عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 21-03-2019, 05:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,313
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الإدماج في القران الكريم "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"

الإدماج في القران الكريم


"قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"




د. المثني عبد الفتاح محمود محمود[·]




سادسا: ظهور الإدماج مع بعده عند التحقيق:

ويظهر الإدماج في بعض المواطن، لكنه بعيد عند التحقيق، فمن ذلك ما جاء في تفسير وقوله تعالى: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ)(ي ونس:106)، يقول ابن عاشور: "و(مِنْ دُونِ اللَّهِ) اعتراض بين فعل (تَدْعُ) ومفعوله، وهو إدماج للحث على دعائه الله" ([102]).
قلت: لا يظهر معنى الحث على الدعاء في هذا القيد، بل الحث مفهوم من تضاعيف المعاني المستنبطة من قوله تعالى: (لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ)، فلما كان المدعو من دون الله صفته عدم النفع وعدم الضر، كانت دعوة النافع الضار هي الأليق، اما الجملة الاعتراضية التي هي قيد ضروري في الآية: فلها فائدتان، اولا: قصر الدعاء على الله جل في علاه وتخصيصه به " ثانيا: لتشمل عموم المدعوين من دونه، فلو قال: ولا تدع ما لا ينفعك ولا يضرك، لفهم النهي عن دعاء ما لا ينفع ولا يضر فحسب، فلما قال: (مِنْ دُونِ اللَّهِ) شمل جميع المدعوين سواه، ليتحقق الشمول المنافي للاستثناء، يقول السعدي: " وهذا وصف لكل مخلوق، انه لا ينفع ولا يضر، وانما النافع الضار، هو الله تعالى"([103]).
ولا يظهر معنى الإدماج على هذا التوجيه، اما على توجيه ابن عاشور: فله وجاهته، وان كان بعيدا؛ لأن الغرض واحد والمعنى واحد، فهو نهي عن دعاء غير الله تعالى؛ لأن الدعاء من خصائص التوحيد التي لا تصح إلا له سبحانه وتعالى، فأين المعنى الذي سيق إدماجا على هذا المعنى؟!
وكذلك قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُ مْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُ مْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) (مريم:68)، يقول ابن عاشور: "والقسم بالرب مضافا إلى ضمير المخاطب وهو النبي صلى الله عليه وسلم إدماج لتشريف قدره"([104]).
قلت: وهذا تحميل للإدماج فوق المراد، واضافة القسم بالرب إلى الضمير المخاطب به عليه الصلاة والسلام لا يوجد فيه معنى مضمن، بقدر ما فيه تشريف للنبي صلى الله عليه وسلم، ورفع لمكانته التي لم يعلم قدرها قومه، والا لجعلنا كل خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم إدماجا من هذا الباب، بل هذا الخطاب جاء متابعا لما تقدم من خطابه عليه الصلاة والسلام، فقال تعالى: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)(مريم: 64-65)، واذا كان للإدماج شبهة هاهنا اذهبتها ضمائر الخطاب المتقدمة.
وكذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ)(الأ نبياء: 31-32)، يقول ابن عاشور: "لما ذكر الاعتبار بخلق الأرض وما فيها، ناسب بحكم الطباق ذكر خلق السماء عقبه، إلا ان حالة خلق الأرض فيها منافع للناس، فعقب ذكرها بالامتنان بقوله تعالى: (أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ)، وبقوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ)، واما حال خلق السماء فلا تظهر فيه منفعة فلم يذكر بعده امتنان، ولكنه ذكر إعراضهم عن التدبر في آيات خلق السماء الدالة على الحكمة البالغة ([105])، فعقب بقوله تعالى: (وَهُمْ عَنْ آَيَاتِه مُعْرِضُونَ)، فأدمج في خلال ذلك منة وهى حفظ السماء من ان تقع بعض الأجرام الكائنة فيها او بعض اجزائها على الأرض، فتهلك الناس او تفسد الأرض فتعطل منافعها، فذلك إدماج للمنة في خلال الغرض المقصود الذي لا مندوحة عن العبرة به"([106]).
قلت: ومعنى الإدماج على هذا التوجيه غير ظاهر، والظاهر انه ادمج قوله تعالى: (وَهُمْ عَنْ آَيَاتِه مُعْرِضُونَ)، وذلك ان السياق في تعداد النعم على الخلق لبيان منته ورحمته تعالى بخلقه، ومن تلك المنن منة جعل السماء سقفا محفوظا منه تعالى، حافظا لما تحته، ويكون السياق على وتيرة واحدة في ذكر المنن وهي سنة القران المعهودة، وقوله تعالى: (وَهُمْ عَنْ آَيَاتِه مُعْرِضُونَ)، يأتي إدماجا لبيان غفلتهم عن تدبر نعمه ومننه، فغرض الإدماج بيان الغفلة في سياق المنة، لا بيان المنة في سياق المنة، وبه يتضح مفهوم الإدماج ومقصوده.



سابعا: توجيه الإدماج إلى معنى وهناك ما هو أصح منه:

ونجده يوجه الإدماج إلى معنى وهناك ما هو اصح منه، ومثاله قوله تعالى: (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ)(ال زمر:9)، يقول ابن عاشور: "وعدل عن ان يقول: هل يستوي هذا وذاك؟ إلى التعبير بالموصول؛ إدماجا للثناء على فريق، ولذم فريق، بأن اهل الإيمان اهل علم، واهل الشرك اهل جهالة؛ فأغنت الجملة بما فيها من إدماج عن ذكر جملتين، فالذين يعلمون هم اهل الإيمان، قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر:28)، والذين لا يعلمون هم اهل الشرك الجاهلون قال تعالى: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)(ا لزمر:64)، وفي ذلك إشارة إلى ان الإيمان اخو العلم؛ لأن كليهما نور ومعرفة حق، وان الكفر اخو الضلال؛ لأنه والضلال ظلمة واوهام باطلة"([107]).
وما ذهب إليه ابن عاشور رحمه الله من كون الآية جاءت على اسلوب الإدماج صحيح، لكننا نستطيع ان نسجل توجيها اخر لغرض الإدماج، فهو يرى انه للثناء على فريق وذم للأخر، والآية جاءت في سياق مدح المؤمنين الذين يعلمون، وذم الكافرين الذين لا يعلمون، فإذا كان هذا هو غرض الإدماج فهو يتفق مع سياق الآية، وعليه فلا حاجة للقول به؛ لأن الإدماج هو تضمين الكلام الذي سيق لمعنى معنى اخر، وعليه فالصحيح ان غرض الإدماج في الآية: بيان اثر العلم في سلوك المؤمن، والجهل في غير المؤمن، فعلة القنوت ورجاء رحمة الله تعالى: علم المؤمنين، كما ان الضلال والعصيان: علة الجهل، هذا هو غرض الإدماج، وهو المعنى الذي تضمنه السياق بالإضافة إلى المعنى الذي سيق له الكلام اصالة.
ثامنا: حمل الآية على الإدماج مع انعدام الدليل:

وأحيانا يحمل معاني بعض الآيات على الإدماج وهي ليست منه؛ لانعدام الدليل على ذلك، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ)(ال زمر: 21)، يقول ابن عاشور: "اما قوله تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواء الناس فيها من نافع وضار" ([108]).
اقول: جعل قوله تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا) إدماجا إدماج لا يظهر، فمجيء هذه الجملة ضمن هذا المثال للتذكير بحال الإنسان الفاني في هذه الحياة، فإما ان تكون الآية براسها من باب الإدماج -وهو بعيد -؛ لأن الأمثال تأتي لبيان معاني السياق، واما ان لا تكون إدماجا، وهو الصحيح؛ لأن هذه الجملة جاءت ضمن معاني سياقها، ولم تضمن معنى جديدا، نعم هي حملت معنى لكنه ضمن السياق الطبيعي للمعاني الواردة، والإدماج هو تضمين الكلام الذي سيق له الكلام معنى اخر، وهو غير متحقق في هذا المثال.


الخاتمة


نخلص من هذا البحث بمجموعة من النتائج التي نستطيع تسجيلها بنقاط مختصرة موجزة، وهي على النحو الاتي:

اولا: عرفنا الإدماج بأنه: "تضمين المعاني القرآنية التي سيقت لمقصد معنى رديفا يحقق مقصودا اخر، يتلاءم مع المعاني الأصيلة بحيث يصبح من جنسها".

ثانيا: كانت تطبيقات المفسرين لهذا الأسلوب البلاغي نادرة هشة، وما كتب تنظيرا في كتب البلاغة والنقد لا يغطي المطلوب النظري، فضلا عن المطلوب التطبيقي.

ثالثا: للإدماج مجموعة من الأغراض، تتحقق من خلال فهم المفسر لأبعاد النص القرآني، مع استحضاره للمعاني المسوقة اصالة، والمعاني المسوقة لتحقيق أغراض تخدم الأصل.

رابعا: تفوق ابن عاشور على بقية المفسرين في هذا الجانب من البلاغة، حيث كان رحمه الله تعالى سباقا في هذا المضمار، فأتى بما لم يسبق إليه.

خامسا: هناك بعض الملاحظات النقدية التي سجلتها على ابن عاشور في هذا الباب، وهي من قبيل الآراء التي يصح الاختلاف فيها، وانما اطرح قناعتي بين يدي الباحثين، ولكل وجهة هو موليها تجاه قناعاته الخاصة، ما دامت منضبطة بأصول العلم، ولا تخرج عن ادوات الفهم.

سادسا: اوصي بأن تكتب دراسة أكاديمية تطور طرح هذا الأسلوب البلاغي في كتاب الله تعالى، بحيث يفردها باحث بدراسة متكاملة، تغطي موضوع الإدماج من جميع جوانبه المختلفة، ولتأخذ الجانب النظري، والجانب التطبيقي، نرى فيها رايا جديدا متكاملا، ونظرة فاحصة مدققة تحقق المطلوب، وتزيل الغبار عن الخبيء المدفون.

سابعا: الدراسات البلاغية الأسلوبية في كتاب الله تعالى تحتاج إلى خدمة حقيقية من الباحثين الجادين المجددين، فهي ما زالت طرية خضرة، تنتظر ايدي القاطفين، لا افواه الاكلين، وعيون المبصرين المستكشفين، لا اذان السامعين المتلقين، وفي ذلك رد على كل زاعم يزعم ان علم البلاغة القرآني قد احترق او شارف على الاحتراق.

ثامنا: كان لي مع الإدماج وقفات وجدت فيها أثر فضل الله تبارك وتعالى على نفسي الضعيفة، فحمدته على ما رزقني من واسع علمه، ومن عظيم فضله، فله الحمد في الأولى والاخرة، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه انيب، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.48 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]