عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 27-03-2019, 05:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,205
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قفي.. لنفكر قليلاً

قفي.. لنفكر قليلاً

سارة بنت عبدالمحسن بن عبدالله بن جلوي

المظهر الرابع: سوء الظن بالآخرين:

وذلك بحمل أقوالهم وأفعالهم على محمل سيء، بتضخيم السيئات، والنظر إليهم بمنظار الاتهام والإدانة، دون البحث عن الأسباب، أو التماس المعاذير، وتفسير كل قول أو فعل يحتمل وجهين: وجه خير، ووجه شر، بوجه الشر.
وقد اتسعت دائرة سوء الظن عند البعض حتى شملت العامة، والخاصة، الجهال والعلماء، والأحياء والأموات، ولم يسلم منها حتى كبار الأئمة، الذين اتهم عدد من كبارهم في دينه وعقيدته دون دليل، أو برهان.
وقد تناسى هؤلاء أنهم بهذا يخالفون ما قرره الشرع وأمر به.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}. [الحجرات: 12].
وقال صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث"[18].
ومن أسباب سوء الظن:
1) تزكية النفس، والمبالغة في حسن الظن بها، مع نهيه تعالى عن ذلك في قوله عز من قائل {فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}. [النجم: 32].
2) الغرور بالنفس والإعجاب بها، وازدراء الآخرين. فهو بهذا يتبع خطوات الشيطان الذي رفض السجود لآدم وعصى ربه كبراً وغروراً حين قال: {أنا خير منه}.
وقد عد العلماء الإعجاب بالنفس من "معاصي القلوب" والمهلكات الأخلاقية التي تعمل على هدم بنيان المجتمع.
المظهر الخامس: المسارعة إلى التكفير والتفسيق والاتهام بالعقيدة:
وهو مظهر في غاية الخطورة؛ لأنه يسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ويلغي حرمتهم، ويخرجهم من الملة دون حجة ساطعة، أو برهان واضح، وهو منزع الخوارج حين كفروا جميع المسلمين.
فنراهم يسارعون في تكفير أي مسلم ارتكب معصية، أو سكت عن حق، بل وقد يصل الأمر إلى تكفير كل من لم يقبل دعوتهم أو يدخل في جماعتهم، وهم يسرفون في ذلك إسرافاً شمل الأحياء والأموات على حد سواء، وقد نسي هؤلاء أو تناسوا أنه لا يجوز إسقاط اعتبار الآخرين ورميهم بالكفر أو الفسوق لإلمامهم بصغيرة، أو ما سوى ذلك مما لا يخرج عن الدين. وقد أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد قتل الرجل في المعركة بعد أن نطق بالشهادة، وعندما أعتذر أسامة بأن الرجل قالها تعوذاً من السيف. قال له صلى الله عليه وسلم "هلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا" قال أسامه: فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ. وفي حديث آخر "وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة"[19].
فإذا قصر مسلم أو عصى فإنما ظلمه يقع على نفسه وأمره إلى الله ولا يملك كائناً من كان أن يخرجه من ربقة الإسلام؛ لأنه دخل الإسلام بيقين فلا يخرج منه إلا بيقين مثله، واليقين لا يزول بالشك.
ودوافع ذلك:
1) قلة الفقه بأحكام الكتاب والسنة.
2) فساد الفكر، وفساد الضمير.
3) التعصب الشديد للذات. وذلك أن المكفر والمفسق يعتقد دائماً أنه على صواب، واعتقاده هذا يحمله على التكفير أو التفسيق.
4) الحرص على المنزلة الشعبية.
5) الحقد أو الغيرة على بعض الشخصيات المرموقة في بعض المجالات التي لا يستطيع المكفر أو المفسق الوصول إليها.
المظهر السادس: المبالغة في التحريم:
إذا كانت القاعدة الشرعية تقول: إن الأصل في الأشياء الإباحة، إلا ما ورد نص على تحريمه، فإن هؤلاء يرون: أن الأصل في الأشياء التحريم إلا ما ورد نص صريح على إباحته.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن مجال تحريمهم يكون دائماً في الأمور التي لا تحملهم مشقة ولا عسراً، فهم مثلاً: يعلمون أن عدم القيام بواجبات العمل، وإهمال شؤون الوظيفة حرام، والنصوص في ذلك كثيرة، وكل مسلم يعلمها، ولكنهم يغضون النظر عن هذا الحكم، ويقعون في هذا المحذور؛ لأن الالتزام بواجبات الوظيفة أمر يشق عليهم وكذلك الأمر بالنسبة لطلب العلم، ولغيره من شؤون الحياة. في حين أنهم يتصدون لأمور لا معنى لها ولا تأثير، ولا يفرقون بين ما فيه نص صحيح صريح، ومالم يكن كذلك، مما لم يرد فيه نص. أو قال العلماء بكراهته، أو كان من المستجدات التي لا قياس لها في الشرع.
وفي هذا مخالفة صريحة لأوامر الله، ونهيه، وقد حذر الله سبحانه وتعالى من ذلك فقال {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ}. [النحل: 116].
وقوله تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَات ِ مِنَ الرِّزْقِ}. [الأعراف: 32].
فمثل هذا المسلك فيه تطاول على الله بتحريم ما أحل، وكأنهم يكلمون على الله ناقصاً بل إنهم يقدمون على ما نهاهم الله عنه في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. [المائدة: 87]
لذا فإن السلف رضي الله عنهم، لم يكونوا يجزمون بتحريم أمر إلا ما علم تحريمه، وإنما كانوا يستعملون ألفاضاً مثل: نكره، أو لا نرى.
وما أوقعهم في هذا الأمر إلا:
1) ضحالة التفكير، وقلة الفقه، وقصور الإحاطة بعلوم الشريعة، وسوء الفهم لأحكام الآيات والأحاديث، ومعرفة ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ومطلقها ومقيدها، ومثبتها ومنفيها، وخاصها وعامها.
2) قلة العلم باللغة العربية، وما فيها من أحكام وأسرار بلاغية.
3) الرغبة في التضييق، والتشديد، وتوسيع دائرة الحرام باسم الورع والاحتياط.
الأثر الثاني: التعصب لشخص أو جماعة:
وهو من العلل التي تسللت إلى الحياة الإسلامية بعد العدول عن المقاييس الإسلامية الصحيحة التي أعطت لكل إنسان حقه ومكانه الذي يستحقه.
ويظهر ذلك واضحاً حين لا يكون الالتزام بمنهاج الإسلام ولا بفكره ولا بما شرعه الله، لكنه التزام بأشخاص محددين، أو تنظيمات خاصة، أو جماعات معينة تُعطى العصمة، وتوصف بالكمال، وتصبح هي مقياس الدين، فيكون الانقياد لها بلا تعقل أو تبصر أو روية. فالإسلام لا يكون أبداً حكراً على جماعة بعينها يعلن معه أنها جماعة المسلمين، وأن لها الحق ومن سواها على باطل.
فنرى كثيراً منهم يعيبون على المتصوفة اتخاذ الشيخ، وهم يمارسون ذلك دون أن يشعروا، فما الفرق بين تعصب المريد لشيخه؟ وتعصب هؤلاء لأئمتهم وروادهم وجماعاتهم، يحاربون أتباع المذاهب الأربعة ويحرمون ذلك، ثم نجد كلاً منهم يتعصب لجماعته ويلتزم مذهبها.
ويدل أن يتبع المسلمون مذاهب أربعة، أصبح لكل جماعة مذهبها، وعمقت فرقة المسلمون، وكثرت الشروخ في بنيان مجتمعهم، وزادت الهوة بينهم، فاستغلوا بمحاربة بعضهم البعض، وتخطيء بعضهم البعض، فشغلوا بأنفسهم عن أعدائهم.
ويرد تساؤل: هل الانتماء للإسلام أو للجماعات والأشخاص؟
وهل الالتزام بالأفكار، أو بالأشخاص؟
ونقول: إن الانتماء للإسلام الذي فيه الحق والقيم والمنهاج الفكري القويم، فينبغي أن يكون الولاء للإسلام والارتباط به، لأنه الباقي.
أما الأشخاص، فيصيبون ويخطئون، ويحيون ويموتون. فدين الله ليس حكراً على جماعة يتحدثون باسم الله فيشرعون ويكون قولهم المقياس[20].
والدافع للتعصب:
1) العمى العقلي، وسوء الرؤية والفهم للإسلام.
2) الرغبة في توظيف الإسلام للمصلحة الشخصية.
3) ضحالة الفكر والثقافة، وقصور العلم بأحكام الإسلام.
4) الحاجة إلى الانتماء وهي رغبة فطرية في الإنسان؛ لأنه مدني بالطبع، فإذا لم يكن عنده انتماء يشبع فيه هذه الرغبة من: عائلته، أو أصدقائه يبحث عن إشباع هذه الرغبة عن طريق أي انتماء آخر، ومن ثم تكثر الانتماءات فهناك الانتماء الصوفي والانتماء الحزبي، والانتماء الرياضي، والانتماء الأدبي.
ولعجز هؤلاء عن الانتماء لشيء من ذلك فإنهم يختارون الانتماء الأسهل، ومع الوقت يزول هدف الانتماء، كإشباع رغبة ليحل محله نوع من الغرور، يخيل إليه أنه استطاع أن يحقق لنفسه سيادة الدنيا، وسعادة الآخرة.
الأثر الثالث: ضيق الأفق وقصور النظرة:
ومن الآثار الواضحة للجمود الفكري هو التقوقع داخل شرنقة ضيقة مغلقة من الثقافة الضحلة، والنظرة الجزئية القاصرة، العاجزة عن الرؤية الشمولية، وعدم القدرة على التعامل مع معطيات الحضارة فتكون السلبية، ثم الانسحاب من الساحة بحجة الفرار بالدين، وغربة الإسلام.
وما هي بالواقع إلا مشكلة ثقافية، ومسار أعوج لا ينتهي إلى شيء، ومن صور هذه المشكلة:
1) رفض الحضارة بكل معطياتها بحجة مخالفتها للإسلام، ومع ذلك فهم في حياتهم اليومية يتقبلون معطيات هذه الحضارة كغيرهم من الناس.
2) رفض العلوم بمختلف فروعها، والاقتصار على دراسة العلوم الشرعية.
3) الانهزامية النفسية، والاستسلام لواقع الحال.
4) فقدان الاتزان نتيجة المغالطات الفكرية والعقدية، وسوء الفهم لتراث الأمة الإسلامية.
5) العجز عن وضع خطاب التكليف في مكانه المطلوب من حياتنا.
6) خلل البنية الفكرية، والعجز عن توظيف المعرفة والاستفادة من العلوم.
7) الانحراف عن الطريق الذي رسمه لنا الوحي.
8) التحجر على صور معينة، والتمسك بجزئيات دون محاولة البحث عن طبيعتها، ومعرفة مدى صلتها بالإسلام الصحيح.
وهذه الصور جميعها بعيدة كل البعد عن الفهم الإسلامي الصحيح، ولتصويب المسار، وتجديد الانتماء لهذا الدين، والاعتزاز بقيمه، والتزام أحكامه، والانضباط بشرعه، والاستفادة من تأريخه، فلا بد من العودة إلى فهم الإسلام فهماً صحيحاً، وأن نكون على مستوى إسلامنا فنفهم العصر وندرك طبيعة المتغيرات، ونعيد النظر في ضوء المستجدات. "واكتشاف المنابر المؤثرة، والمواقع الجديدة التي أخذت مكاناً في المجتمع الحديث، واعتلاء هذه المنابر العلمية والثقافية عن جدارة واختصاص وجعل الاختصاص في خدمة العقيدة، والقدرة على الإبصار، ودراسة شبكة العلاقات الاجتماعية، والاقتناع بأن التفوق العلمي، والتخصص النادر الذي يتحصن صاحبه بالدين القويم هو المطلوب لهذه الأم لحل معضلة انفصال العلم عن الدين التي عانى منها الجيل الماضي فلا مجال للسذج والبسطاء في عالم الأذكياء"[21].
فالمسلم مطالب اليوم بترجمة عقيدته إلى واقع، وتحقيق الرؤية القرآنية في حياته ونظرته للأمور، وحكمه على الأشياء وتعامله معها بكل شمولها وخصبها وتفسيرها للحياة وتحديدها لمسارها، وبيان القوانين والسنن المنظمة لها، وإعادة التلازم الغائب بين إخلاص النية، واتخاذ الأسباب[22]. والتخلص من التمحور حول النفس، والطواف حول الذات.

وهذا يستلزم إعادة صياغة الفرد المسلم، وإعادة تشكيل عقليته وذلك من خلال العودة إلى المنهاج الإسلامي الصحيح في التفكير.
خصائص المنهاج الإسلامي في التفكير:
لقد تميز المنهاج الإسلامي في التفكير على غيره من المناهج من خلال تلك الموازنة الرائعة بين الوحي ونتائجهن والعقل ومعطياته. والتي جعلها الإسلام اللبنة الأولى في بناء الفكر الإسلامي الصحيح.
فقد اهتم الإسلام بالعقل اهتماماً واضحاً وجعله مناط التكليف في الأمور العملية؛ ذلك أن العقل المدرب الموجه هو الذي يملك القدرة على بناء الحضارة بكل مستلزماتها المادية والعملية، والثقافية، والتصدي لمشكلات الحياة ومعوقاتها.
والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد أنها قد عولت على العقل، ونوهت به، وطالبت باستخدامه والعمل به، والرجوع إليه وتكرير الإشارات القرآنية الواضحة في هذا المجال، لا يدع موضعاً للشك في أهمية العقل ومكانته في الشريعة الإسلامية. ولم تقتصر الآيات القرآنية على جانب واحد، من جوانب العقل، أو وظيفة خاصة من وظائفه بل شملتها جميعاً.
فالقرآن قد خاطب العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، والعقل الرشيد.
فنجد مثلاً أن الآيات التي تتحدث عن عظمة الله، وقدرته ومخلوقات تنتهي دائماً بمثل قوله تعالى {لآيات لقوم يعقلون}، {لآيات لقوم يتفكرون} وقوله: {أفلا تعقلون} ومثلها الآيات التي تدعو إلى توحيد الله، أو تذكر بأحوال الأقوام السابقين وموقفهم من الرسالات السماوية ـ والحديث في هذه النقطة قد يطول مما لا يستوعبه المقام، ففي القول متسع، وفي المقام ضيق.
ويكفي العقل شرفاً أنه جُعل مناط التكليف ولكن ولأن العقل لا يستطيع المضي وحده، لتعدد الدروب، وتشعب المسالك فإن الإسلام لم يتركه يسير من غير توجيه، بل رسم له منهاجاً يتربى من خلاله على أصول التفكير السليم، ومن عناصر هذا المنهاج:
1) التوجه إلى النظر في ملكوت السموات والأرض؛ لأنه كلما ازداد معرفة بأسرار الكون، ازداد معرفة بخالقه. قال تعالى {إنما يخشى الله من عبادة العلماء}. [فاطر: 28]
2) التوجيه إلى إدراك الحكمة من خلق المخلوقات ليعرف الإنسان مكانته عند الله، والآيات في هذا المجال كثيرة.
3) التوجيه إلى معرفة الله من خلال بيان الأدلة الفطرية، والعقلية.
4) بيان حدود التفكير الإنساني، وإن للعقل حدوداً يجب عليه عدم تجاوزها؛ لأن هذا التجاوز فوق طاقته وفوق إداركه، وخارج حدود حواسه، كالتفكير في ذات الله مثلاً، فالعقل مهما أوتي من قدرة وقوة لن يستطيع أن يصل فيها إلى شيء غير ما أتاحه الله له، ومن تجاوز ذلك فإنه سيهوي إلى عالم الاضطراب والهلاك؛ لأن هذه المنطقة هي منطقة الوحي لا العقل.
5) توجيه العقل إلى الربط بين الأسباب والمسببات، والمقدمات والنتائج، والعلة والمعلول، وفي الوقت ذاته يبين له أن الله سبحانه وتعالى يقدر على تجاوز ذلك كله ويفصل بينه بما شاء وكيف شاء.
6) تعويد العقل على الموازنة بين الأمور، فلا يجنح باتجاه دون الآخر إلا إذا كان لديه الدليل أو البينة. قال تعالى {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}. [الإسراء:36].
7) تربية العقل على النظرة الشمولية تجاه الحضارات، ورفض صيغ التجزئة وإقامة الحواجز بين مساحات التجربة الإنسانية، قال تعالى {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ، هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ }. [آل عمران: 137 ـ 138].
8) تعويد العقل على العمل الجاد، والبحث المستقصى، والإبداع الخلاق، لتحقيق دور الإنسان في استخلافه على الأرض، وإعمارها مادياً، ومعنوياً بإتباع منهاج الله، وتطبيق شرعه، من خلال التوفيق بين مسألة الإيمان، ومسألة الإبداع، بين التلقي عن الله والمضي قدماً في مسالك الطبيعة، وبين تحقيق مستوى روحي رفيع للإنسان؛ ليعيش الإنسان في مناخ حضاري متوازن[23].
9) حرية الرأي:
ربى الإسلام العقل على حرية التفكير، وبيّن له أن الحضارات لا تقوم إلا على هذا الأساس؛ ذلك أن الفكر الحر يفتح أبواب المعرفة، فتزدهر الحضارة، وتتقدم الأمم. فالفكر الحر ثمرة العقل وهو من أعظم نِعم الله التي من بها على خلقه، ولم يغفل الإسلام عن بيان الحدود التي يجب على الفكر الحر أن يقف عندها، وإلا تحول إلى قوة دمار وخراب.
وبين له أن الفكر والرأي هما حوار بين (لا) و(نعم).
فالرفض المطلق لا يعد فكراً، لكنه عناد، والقبول المطلق ليس فكراً بل سلبية[24].
إنه الحوار المنطقي الهادي، الذي يعطي لكل طرف فرصته، ليقدم دليله وحجته، ثم يرجح في النهاية الدليل الأقوى، والبرهان الأسطع.
لذا، فقد وضع الإسلام للحوار المناقشة آداباً يجب مراعاتها، وقدم لنا القرآن الكريم العديد من الأمثلة على ما يجب أن يكون عليه الحوار حتى وإن كان حواراً بين الحق والباطل.
أدب الحوار في الإسلام:
أ) المجادلة بالتي هي أحسن، قال تعالى {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}. [العنكبوت: 46].
ب) الكلمة الطيبة اللينة، قال تعالى {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَولاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}. [طه: 43ـ44].
ج) القول بالحق الذي لا اختلاف فيه، قال تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}. [آل عمران: 64].
د) تقديم الحجة والبرهان، والمطالبة بهما، قال تعالى {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. [البقرة: 111].
وكان الفقه الإسلامي برجاله العظماء ثمرة لحرية الفكر وإعمال العقل في ضوء الوحي.
موقف السلف:
حين التزم سلفنا بالمنهاج القرآني في التفكير، وما يستتبعه من أدب الحوار والمناقشة قدموا للعالم أغنى تراث، وبنوا أعظم حضارة، فالشخصية الإسلامية التي تربت على هذا المنهاج استطاعت أن تتفاعل مع الحضارات وتستوعب الفكر البشري، وتأخذ منه جانبه المشرق لتقدم للعالم حضارة علمية مؤمنة بناءة، ومن ثم تميزت تلك "الشخصية الإسلامية في ماضيها بتفتحها على العالم، وتوجهها إلى الثقافات الإنسانية ومعارفها، وبوعيها المتجدد بحركة التأريخ، وبمواكبة التطور البشري، مما جعلها قادرة على أن تضيف الكثير إلى الإنسانية والحضارة"[25].
وهكذا يتبين لنا أن الإسلام الذي فهمه سلفنا الصالح وصنع خير أمة أخرجت للناس هو فهم يختلف عن الفهم الذي عليه المسلمون بواقعهم المعاصر، ومن ثم فلا بد من العودة إلى الفهم الصحيح للإسلام، والإدراك الواعي لمقاصده وأحكامه، ولا بد أن تكون العودة بإعادة النظر والمراجعة في ضوء المستجدات والواقع الذي نعيشه، من خلال إعادة صيانة العقل المسلم والشخصية المسلمة وفق المنهاج الإسلامي الصحيح الذي يصنع العقل، ويعصم الضمير، ويدرك الحقائق، ويميز بين الأمور، ويوازن بين الأضداد، ويتبصر، ويتدبر ويحسن الإدراك والرواية، ويرفض الجمود والعنت والضلال.


[1] ) عماد الدين خليل (د) حول إعادة تشكيل العقل المسلم/35
[2]) أهم مقومات الحضارة الإسلامية:
أ-الوحي الإلهي الذي تؤسس عليه الحضارة الإسلامية.
ب-احترام العقل وتحريضه على النظر والاستدلال والاجتهاد، والحوار، ونبذ التقليد الأعمى.

ج-التشريع الإلهي الحكيم العادل.
د-الأخلاق السامية القائمة على العقيدة الإيمانية.
هـ-الدعوة إلى الدين الحق، ونشر قيمه بين الخلق.
و-الجهاد لتحرير الشعوب من ظلمات الوثنية لنور التوحيد.
ز-حراسة القيم الإيمانية بالسلطان والحسبة.
ح-منهاج الإسلام في التوازن بين مطالب الروح والعقل والجسد، والدنيا والآخرة، وتحريم الرهبنة، والانفلات مع الشهوات، وضبط العقل بقيم العقيدة.
[3]) يقابل الجمود الفكري، والتحجر العقلي سبب آخر هو..
الهوى... فالهوى ممن يعملون يفسد الحياة، لأنه يضيع الحق وأهله {ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن}.[المؤمنون:71] ففيه اتباع للشهوات وتحلل من القيم الإيمانية،فهوى الحكام المنحرفين الظالمين يعطل الوحي، وهوى العلماء المنافقين الدجالين تضييع الأمانة وقعود عن الواجب، وهوى أولي العلم الذين حرفوا الحقائق الإيمانة إرضاءً للملأ الحاكم فخانوا أمانة الكلمة. وهوى الناس الذين تخلوا عن التماسك الأخلاقي في السلوك الشخصي والعام، والقعود عن الجهاد في سبيل الدين إيثارا للدنيا على الآخرة "وما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا".
والخلاصة: البعد عن الله سبب الهزيمة الداخلية والخارجية. {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل:112]، {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا،وَكَ مْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا} [الإسراء:17،16].
[4]) عمر عبيد حسنة، نظرات في مسيرة العمل الإسلامي: 137-138(بتصرف).
[5]) أحمد بن حنبل، المسند، م1/215،347. - النسائي، السنن، كتاب مناسك الحج، باب (التقاط الحصى)217. - ابن ماجه، السنن، كتاب المناسك، باب (قدر حصى الرمي)،63وفيه زيادة: (يا أيها الناس).
[6]) صحيح مسلم، م8،ج16،كتاب العلم، باب(النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه) 220.
[7]) للتوسع في هذه النقطة راجع: يوسف القرضاوي (د)، الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف.
[8]) فتح الباري شرح صحيح البخاري، م7، كتاب المغازي 64، باب مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب 30/4119،407،408.
[9]) فتح الباري، م8 كتاب المغازي 64، اب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن، 60/4341،-4342/60.
[10]) المرجع السابق، م1،كتاب العلم3،باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعضة 11/68/163.
[11]) مسند أحمد، م2/108.
[12]) فتح الباري، م1، كتاب العلم3،باب الغضب في الموعظة 28/90/186.
[13]) فتح الباري،م13، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة 96،باب (الاقتداء بسنن الرسول) 2/7288/251.
[14]) البخاري، م(10) كتاب الأدب35/449، م(11) كتاب الاستئذان 22/41، ابن ماجه، م2/باب الرفق، 9/1216.
[15]) مسند أحمد، 6/58، 112، 171، 206، 222،. مسلم، باب فضل الرفق، ج16/146.
[16]) مسلم، ج16، باب فضل الرفق، 145. ابن ماجه، م2، باب الرفق 9/1216.
[17]) ابن ماجه، م2، باب الرفق 9/1216.
[18]) البخاري، م5، كتاب الوصايا، 8/357، م9 كتاب النكاح، 45/1981، م10 كتاب الأدب 57/58، 481/484، م12، كتاب الفرائض 2/4.

[19]) صحيح مسلم، م1، ج2، باب تحريم قتل الكافر بعد قوله لا إله إلا الله، 99-100.

[20]) للتوسع انظر: عمر عبيد حسنة، نظرات في مسيرة العمل الإسلامي.
[21]) عمر عبيد حسنة، مرجع سابق، 88-89.
[22]) المرجع نفسه، 93-95-،146.
[23]) للتوسع انظر: د.عماد الدين خليل، حول إعادة تشكيل العقل المسلم.
[24]) للتوسع انظر: د.عبد العال سالم مكرم، الفكر الإسلامي بين العقل والوحي.
[25]) د. عباس محجوب، مشكلات الشباب والحلول المطروحة، والحل الإسلامي، 37-38.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.29 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]