدت اعتداءات القراصنة على السفن والسواحل الإسلامية المتكررة التي حصلت من قراصنة قبرص وجنوة وصقلية وبيزا، وأرواد إلى جعل سلاطين المماليك يعزمون على غزو تلك المناطق في عقر دارهم، أو مواجهتهم في البحر المتوسط، وقد رأينا فيما سبق كيفية استعدادات المماليك في تجهيز الاسطول الإسلامي لمواجهة الأعداء، وقد حاول بعض السلاطين مواجهة القراصنة والأعداء من الفرنج في عقر دارهم وسنعرض بعض المحاولات:
المحاولة الأولي: كانت في سنة 669هــ/ 1271م فقد أمر السلطان بيبرس بتسفير الشواني لقصد قبرص، ولكن تلك الشواني تكسرت وقبض على جميع الجنود، ولم تكلل تلك المحاولات بالنجاح. ([96])
المحاولة الثانية: كانت في سنة 702هــ/ 1302م حيث أرسل السلطان الأسطول البحري إلى جزيرة أرواد التي تكررت هجماتها على سواحل المسلمين، فوصل إلى المسلمون وحطموا أسوارها واستولوا عليها بالقوة. ([97])
المحاولة الثالثة: كانت في سنة 769هــ/ 1368م قاد محمد التازي رئيس البحر وقتذاك، وأخذ سفينة مكتملة بالعدد والرجال، ومضي في البحر المتوسط، وهجم على سفن للقراصنة والفرنج، فملك منهم سفينة وقتل جماعة منهم وأسر الباقين، وعاد منتصرا واستقبله المسلمون وفرحوا بنصره على الأعداء. ([98])
ونستخلص مما سبق أن عمليات تطهير السواحل والبحر المتوسط، تطلبت جهودا كبيرة قام بها مجموعة من سلاطين دولة المماليك في العصر الأول، ولابد أن نشير إلى أن تلك الجهود لم تظهر في زمنهم وإنما ظهرت في دولة المماليك الثانية.
المبحث الرابع


آثار القرصنة على البلاد الإسلامية


الآثار الاقتصادية:

تعتبر أعمال القرصنة من الأعمال المؤثرة على جوانب عديدة، ومما لاشك فيه أنها أثرت على الجانب الاقتصادي لدولة المماليك آنذاك. وعند تتبعنا لهذا الجانب وما نتج عنه من آثار وخسائر مادية، لوجدنا أنها كثيرة، فمنها خسائر السفن البحرية الإسلامية، إذا تم الاستيلاء عليها أو حرقها أو سرقتها من الساحل. ومنها خسائر الأسلحة إذا كانت مزودة بالأسلحة. ومنها تدمير المراسي. ومنها السطر على المسافرين في البحر. ومنها النهب والسلب على المدن الساحلية. ومنها أعمال التخريب التي تحصل من القراصنة للمدينة التي يريدونها. ومنها أسر المسافرين إن كانوا على السفينة، أو السكان إذا كانوا في المدن.
إن كل الأعمال سابقة الذكر قد قام بها القراصنة على بلاد المسلمين، وهنا سنأخذ أشهر حدث لتاريخ القرصنة على دولة المماليك البحرية، وهو غزو الإسكندرية 767هــ/ 1365م فقد أجمع المؤرخون المعاصرون ومن بعدهم أن فعل ملك قبرص بالإسكندرية هو فعل القراصنة اللصوص، فقد وصف النويري بقوله: "صارت الفرنج تنهب الديار، وتأسر الأحرار"([99]) ويذكر المقريزي فعلهم فيقول: "واستمروا يقتلون ويأسرون ويسبون وينهبون ويحرقون، من صحوة نهار الجمعة إلى بكرة نهار الأحد، فرفعوا السيف وخرجوا بالأسري والغنائم إلى مراكبهم"([100]) وقد تسبب أعمال القراصنة في خسائر فادحة وأثر بالغ على الإسكندرية، ويعلق المقريزي على الأثر الاقتصادي بقوله: "فكانت هذه الواقعة من أشنع ما مر على الإسكندرية من الحوادث، ومنها اختلت أحوالها واتضع أهلها وقت أموالهم وزالت نعمهم"([101]) وقد يكون هدف ملك قبرص تدمير الاقتصاد المملوكي، إذا أنه سرق المخازن والأموال والفنادق ولم يبق على شيء إلا وأخذه، وحتى ينهك اقتصاد الدولة أخذ معه خمسة آلاف أسير، حتى إذا ما تم دفع فديتهم فستكون المبالغ المالية طائلة.
الآثار السياسية:

أما الجانب السياسي فقد تغيرت العلاقات بين كل الدول ودولة المماليك الأولي ذات العلاقات التجارية أو السياسية، لكن السلطان المملوكي قد رفض كل العلاقات من جهة الفرنج حتى تتم تصفية حادثة الإسكندرية، فقد رد ولم يستقبل العديد من السفارات التي وصلت إلى مصر، وخاصة سفارة البنادقة، الذين عادوا إلى بلادهم وضغطوا على البابا لإتمام عملية الصلح بين المماليك وقبرص، وإصدار تصاريح لهم بممارسة التجارة.
وفي النهاية تقدم ملك قبرص بمطالب غير واقعية ثمنا للصلح، منها التنازل عن الأراضي السابقة لمملكة بيت المقدس، وإطلاق سراح الأسرى التجار من الفرنج الذين قبض عليهم بعد الحادثة، وإعفاء التجار القبارصة من الرسوم الجمركية. وكان ملك قبرص يلعب بهذه الشروط حتى يكسب الوقت، لتجهيز حملة الثانية على سواحل الشام، وفعلا جاءت الحملة إلى بلاد الشام لكن الله عز وجل أرسل عليهم ريحا فتشتت الحملة وعادوا خائبين كما مر بنا سابقا. واستمرت العلاقات بين دول الفرنج وجزر البحر المتوسط منقطعة أو عدائية. ولم تنته الاتصالات الدبلوماسية بين المماليك وقبرص، وعندما سمح لبعض التجار بممارسة التجارة مع المماليك، وقد يكون ذلك تسرعا من سلطان المماليك، استغل ملك قبرص هذا الأمر. وفي ذلك الوقت أعني ربيع الأول 769هـــ/ يناير 1367م أقلع أسطول القراصنة المكون من ستين سفينة، وعادت هجمات القراصنة من قبرص بمساندة جزيرة رودس ودول الفرنج والبابا الذي بارك وشكر على غزو الإسكندرية، إلى سواحل بلاد الشام والسواحل المصرية والاعتداء على السفن البحرية بعد أن تبين لهم أن أسطول المسلمين لم يكتمل أو أنه توقف، وقد علموا أيضا بضعف قوة الجيش الإسلامي، فكثرت أعمال القرصنة على سواحل بلاد المسلمين. وفي أغلب الهجمات كانت لهم الريح بالمرصاد حيث فرقت سفنهم وشتت جمعهم، فعادت حملاتهم تجر أذيال الفشل. ورب ضارة نافعة، فكثرت الهجمات جعلت المماليك يجهزون بجدية للاستيلاء على قبرص، وقد نجحوا عندما في العصر المملوكي الثاني. ([102])
الآثار العسكرية:

أظهرت هجمات القراصنة على سواحل بلاد الشام ومصر والاعتداء على سفن المسلمين ردت فعل في دولة المماليك البحرية، وخاصة بعد غارة الإسكندرية، فقد كشف لهم مدى القصور في القوة البحرية، وقلة أعداد الجيش، مما جعلهم يتوجهون إلى الاهتمام بهذا الجانب بشكل كبير.
وبعد غارة الإسكندرية، أصدر السلطان الأشرف شعبان بن حسين 765- 778هــ/ 1363- 1376م أمرا بصناعة الأسطول الإسلامي، في مصر والشام، ففتحت دور الصناعة في الإسكندرية وبيروت لعمارة الشواني البحرية، ونودي بالصناع والنجارين والحدادين، وجمع من الرجال ما بين مغاربه وتراكمين وصعايدة، وجمعت الأسلحة، وصنعت القنابل اليدوية الصغيرة والكبيرة. وتم إعداد الجند، ورتب لهم رؤساء ونقباء، وأنفق فيهم الأموال المقررة، وبلغ عدة الأسطول البحري الإسلامي مائة قطعة ما بين غربان وطرايد. ([103])
الأمر الثاني هو إعادة النظر في تحصينات الموانئ الإسلامية، ففي ثغر الإسكندرية تم إعادة بناء الأسوار وزيادتها، وبناء الخنادق اللازمة، وصنع أبراج من الخشب ونصبها أعلى أبواب الإسكندرية تكسي من جلود الجمال والأبقار حتى لا تؤثر فيها النار عندما يقذفها الأعداء في حالة الهجوم. كما أمر بتعليق الصخور الصوانية المقنطرة الضخمة في أعلى أبواب الإسكندرية من جهة البحر، وذلك استعدادا لقذفها بالمنجنيق في حالة الغزو. كذلك أمر بحصر عدد القلاع والأبراج والمرامي وشرفات السور، وأن يرتب لكل رماة رام بالسهام وآخر بالحجارة، وأن يسجل ذلك في سجلات يذكر فيها اسم كل رجل وحرفته. وأمر بتعمير خندق غربي الإسكندرية، والاهتمام بالخندق ناحية الشرق. كما اهتم بتحصين الميناء الغربي المعرف ببحر السلسلة لحماية سفن المسلمين. ([104])
كذلك الحال في سواحل المدن الشامية، فقد أمر السلطان بزيادة التحصينات في ثغور المدن الساحلية في بلاد الشام، وأمر بإقامة الحصون والقلاع وبناء السور، وقد تم بناء حصن ضخم وسور كبير في مدينة صيدا. أما بيروت فقد كثر فيها الصناع من أجل عمارة الشواني وإقامة المراسي للدفاع عن المدينة. ([105])
خلاصة القول أن القرصنة والهجمات التي وجهت إلى دولة المماليك البحرية، أظهرت آثارا عسكرية لصالح الدولة المملوكية، فقد جعلت سلاطين المماليك يولون اهتماما كبيرا في الجانب الدفاعي للدولة، والاهتمام بالجيش البحري، وإعادة تحصينات المدن الساحلية في بلاد الشام ومصر بشكل يضاهي قوة القراصنة والأعداء.


الآثار الاجتماعية:

ذكرنا فيما سبق كل الظروف التي واكبت هجمات القراصنة والفرنج على سواحل بلاد الشام، وسواحل مصر. أما فيما يتعلق بالآثار الاجتماعية التي خلفتها تلك الهجمات على بلاد المسلمين فهي كالتالي:
أولا: من أهم عمليات النهب والسلب للقراصنة أخذ الأسرى، ففي غارة الإسكندرية فقط أخذ خمسة آلاف أسير، وهؤلاء الأسرى، كانوا يبكون ويصرخون طالبين النجدة والعون، وقد وصفهم ابن كثير بقوله:
"فسمع للأسارى من العويل والبكاء والشكوى والجأر إلى الله والاستغاثة به، وبالمسلمين ما قطع الأكباد وذرفت له العيون، وأصم الأسماع"([106])
وكذلك الحال في باقي المدن الساحلية في بلاد الشام عندما يؤخذ الأسرى ويذهبون بهم إلى بلاد الفرنج ويسجنون أو يباعون أو يقتلون، وغالبا ما يستخدم الأعداء هؤلاء الأسرى للضغط على سلطان دولة المماليك ليوافق على شروطهم، وكان السلطان دائما يسأل عن الأسرى بعد حادثة الإسكندرية. وقد مارس ملك قبرص أسلوب الضغط على السلطان بالأسري، ليوافق على شروطه الغير معقولة، وعندما لم يجد أي فائدة وزع عددا منهم كهدايا إلى ملوك أوربا غيرهم. وقد عاد بعضهم حيث قدمت رسل متملك جنوة بستين أسيرا من أهل الإسكندرية، وهدية للسلطان، وذكروا أن هذه الأسرى كانت نصيبه، واعتذر بأنه لم يعلم بوقعة الإسكندرية إلا بعد وقوعها، وأنه مستمر في الصلح، ومتى قدر على أخذ متملك قبرص وقتله فإنه سيفعل. فقبلت هديته، وأثني الأسرى عليه خيرا. ([107])
ثانيا: ما حصل من قتل للأسرى الذين أخذوا من المدن الساحلية من الإسكندرية أو من المدن الساحلية الشامية، أو ممن قتلوا في عرض البحر أثناء سفرهم للتجارة أو غيرها. فإن أسرهم وعائلاتهم وذويهم سوف يفقدونهم وقد يطول الانتظار لقدومهم، وقد لا يصل أي خبر عنهم. كل ذلك سيكون له أثر بالغ للأسرة المسلمة.



الخاتمة:


وأخيرا يمكن القول بأن هذه الدراسة تحوى عناصر متعددة عن القرصنة عالجت الكثير من جوانبها وعناصرها اعتمادا على مختلف مصادرها من عربية وأجنبية، وهناك عدة قضايا تم استقراؤها من خلال دراسة الموضوع، وهي:

كشفت الدراسة أن تاريخ القرصنة يعود إلى ماض بعيد، وقد مر بنا ذلك في قصة موسي عليه السلام وهو حاصل إلى يومنا هذا، وفي تاريخ الإسلام هناك الكثير من حوادث القرصنة، وفي دولة المماليك البحرية أثقل الفرنج وغيرهم من عمليات القرصنة. وذلك بسبب طردهم من بلاد المسلمين سنة 690هــ/ 1291م. فكانت عملياتهم بمثابة المحاولات للعودة إلى مستعمراتهم، أو محاولة إجبار السلطان على إرجاعهم لبيت المقدس.

أكدت الدراسة أن المسلمين سخروا كل ما توفر لهم من إمكانات مادية وعقلية من أجل ابتكار أو تحديث أساليب عسكرية بحرية لمواجهة القراصنة أذهلت الكثير. فقد تم اختراع بعض القنابل اليدوية التي سماها المسلمون "القدور الكافيات" وهي مصنوعة من الفخار وبداخلها جير وبول، وسبب ذلك أن القراصنة كانوا يلبسون ملابس ضد السهام وفيها فتحات صغيرة، فهذه القنابل عندما ترمي بهم تنكسر ويسيل الجير المخلوط بالبول فيدخل في تلك الفتحات الصغيرة وبالتالي يصل إلى العين والأنف، فيكون لها تأثيرا قويا على من يقع عليه.

أوضحت الدراسة ازدهار صناعة السفن في مصر والشام، فبعد غارة الإسكندرية طلب الصناع والنجارين وكل من يريد العمل، ففتحت دور الصناعة في الإسكندرية وبيروت لصناعة الأسطول الإسلامي. وفي نفس الوقت نمت تجارة بعض المواد التي يحتاجها الصناع، فجلبت من العدد من الدول.

بينت الدراسة من واقع تتبع أوضاع أوربا وعلاقتها بدولة المماليك البحرية يجدر بنا تسجيل ملاحظة وهي أن دول أوربا بمعاونة الكنيسة تبحث دائما عن قوة تواجه الدولة الإسلامية، وبالتالي يأتي دور الكنيسة في تحريك هذه القوة بالمال والرجال، وكل ذلك من أجل القضاء على الدولة الإسلامية في جيشها وتجارتها وفي أوضاعها الداخلية، حتى تنشغل في أحوالها وإصلاحاتها، وهذا يتضح جليا في كتاب مارينو سانوتو: الأسرار للصليبيين الحقيقيين لمساعدتهم على استرداد الأرض المقدسة، حيث كشف الكتاب عن الكثير من المخططات الصليبية تجاه الدولة المملوكية.

أوضحت الدراسة الاضطراب الذي حدث عند بعض سلاطين دولة المماليك البحرية في الحفاظ على مستوى تدريب الجيش وتسليحه، وإعداد الأسطول البحري، فنجد البعض يهتم بدرجة قصوى من أجل مواجهة أي عدو، والبعض الآخر بعيداً لا يملك إلا القليل من الأسلحة وبعض السفن التي لا تمكنه من مواجهة أي عدد من القراصنة، وقد مر بنا أن بعض هجمات القراصنة مكونة من أحد عشر سفينة ولا تجد من يتصدى لها مما دل على مدى الضعف العسكري في بعض فترات العصر المملوكي الأول.

رصدت الدراسة تطور عمليات القرصنة على مر الزمن، فقد كانت القرصنة سابقا تقتصر على البحر، أي أن القراصنة يعتدون على السفن التي تسير في البحر ويقوم القرصان بعملية النهب والسلب والقتل أحيانا. وأما حوادث القرصنة في دولة المماليك البحرية فنلاحظ أنها تطورت، أي أنها وصلت إلى المدن الساحلية، وينزل القرصان مع أعوانه إلى البر ويقومون بعملية النهب والسلب والقتال ويخطفون عددا من الأسرى ثم يركبون سفنهم، بل ويطلبون الفدية للأسرى قبيل رحيلهم فإن تم الدفع فإنهم يطلقون سراح الأسري ثم يذهبون، ومثل هذه الحالات لم تكن معروفة من قبل، والله المستعان.


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.25 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.62 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.89%)]