عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 01-04-2019, 05:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,744
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حكم استبدال الأوقاف في المذاهب الفقهية

حكم استبدال الأوقاف في المذاهب الفقهية([1])




د. محمد المهدي ([2])


ب- أدلة المانعين من بيع الأوقاف واستبدالها.
استدل مانعو استبدال الأوقاف بما يلي:

بما في حديث عمر المشهور: "لا يباع ولا يوهب ولا يورث"، فهذا صريح بعدم مساغ البيع ([159])، جاء في فتح الباري: "استدل بقوله: "لا يباع" على أن الوقف لا يناقل به"([160]).
وبأن ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه لا يجوز مع بقاء تعطلها، كالمعتق.([161])
وبأن الوقف مشتق عند أهل اللغة من وقوف الدابة، فحقيقته أن يعطى حقيقة الاشتقاق، و في تغييره وتبديله مخالفة لذلك.
وبأن الوقف عين أخرجها الواقف عن ملكه، فانقطع جواز بيعها و إبدالها قياسا على العتق والهدي والأضاحي.
وبأن في بيع الوقف والمبادلة به تفويتا لتعيين الواقف، فقد خص الواقف العين بكونها وقفا، فكان في بيعها والمبادلة بها قطع لتخصيص الواقف وتعيينه، وذلك ممنوع منه، كما منع من مخالفة شرط الواقف.
وبأن الوقف إذا كان مسجدا مثلا فقد ثبت له حكم المساجد من عدم مكث الجنب فيه، وجواز الاعتكاف داخله، والنهي عن إنشاد الضالة فيه، واحترام بقعته ونحو ذلك، وهذا أمر يتعلق بحقيقته، فكيف يجوز تغيير هذه الأحكام وتبديل هذه الأوصاف ؟([162]).
* مناقشة أدلة المانعين من الاستبدال.

إن الاستدلال بحديث عمر معترض عليه من وجوه:

- الوجه الأول: إن منع البيع ثبت للشرط الواقع فيه، وهو قوله "لا يباع"، فلو كان الاستبدال ممنوعا لما احتيج إلى وضع هذا الشرط.
- الوجه الثاني: إن المراد من قوله "لا يباع" البيع المبطل لأصل الوقف الذي لا يقام فيه مقامه، كأن يباع ليؤكل ثمنه، ولهذا قرنه بالهبة والوراثة، فالبيع والحالة هذه لا يجوز إجماعا، لأن فيه إبطالا لأصل الوقف، وذلك لا يجوز عند العلماء المجمعين على صحة الوقف ولزومه، واذا حمل البيع على هذا المعنى لم يتخصص بحال، فإن أحدا لا يجيز بيعه ليؤكل ثمنه([163]).
- الوجه الثالث: أن يقال: إن كان هذا - أي منع البيع - حكما ثبت لذات الوقف، فحقيقته أنه لم يجز بيع الفرس الوقف عند تعطله ضرورة، لثبوت المعنى المشترك لأفراده، وان لم يكن كذلك فلا حجة فيه على العموم .

- الوجه الرابع: أن يقال: اللفظ عام دخله التخصيص، أو التقييد بحالة التعطل والرجحان في الاستبدال، فيحمل المنع على غير هاتين لما ذكر من الأدلة، وهذا لأن قوله "لا يباع" نهي أو نفي، وهو قابل للتخصيص أو التقييد في الأزمان والأحوال، فيخص الحالتين المذكورتين.
أما الجواب عن الدليل الثاني، فإن الاشتقاق لغة لا يقتضي عدم بيع الوقف وابداله عند تعطله، إذ حكم اللغة غير مقتضى الشرع، وأيضا فوقوف الدابة لا إشعار له بالتأبيد، فيجوز أن يكون كذا وقتا ما، وعلى هذا فليس في الاستبدال به مخالفة لذلك.

والجواب عن الدليل الثالث - أن الهدي الواجب بالنذر قد زال ملكه عنه، ويجوز التصرف فيه بالذبح قبل محله، وكذلك إذا نذر أن يتصدق بدراهم بعينها جاز إبدالها بغيرها، وكذلك إذا جعل داره هديا إلى الكعبة جاز بيعها وصرف ثمنها إلى الكعبة، فأما العبد إذا أعتقه فلا سبيل إلى إعادة المالية فيه بعد عتقه، لأنه إتلاف المالية، بخلاف الأمر في مسألتنا، فإن المالية فيه ثابتة، وإنما المنافع هي المقصودة، فيتوصل بماليته إلى حصول فائدته بإبداله وبيعه، فصار شبهه بالهدي إذا عطب أولى من العبد إذا عتق، والقول في الهدي والأضاحي في الإبدال كذلك فلا فرق.
ويجاب عن الدليل الرابع بأن قولهم: إن في الإبدال والبيع تفويتا لتعيين الواقف غير مانع من وجوه:
- الوجه الأول: لو كان الواقف حيا ورضي بالاستبدال فإن ذلك ينعكس حينئذ مع عدم التسويغ.
- الوجه الثاني: إن أمر تفويت تعيين الواقف باطل بالهدي والأضحية عند من جوز إبدالها، فإنه إذا جاز ذلك للمهدي جاز لورثته الإبدال لما أوجبه، ويفوت التعيين فيه.

- الوجه الثالث: إن الشرع يجوز له إبدال كثير مما عينه من مواضع العبادات، واذا لم يلزمه الشرع بذلك ظهر أن الاعتبار بالتعيين شرعا لا بتعيين الواقف والناذر.

- الوجه الرابع: إن التفويت الذي قالوا به باطل بما إذا تعطلت منافع الموقوف، أما في الفرس الحبيس فبالاتفاق، وأما في غيره فعند من سلمه، فإن فيه تفويت تعيين الواقف أيضا.

- الوجه الخامس: إن الواقف وقفه فخرج عن ملكه، إما إلى الموقوف عليهم أو إلى غيرهم، فالاعتبار بالمصلحة الظاهرة فيه، ولا اعتبار بتعيين الواقف عند رجحان المصلحة في غيره .
- الوجه السادس: إن الواقف يقول في شرطه: "لا تباع هذه الصدقة ولا شيء منها"، ومع ذلك يجوز بيع الوقف أو أنقاضه كأخشابه، فإذا جاز مخالفة شرطه جاز مخالفة تعيينه، والتعلق بمخالفة شرط الواقف في قوله "لا تباع" ضعيف، لأن شرط الواقف معتبر في ذلك عند رجحان المصلحة، أما إذا كان الوقف قد خرب وتعطل فقد نص الإمام أحمد على مخالفة شرط الواقف في ذلك، حتى إنه يباع وإن كان فيه مخالفة، ويؤجر أكثر مما شرطه وإن كان فيه مخالفة لشرطه، وأما إذا ظهرت المصلحة في الاستبدال به فالكلام في مخالفة الشرط كالكلام في الاستبدال بالأصل، فكما جاز الأول جاز الثاني، ولا فرق ([164]).

وبهذه المناقشة يتبين - والله أعلم - أن القول بجواز الاستبدال على العموم أرجح من سواه من حيث الأدلة المعتمد عليها في دعمه.
المبحث الثالث


الجهة التي لها صلاحية الاستبدال

نقسم هذا الموضوع إلى فقرتين، نتناول في الفقرة الأولى تحديد السلطة التي يحق لها القيام باستبدال الوقف، ونتناول في الفقرة الثانية بيان أحكام أموال البدل .
أولا- تحديد السلطة التي تملك حق استبدال الوقف:
اختلف مجيزو استبدال الوقف في من يلي بيعه على آراء، نعرض لها فيما يلي مع الموازنة والترجيح.

* - عرض الآراء الفقهية:

في المذهب الحنفي: إن الذي له حق بيع الوقف واستبداله عند الحنفية هو الواقف أو الناظر الخاص إذا اشترط ذلك في أصل الوقف، أما إذا لم يشترط شيء فإن المستبدل هو القاضي على المعتمد ([165])، وما ذكرناه هنا هو نفسه يوجد في المذهب الشافعي ([166]).

في المذهب المالكي: لم نجد عند المالكية نقولا تصرح بأن حق الاستبدال لهذا أو لذاك، وإنما يستشف من خلال بعض النصوص النوازلية أن الناظر يتمتع بهذا الحق، فقد جاء في فتاوى عليش: "الحمد لله، حيث شرط الواقف عدم الاستبدال وأطلق كانت المبادلة الحاصلة من الناظر باطلة ([167]).
وهذا يفيد أنه إذا شرط الواقف للناظر حق الاستبدال كان له ذلك، ونفسه الحكم فيما إذا سكت، غير أنه إذا تعلق الأمر ببيع وقف لأجل المصلحة العامة كتوسعة مسجد ضاق بأهله وأبى الناظر البيع، فإن الحاكم هو الذي يبيعه.

في المذهب الحنبلي: اختلف الحنابلة في تحديد المستبدل اختلافا واسعا، حيث فرقوا بين الوقف الذي يكون على سبل الخيرات كالمساجد والقناطر والفقراء والمساكين ونحو ذلك، وبين الوقف الذي يكون على غير ذلك:

فإن كان على سبل الخيرات ونحوها، فالصحيح من المذهب أن الذي يلي بيعه هو الحاكم، وعليه كثر الحنابلة، وقطع به كثير منهم ([168])، وقيل: يليه الناظر الخاص إن كان، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، وقد جاء في تصحيح الفروع أنه قوي ([169]).
وان كان الوقف على غير سبل الخيرات، ففي من يلي بيعه اختلاف على ثلاثة آراء:

الرأي الأول: يليه الناظر الخاص، وهو الصحيح ([170])، وبه جزم بعضهم كصاحب المحرر ([171]).
جاء في تصحيح الفروع: "قال الزركشي: إذا تعطل الوقف فإن الناظر فيه يبيعه ويشتري بثمنه ما فيه منفعة ترد على أهل الوقف، نص عليه، وعليه الأصحاب اهـ. قال في الفائق: ويتولى البيع ناظره الخاص، حكاه غير واحد اهـ.
وجزم به في التلخيص والمحرر، فقال: يبيعه الناظر فيه، ... وقدمه الناظم فقال: (وناظره شرعا يلي عقد بيعه)"([172]).
وعلى هذا الرأي إذا لم يوجد الناظر الخاص فقيل: الذي يبيعه هو الحاكم، وقيل الموقوف عليه قطعا، وقيل الموقوف عليه على القول بأنه يملكه وإلا فلا ([173]).

الرأي الثاني: يليه الموقوف عليه، "وهو ظاهر ما جزم به في الهداية، فقال: (فإن تعطلت منفعته فالموقوف عليه بالخيار بين النفقة عليه وبين بيعه وصرف ثمنه في مثله)... وقدمه في الرعاية الصغرى، فقال: (وما بطل نفعه فلمن وقف عليه بيعه.)"([174]).

الرأي الثالث: يليه الحاكم، وهو ما جزم به بعضهم، وقدمه صاحب الفروع ([175]).
جاء في الإنصاف: "جزم به الحلواني في التبصرة، فقال: واذا خرب الوقف ولم يرد شيئا، أو خرب المسجد وما حوله ولم ينتفع به، فللإمام بيعه وصرف ثمنه في مثله اهـ"([176]).
ومحل هذه الآراء إذا سكت الواقف عن تعيين من يقوم ببيع الوقف واستبداله، وإلا اتبع شرطه.

في المذهب الشيعي: يرى الشيعة الزيدية أن الناظر هو من يلي بيع الوقف واستبداله، ولذلك جاء في السيل الجرار: "واجب على المتولي أن يستدرك الأمر ببيع الوقف الخرب بحسب الإمكان، ويشتري بثمنه عوضا"([177]).

* - مناقشة وترجيح:
وعلى هذا فوجهات نظر الفقهاء في من يلي بيع الوقف واستبداله إذا لم يحدده الواقف، لا تخرج عن ثلاثة أقوال:
- القول الأول: الذي يلي البيع والاستبدال هو الناظر الخاص .

- القول الثاني: الذي يلي ذلك هو الموقوف عليه.
- القول الثالث: الذي يلي ذلك هو الحاكم - أو نائبه - بحكم ولايته العامة.

فالقول الأول يمكن أن يلاحظ عليه بأن الناظر يستفيد الولاية من الواقف أو الحاكم، وهي ولاية لا تتضمن إلا ما فوض فيه من النظر في الوقف، وذلك يشمل حفظه والدفاع عنه وصرفه في مصارفه، وغير ذلك، ولا تتضمن الإذن في البيع.
ويمكن أن يلاحظ على القول الثاني - أيضا - بأن الموقوف عليه لا يمكنه التصرف إلا في الغلة؛ لأن حقه فيها، أما الأصل فلا حق له في التصرف فيه بأي حال من الأحوال مادام ليس ناظرا.
أما القول الثالث فيبدو وجيها؛ لأن الحاكم هو ولي المسلمين العام، وهو الذي ينظر في مصالحهم، والتهمة لا تلحقه في بيع الوقف وشراء بدله، كما أن الأخذ به يسهم في الحد من المسارعة إلى بيع الوقف دون روية أو تحر للمصلحة.

ثانيا- مصير أموال البدل:
ذهب فقهاء الإسلام القائلون باستبدال الأوقاف إلى أن الأموال المحصل عليها من البيع[(*)] يشترى بها ما يقوم مقام العين المبيعة، غير أنهم اختلفوا اختلافا واسعا في مدى صيرورة العين الجديدة وقفا بمجرد الشراء، كما اختلفوا في مدى ضرورة أن تكون هذه العين من جنس المبيعة، أو أن تكون في بلدها، وقبل الإجابة على هذه التساؤلات يجدر بنا أن نبين مدى ضرورة أن يشترى بالبدل ما يقوم مقام المبدل، أي هل يجبر الموقوف عليهم أو الناظر على جعل ثمن المبيع في غيره، أم يبقى الخيار لهم في ذلك؟.

مدى ضرورة أن يشترى بالبدل ما يقوم مقام المبدل:

صرح جمهور الفقهاء من خلال نصوصهم التي وقفنا عليها بأنه يشترى بمال البدل ما يقوم مقام المبدل، دون أن يتطرقوا إلى ما إذا كان يمكن جبر البائع على جعل الثمن في عين أخرى، أم يترك له الأمر خيارا، ولاشك أن جبره يبنى على البديهة، والا كان عدم الجبر سبيلا إلى إنهاء الأوقاف.
قال ابن تيمية: "بيع الوقف بغير استبدال لما يقوم مقامه، فلا ريب أنه لا يجوز"([178])، وفي التاج المذهب: "بل يجب أن يشتري العوض حتما ولو دون الأول"([179]).
في حين ذهب بعض الجعفرية إلى أن العين المشتراة لا تأخذ حكم العين المبيعة، ولا تكون وقفا مثلها، بل تكون كنتائج الوقف، يتصرف فيها الناظر بما يراه من مصلحة ([180])، وإذا كان الأمر كذلك، فلا ضرورة عندهم - إذن – في شراء عين أخرى.
واذا تعلق الأمر ببيع وقف لتوسيع مسجد ونحوه، فإن المالكية على رأيين في مدى تلك الضرورة:

- الرأي الأول: لا يقضى على البائع بجعل الثمن في عين أخرى . وهو للإمام مالك وتلميذه ابن القاسم([181])، وهو المشهور ([182]).
ووجهه كما جاء في المنتقى: "أنه معنى أوجب إخراج ما حبس عن الواقف والرجوع بثمنه، فلم يوجب شراء مثله بذلك الثمن كالاستحقاق"([183]).

وقد اعترض الشيخ ابن عرفة على هذا الرأي بأن المناسبة الناشئة عن اعتبار المصالح تقتضي عكسه، لأن البائع إذا لم يجبر على جعل الثمن المحصل عليه في وقف آخر، كان جبره على بيعه تحصيلا لمصلحة التوسعة مع مفسدة إبطال وقف.
فإن قيل: جبره على بيعه مع جبره على جعله في وقف آخر فيه شدة ضرر، وجبره على البيع مع عدم جبره على جعله في وقف آخر أخف ضررا، وارتكاب أخف الضررين راجح أو واجب. رد عليه بأن إبطال الوقف راجع لحق الله تعالى، وحق الله عز وجل آكد كما لا يخفى ([184]).
- القول الثاني: يقضى على البائع بذلك ويجبر عليه، وهو لعبد الملك بن الماجشون.

ووجهه: أن الواقف إذا وقف ما يملك، تعلق حق الموقوف عليهم بالموقوف على اللزوم، فإذا وجب إخراجه عن ذلك الوجه من الوقف لزم جعل ثمنه في بدله، لأن التوقيف حق لازم ([185]).
والمعتمد في المذهب هو: القول الأول ([186])، برغم أن الأخذ به قد يفتح باب القضاء على الأوقاف؛ لأنه إذا لم يكن للحاكم أن يجبر البائع على أن يشتري بالثمن عينا أخرى تكون وقفا محل التي بيعت، فهذا يعني أننا رخصنا في توزيع الثمن وإنفاقه في حاجيات الموقوف عليهم، وفي ذلك ضرر واضح، فضلا عن انقطاع الأجر والثواب الذي تغياه الواقف من الوقف.

هل يصير البدل وقفا بمجرد الشراء أم لابد من تجديد وقفيته؟
اختلف فقهاء الإسلام في ما إذا كان البدل يحتاج إلى صيغة، أو لا يحتاج إليها، على اعتبار أن نفس البدلية تستدعي بطبيعتها أن يكون المشترى كالمبيع من غير فرق؟، ولبيان ذلك نعرض للآراء الفقهية مع الموازنة والترجيح على النحو التالي:
* - عرض الآراء الفقهية:
- في المذهب الحنفي: تصرح نصوص الحنفية بأنه بمجرد شراء البدل يكون المشترى وقفا بدل الأول بشكل تلقائي، ولا يحتاج إلى التصريح بذلك [(*)]، كما لو قتل العبد الموصى بخدمته خطأ وضمن الجاني قيمته واشتري بها عبد فإنه يجري عليه حكم أصله بمجرد الشراء، وهكذا حكم المدبر المقتول خطأ ([187]).

- في المذهب المالكي: يرى المالكية أنه لابد من تجديد وقفية المشترى بمال البدل؛ حتى يصير له ما للعين الأصلية من حكم.
جاء في شرح الزرقاني: "وأمروا (أي المحبس عليهم) بجعل ثمنه (أي الحبس الذي بيع ...) لغيره وجوبا، أي يشترى بالثمن عقار مثله، ويجعل حبسا مكانه"([188]).

فقوله: "ويجعل حبسا مكانه " يفيد بجلاء أنه لابد من تجديد الوقفية، وهو نفس المعنى يستفاد من قول ابن عاصم:
وغير أصل عادم النفع صرف *** ثمنه في ملاله ثم وقف ([189]).

- في المذهب الشافعي: يرى الشافعية أنه لابد من تجديد وقفية المشترى [(**)]، كما هو الشأن عند المالكية ([190])، والذي يقفه هو الحاكم ([191]).

- في الفقه الحنبلي: اختلف الحنابلة في ذلك، وتحصل من اختلافهم رأيان:

- الرأي الأول: متى وقع الشراء لجهة الوقف على الوجه الشرعي، ولزم العقد، صار المشترى وقفا، دون حاجة إلى تجديد وقفيته، كبدل أضحية ورهن أتلف ([192]).

فهذا صاحب كتاب المناقلة بالأوقاف يورد بعض النقول تدعم هذا الرأي، فيقول: "وهو ظاهر كلام الحلواني في كفاية المبتدي: وإذا تخرب الوقف وانعدمت منفعته، بيع واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف، وكان وقفا كالأول. وقال الشيرازي في المبهج: (واشتري بثمنه ما يكون وقفا). وظاهره أنه يكون وقفا بمجرد الشراء"([193]).

وقد ورد توجيه ذلك في الإنصاف نقلا عن بعض الشيوخ، حيث جاء فيه: "لأنه -أي الناظر- كالوكيل في الشراء، والوكيل يقع شراؤه للموكل، فكذا هذا، يقع شراؤه للجهة المشترى لها، ولا يكون ذلك إلا وقفا"([194]).
- الرأي الثاني: لابد من إيقاف المشترى بمال البدل حتى يصير وقفا. فقد جاء في مختصر الخرقي: "وإذا خرب الوقف ولم يرد شيئا بيع، واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف، وجعل وقفا كالأول"([195]). فمقتضى هذا الكلام أنه لا يصير وقفا بمجرد الشراء، بل لابد من إيقاف الناظر له ([196]).
وتوجيه هذا الرأي أن الشراء لا يصلح سببا لإفادة الوقف، بل لابد للوقف من سبب يفيده وهو الإيقاف([197]).
واستصوب صاحب الإنصاف الرأي الأول ([198])، في حين رجح صاحب نيل المآرب الرأي الثاني وقال: "والاحتياط وقفه؛ لئلا ينقضه بعد ذلك من لا يرى وقفيته بمجرد الشراء"([199]).
- في المذهب الشيعي: يقرر جمهور الجعفرية والزيدية أن الثمن المحصل عليه من البيع حكمه حكم الوقف الأول من كونه ملكا للبطون، فإن كان الثمن عقارا أخذ مكان الأول، وان كان نقدا اشتري به ما هو أصلح، ويصير العوض وقفا بنفس الشراء على ما كان موقوفا عليه، ولا يحتاج إلى تجديد الوقف ([200]).

* - موازنة وترجيح:
يتضح من خلال هذه الآراء المعروضة أن الفقهاء في حكم المسالة على رأيين:

- الرأي الأول: يصير المشترى بمال البدل وقفا بمجرد الشراء، وبه قال كل من الحنفية وفريق من الحنابلة والشيعة الجعفرية والزيدية.

- الرأي الثاني: لابد من تجديد وقفيته، وبه قال المالكية والشافعية وفريق آخر من الحنابلة.

ويبدو الرأي الثاني وجيها لسببين:
- السبب الأول: إن البيع قد رفع عن العين المبيعة صفة الوقفية، على اعتبار أنها صارت ملكا لمن اشتراها، يتصرف فيها تصرف المالك فيما يملك، كما أن العين المشتراة ابتيعت على أساس أنها ملك، ولذلك لا يمكن اعتبارها وقفا إلا إذا سجلت على أنها كذلك، وهذا يقتضي بالضرورة توقيفها.
- السبب الثاني: في تجديد الوقفية احتياط واضح مما يمكن أن يتعرض له عقد الشراء من نقض، لاسيما ممن لا يرى الوقفية بمجرد الشراء.

هل يشترط أن يكون المشترى من جنس المبيع ؟.
* - عرض الآراء الفقهية:

- في المذهب الحنفي: يقرر الحنفية في الظاهر عندهم مراعاة الجنس في الموقوف إذا كان للسكنى؛ تحقيقا لغرض الواقف، فإذا وقفت دار للسكنى وتخربت وليس هناك غلة يعمر بها ولم يوجد من يستأجرها، جاز للقاضي استبدالها بدار أخرى، ولا يصح استبدالها بأرض أو دكان، لأن ذلك يفوت غرض الواقف.
أما إذا كان الموقوف يقصد منه الاستغلال فلا يشترط لصحة الاستبدال فيه اتحاد الجنس، لأن المنظور فيه كثرة الريع وقلة المرمة والمؤن، فلو استبدل الدار أو الدكان بأرض تؤجر بمثل أجرتهما، أو تزرع وتأتي بغلة قدر أجرتهما كان أحسن، لأن الأرض أدوم وأبقى، ولا تحتاج إلى كلفة التعمير ([201]).
- في المذهب المالكي: يرى المالكية أنه يشترى بثمن المبيع غيره من جنسه مما ينتفع به فيما وقف فيه ذلك المبيع([202])، فإن نقص ثمنه عن مثله- وهو الغالب - أعين به في مثله، فإن نقص الثمن عن مثل المبيع كاملا أو مبعضا تصدق به ([203]) في الجهة الموقوف عليها، فثمن الفرس الحبيس على الغزو يفرق على المجاهدين، وثمن الحيوان على من وقف عليه، وثمن الثوب الخلق على العراة ([204]).

غير أنه إذا تعلق الأمر بفرس وقف في سبيل الله - كغزو ورباط وقنطرة ومسجد - وعدم بيت المال، الذي هو مصدر النفقة عليه، أو كان ولم يوصل إليه فإنه يباع ويشترى به ما لا يحتاج إلى نفقة، كسلاح - مثلا -، ولا يعوض به مثل ما بيع ولا شقصه ([205]).
- في المذهب الشافعي: يشترط الشافعية أن يكون المشترى من جنس المبيع، فإن كان المبيع عبدا اشتري بثمنه عبد مثله لا أمة، ولا عبد بقيمة أمة، ولا صغير بقيمة كبير، ولا عكسه، على أقوى الوجهين. فإن تعذر شراء عبد فبعض عبد؛ لأنه أقرب إلى مقصود الواقف، فإن تعذر الشقص ففيه ثلاثة أوجه:

- الوجه الأول: يبقى البدل إلى أن يتمكن من شراء شقص.

- الوجه الثاني: يكون ملكا للموقوف عليه.

- الوجه الثالث: يكون لأقرب الناس إلى الواقف . وهذا أقرب الوجوه ([206]).

- في المذهب الحنبلي: أما الحنابلة فلا يشترطون في المشترى أن يكون من جنس المبيع، فقد جاء في مختصر الخرقي: "واذا خرب الوقف ولم يرد شيئا بيع، واشتري بثمنه ما يرد على أهل الوقف"([207]).
فظاهره أنه لا يشترط كون المشترى من جنس الوقف الذي بيع، بل أي شيء اشتري بثمنه مما يرد على أهل الوقف يجوز([208])، سواء كان من جنسه أم لا.
فإن نقص الثمن عن مثل المبيع أعين به في مثله، لأن المقصود استبقاء منفعة الوقف الممكن استيفاؤها، وصيانتها عن الضياع، ولا سبيل إلى ذلك إلا بهذه الطريق ([209]).
- في المذهب الشيعي: يرى الشيعة الجعفرية أنه إذا كان الثمن عقارا أخذ مكان الأول، وان كان نقدا اشتري به ما هو أصلح، كان من جنس المبيع أو من غيره، فإن تعذر وضع الثمن عند أمين ترقبا لأية فرصة للشراء ([210]).

* - موازنة و ترجيح:

ومن هذا العرض يتبين أن الفقهاء في العموم على ثلاثة اتجاهات:
- الاتجاه الأول: يشترط في المشترى أن يكون من جنس المبيع، ويمثله المالكية والشافعية.
- الاتجاه الثاني: لا يشترط فيه ذلك، ويمثله الحنابلة.
- الاتجاه الثالث: يفرق بين الموقوف للسكنى والموقوف للاستغلال، فيشترط الجنس في بدل الأول دون الثاني، ويمثله الحنفية.
وان كان لنا من رأي فإن الاتجاه الأخير هو أوجه الاتجاهات، لأن المقصود من الوقف هو: منفعته، لا جنسه، بدليل أنه لا يجوز تغيير الوقف مع إمكان الانتفاع به، وهذا يصدق على الموقوف المراد منه الغلة.

أما إذا تعلق الأمر بدار يسكنها الموقوف عليهم، فمن غير شك أن اشتراط الجنس أولى؛ لأن طبيعة الموقوف في هذه الحالة تقتضيه، لأنه لا يعقل أن تباع الدار الموقوفة للسكنى ويشترى بثمنها أرض، لأن هذه لا تصلح للسكنى، بل تصلح لغير ذلك.

هل يشترط اتحاد البلد بين العين المبيعة والعين المشتراة؟ .

لم نقف على نص من النصوص الفقهية يوحي بأي شكل من الأشكال بضرورة اتحاد البلدة، أي أن يكون البدل في بلد الوقف الأول، إذ لا قائل به.
وصريح كلام كثير من الفقهاء، كهلال، والخصاف، وقاضيخان، وابن تيمية وغيرهم، يقضي بالجواز في أي بلد شاء من له سلطة الاستبدال، حيث كان أكثر غلة وأبعد عن احتمال الخراب وقلة الرغبة، فالأمر يدور مع المصلحة ([211]).

وهو مسلك وجيه، سيما وأنه ليس في تخصيص مكان العقار الأول مقصود شرعي ولا مصلحة لأهل الوقف، وما لم يأمر به الشرع ولا مصلحة فيه للإنسان فليس واجبأ ولا مستحبا، فعلم أن تعيين المكان الأول ليس بواجب ولا مستحب لمن يشتري بالعوض ما يقوم مقامه، وقد يكون كذلك إذا تعينت المصلحة فيه ([212]).


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.97 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.34 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.61%)]