عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-03-2019, 05:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 168,986
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الإدماج في القران الكريم "قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"

الإدماج في القران الكريم


"قراءة تحليلية بيانية نقدية في تفسير التحرير والتنوير"




د. المثني عبد الفتاح محمود محمود[·]




المطلب الثالث: التذكير بغرض الترهيب:

من تلك الأغراض التي يحتضنها اسلوب الإدماج، التذكير بغرض ترهيب المخاطب، إما بقصد الارتداع كما جاء عند قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) (آل عمران:56)، يقول ابن عاشور: "وانما يكون ذلك في الاخرة، فذكر عذاب الدنيا هنا إدماج... واعلم ان قوله: (فَأُعَذِّبُهُم� � عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين "فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام احوال الدنيا، من شدة وضعف وعدم استمرار، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه " انتفاء الناصرين في المدة التي قدرها الله لتعذيبهم في الدنيا، وهذا متفاوت، وقد وجد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي، وقضية فلسطين في هذا العصر.
واما عذاب الاخرة فهو مطلق هنا، ومقيد في آيات كثيرة بالتأبيد، كما قال: (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) (البقرة: 167)" ([56]).
وقد ذهب المفسرون إلى ان المقصود بالعذاب الدنيوي القتل والسبي ([57])، ولم يصرح ابن عاشور رحمه الله بغرض الإدماج في الآية، وفي ظني ان الغرض يكمن في قلة إيمان اولئك القوم بالغيب، فأراد ان يجعل لهم عذاب الدنيا نقدا، وعذاب الاخرة نسيئة، همزا لمتن تغافلهم وجسد تناسيهم " لعلهم يرتدعون عن غيهم وكفرهم؛ لأن النفس إن علمت نزول العذاب بها في الاجل، سارعت إلى تجنب اسبابه، فكان ذكر عذاب الدنيا لأجل المسارعة في الارتداع.
واما بقصد الوعظ والتنبيه على علة نزول العذاب، فعند قوله تعالى: (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (آل عمران: 117)
يقول ابن عاشور: "وقوله: (ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) إدماج في خلال التمثيل، يكسب التمثيل تفظيعا وتشويها، وليس جزءا من الهيئة المشبه بها... والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدة، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة" ([58]).
يقول الزمخشري: "فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم؛ لأن الإهلاك عن سخط اشد وابلغ" ([59])، وقد تابعه البيضاوي ([60]) وابو السعود ([61]) والخطيب الشربيني ([62]) والالوسي ([63])،
فهذا الوصف من باب الإدماج " لأن المقصود بالوصف هاهنا ليس بيان علة الإهلاك فحسب، بل زيادة على ذلك وهو جعل علة الإهلاك تذكيرا لما يؤول إليه الظالمون، فيحصل الاعتبار والاتعاظ حينئذ عند السامعين.

وبذلك يحصل قصد الإدماج وهو التذكير إما بقصد الارتداع واما بقصد الوعظ والتنبيه، وهذا يدل على ان اغراض الإدماج عنيت بالمعنى وابعاده الوعظية.

المطلب الرابع: استقصاء المعاني:

يرى ابن عاشور ان من اغراض الإدماج: استقصاء المعاني المتعلقة بمعنى معين، والاستقصاء إما أن يكون لغرض الرد على مزاعم باطة كما جاء في تفسير قوله تعالى: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُم ْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)(النساء : 172)، يقول ابن عاشور: "وعطف الملائكة على المسيح- مع انه لم يتقدم ذكر لمزاعم المشركين بأن الملائكة بنات الله حتى يتعرض لرد ذلك - إدماج لقصد استقصاء كل من ادعيت له بنوة الله؛ ليشمله الخبر بنفي استنكافه عن ان يكون عبدا لله، إذ قد تقدم قبله قوله: (سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ) (النساء: 171)، وقد قالت العرب: إن الملائكة بنات الله من نساء الجن، ولأنه قد تقدم ايضا قوله: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)(النسا ء: 171) ومن افضل ما في السماوات الملائكة، فذكروا هنا للدلالة على اعترافهم بالعبودية" ([64]).
فالرد على النصارى بنفي استنكاف المسيح ان يكون عبدا لله تعالى، وعلى العرب بنفي استنكاف الملائكة ان يكونوا عبيدا لله تعالى، فغرض الإدماج استقصاء الرد على من أشرك في جانب البنوة، وهذا النظر من ابن عاشور لعله من ادق ما يتوجه لهذه الآية، وذهب ابن عطية إلى ان هذا "زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، اي: ولا هؤلاء الذين هم في اعلى درجات المخلوقين لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم؟"([65])، وهو مبني على اعتقاد ان الملائكة أفضل من الأنبياء، وما قاله ابن عاشور ادق مسلكا" لأنه المقصود بالإدماج، وامر المفاضلة معنى زائد مبني على خلاف بين الفرق الكلامية، لم تقصده الآية بعينه لا من قريب ولا من بعيد.
واما أن يكون الاستقصاء لغرض التحذير كما جاء في تفسير قوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (الأنعام:158).
قال ابن عاشور: "فصفة: (لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) تحذير للمشركين من التريث عن الإيمان خشية ان يبغتهم يوم ظهور الآيات، وهم المقصود من السياق، وصفة (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) إدماج في اثناء المقصود لتحذير المؤمنين من الإعراض عن الأعمال الصالحة"([66])، فمقصود الآية السياقي تحذير الكافرين وتهديدهم، وجاءت هذه الجملة: (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) إدماجا مناسبا في سياق تهديد الكافرين، وفائدة هذا الإدماج تنبيه عصاة المؤمنين بأنهم ليسوا بمأمن عن العقوبة، فليحذروا وليسارعوا في التوبة وعمل الصالحات، وهو استقصاء لجميع اصناف الغافلين عن ذلك اليوم العظيم.
يقول ابن عطية: "يريد جميع اعمال البر فرضها ونفلها، وهذا الفصل هو للعصاة المؤمنين كما قوله: (لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) هو للكفار، والآية المشار إليها تقطع توبة الصنفين"([67])، ويقول ابن كثير: "اي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك، وقوله تعالى: (قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) تهديد شديد للكافرين ووعيد كيد لمن سوف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك"([68]).
المطلب الخامس: غرض التعليم أثناء الاستدلال:

ومن تلك الأغراض المبثوثة في التحرير والتنوير: غرض التعليم اثناء الاستدلال، وهو ان يذكر السياق فائدة اثناء الاستدلال على امر ما، ويكون ذلك لأغراض فرعية، فمنها:
التنويه بعصمة الوحي كما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ)(الحجر:17) ، يقول ابن عاشور: "إدماج للتعليم في اثناء الاستدلال، وفيه التنويه بعصمة الوحي من ان يتطرقه الزيادة والنقص، بأن العوالم التي يصدر منها الوحي وينتقل فيها محفوظة من العناصر الخبيثة"([69]).
فقد سيقت الآية في ثنايا الاستدلال على قدرة الله تعالى على خلق النظام الكوني، وهذه الآية ناطقة بقدرة الله على حفظ النظام الشرعي، فإيرادها في سياق الآيات المتحدثة عن القدرة للاستدلال على البعث والمعاد، إدماج قصد به تعليم المخاطبين بأن الله سبحانه قد حفظ وحيه من اي زيادة او نقصان، وفائدة الإدماج تكمن في ان هذا الوحي معصوم من الله تعالى، فإذا كان النظام الكوني قد خلقه الباري عن غير مثال سابق، ولم تتطرق له يد بشر، فإن الوحي هو النظام الشرعي الذي لم تتطرق له يد بشر ولا جان، وفي اختيار إدماج هذه الآية في هذا السياق من البلاغة والفخامة ما لا يخفى على ذي نظر، كيف لا وقد تقدم قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)؟
ومنها: بيان عظيم قدرة الله تعالى، فعند قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُ مْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِين وَلَنُسْكِنَنَّ كُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) (إبراهيم:13-14)، قال ابن عاشور: "وقد جيء في الاستدلال على عظيم القدرة بالحكم الأعم إدماجا للتعليم بالوعيد، اظهارا لعظيم القدرة"([70]).
ومنها: إثبات البعث، فعند قوله تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (يس:38)، قال: "واعلم ان قوله: (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) إدماج للتعليم في التذكير، وليس من اية الشمس للناس" لأن الناس لا يشعرون به" ([71])، اي: ان ذكر (لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) جاء تعليماً للناس بأنها تجري ليوم تستقر فيه وتتوقف، وهو مما يجهله الناس وقتئذ، وفيه إثبات البعث ضمنيا.
المطلب السادس: تمثيل حالة بحالة:

ومن اغراض الإدماج: تمثيل حالة بحالة؛ لبيان معنى وتوضيحه، فعند قوله تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (النحل:71)، يقول ابن عاشور: "وفرع على هذه الجملة تفريع بالفاء على وجه الإدماج قوله تعالى: (فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ)، وهو ادماج جاء على وجه التمثيل لتبيان ضلال اهل الشرك حين سووا بعض المخلوقات بالخالق، فأشركوها في الإلهية فسادا في تفكيرهم، وذلك مثل ما كانوا يقولون في تلبية الحج "لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك"([72])، فمثل بطلان عقيدة الإشراك بالله بعض مخلوقاته بحالة اهل النعمة المرزوقين؛ لأنهم لا يرضون ان يشركوا عبيدهم معهم في فضل رزقهم، فكيف يسوون بالله عبيده في صفته العظمى وهي الإلهية؟!" ([73]).
فغرض الإدماج تمثيل حالة من اشرك مع الله خلقه، بحالة اهل الرزق مع العبيد حين رفضوا تشريكهم بأموالهم، وفيه بيان بشاعة قبولهم الشركاء مع الله تعالى في حين رفضوا تسوية عبيدهم بهم في الأموال، وللإدماج في هذه الآية موقع لطيف، وذلك بمباغتته المخاطبين من حيث لم يتوقعوا مثل هذا البيان، وهذه سنة القران في الاستدلال على اهل الشرك، وهي جميعها كاشفة مدى تفاهة عقولهم، وضعف افئدتهم، وهو كذلك مقدمة بين يدي الآيات الاتية المتحدثة عن شرك الكافرين الاتية، ومنها: قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) (النحل:73).
المطلب السابع: الامتنان أثناء الاستدلال:

غرض الإدماج اثناء الاستدلال ذكر المنة ليستجيب الناس للأمر الإلهي، فمن شأن المخاطب المنكر: ان يعيد الكرة مرارا إذا استحضر نعم الخالق عليه؛ ولذلك وجدنا ان غالب هذا الغرض قد كثر في السور المكية، وهو يزيد الأمر بيانا ان الإدماج له غرضه الموضوعي الذي يثري السياق القرآني، بما يكون خدمة للمعنى الأصلي.
فمن ذلك: ما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (النحل: 5-6)، حيث قال: "والمقصود من الاستدلال هو قوله تعالى: (وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا) وما بعده إدماج للامتنان"([74])، فذكر الدفء والمنافع من اكل ورؤية، ادمج ذكره في المقصود الأساس، وهو: خلق الأنعام الذي جاء في سياق الاستدلال على الخالق، فهذه النعم ذكرت امتنانا على المخاطبين، بأن ما بهم من نعمة فهي من الله عز وجل؛ لأن ذلك ادعى للاستجابة والامتثال، ومثل ذلك قوله تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)(الحج: 5)، حيث قال ابن عاشور: "والبهيج: الحسن المنظر السار للناظر، وقد سيق هذا الوصف إدماجا للامتنان في اثناء الاستدلال، امتنانا بجمال صورة الأرض المنبتة؛ لأن كونه بهيجا لا دخل له في الاستدلال، فهو امتنان محض"([75]).
والملاحظ: ان ابن عاشور يفرق ما بين ما جاء استدلالا وما جاء ضمن الاستدلال، فتركز نظره حول الاستدلال وما يحتاجه من معان، وما يرتبط بذلك من معان لا تدخل في حيز الاستدلال بقدر ما هي داخلة في حيز الامتنان، الذي هو في حقيقته وجوهره معينا ومقويا في الاستدلال، وهذه المنهجية في التعامل مع النص القرآني من الدقة بمكان، ما تحتاج إلى إعادة طرق ابواب الفكر والتأمل في فهم نصوص الكتاب، على هذا المنهج الذي يجمع بين دقة المقصد السياقي، وبين توابعه ولوازمه من المعاني التي اصبحت جزءا لا يتجزأ منه.
وقوله تعالى: (وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ) (يس:33) داخل -كذلك -فيما نحن فيه، فهو امتنان يجسده الاستدلال، "واخراج الحب من الأرض هو إخراجه من نباتها، فهو جاء منها بواسطة، وهذا إدماج للامتنان في ضمن الاستدلال؛ ولذلك فرع عليه (فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ)"([76])، وهذا التفريع غاية الامتنان ومقصده.
وسبب إخراج النبات من الأرض نزول الماء، كما في قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) (الذاريات: 22)، يقول ابن عاشور: "ولما في السماء من اية المطر الذي به تنبت الأرض بعد الجفاف، فالمعنى: وفي السماء اية المطر، فعدل عن ذكر المطر إلى الرزق؛ إدماجا للامتنان في الاستدلال، فإن الدليل في كونه مطرا يحيي الأرض بعد موتها، وهذا قياس تمثيل للنبات، اي: في السماء المطر الذي ترزقون بسببه"([77]).
هذا في امتنان الله على خلقه في نعمة الرزق، وكذلك الأمر في نعمه تعالى فيما يخص الكون من مثل قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ) (القصص: 71)، فالامتنان في الآية بكون الضياء الذي جعله الله تعالى لعباده في الأرض من اعظم النعم التي تدل على إلهيته، وهو امتنان على الناس إن هم تدبروا القول، يقول ابن عاشور: "وعبر بالضياء دون النهار" لأن ظلمة الليل قد تخف قليلا بنور القمر، فكان ذكر الضياء إيماء إلى ذلك، وفي تعدية فعل (يَأْتِيكُمْ) في الموضعين إلى ضمير المخاطبين، إيماء إلى ان إيجاد الضياء وايجاد الليل نعمة على الناس، وهذا إدماج للامتنان في اثناء الاستدلال على الانفراد بالإلهية" ([78]).
وكذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) (الملك:5)، فالاستدلال بهذه النجوم على قدرته تعالى شيء، وادماج منته بأن جعلها زينة للعباد شيء اخر، فذكر التزيين هو المنة في سياق الاستدلال، يقول ابن عاشور: " وذكر التزيين إدماج للامتنان في اثناء الاستدلال، اي: زيناها لكم" ([79]).
فالسياقات في هذا الجانب ثلاثة انواع، وهي: سياق الاستدلال، وسياق الامتنان، وسياق الامتنان اثناء الاستدلال، ويبين الفرق بين هذا النوع وبين النوعين الاخرين من خلال اسلوب الإدماج، فهو الذي يبرز هذا النوع من السياق، حيث ضم إلى الاستدلال الذهني، الامتنان العاطفي، والنوعان الاخران من السياق لهما امثلة حاضرة في كتاب الله تعالى، فمن امثلة الإدماج في سياق الامتنان: قوله تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)(البق رة:105)، فيقول ابن عاشور: "والرحمة -هنا -مثل الخير المنزل عليهم، وذلك إدماج للامتنان عليهم بأن ما نزل عليهم هو رحمة بهم" ([80])، فالسياق سياق امتنان على المؤمنين في إنزال الخير الذي هو رحمة منه تعالى، وكذلك قوله تعالى: "( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)" إدماج للامتنان في خلال المدح والا فليس الانفاق من غير ما يرزقه المنفق" ([81]).
ومن امثلة الادماج في سياق الاستدلال: قول تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (فصلت:9) حيث يقول ابن عاشور: "وادمج في هذا الاستدلال بيان خلق هذه العوالم، فمحل الاستدلال هو صلة الموصول، واما ما تعلق بها إدماج"([82])، فهذه انواع الإدماج فيما يتعلق بالاستدلال، وهي تؤكد حيوية الإدماج في هذا الباب.
المبحث الثالث


الجانب النقدي


المطالع لتفسير ابن عاشور يجده مفسراً عالماً مدققا محققاً لمعاني الألفاظ، ناظرا للجملة والمفردة على حد تام من الرعاية والعناية، وهذا لا يمنع بطبيعة الحال مناقشته في بعض الجزئيات إن لزم الأمر، فمائدة التطبيق هي خير مكان لهضم الأقوال، وبيان راجحها من مرجوحها، وهو ما يثري الجانب النقدي في كتب التفسير، الذي يحتاج من الباحثين جهودا جبارة في هذا الباب، فالمنهج النقدي المنضبط الذي يخضع لأصول علم التفسير العامة، وقواعده الثابتة، بالإضافة إلى النظرات الجريئة، والتجديدات القويمة، ضرورة من ضروريات البحوث الجادة، إذ به تتخلص الكلمات من شوائبها، والتفسيرات من دخيلها، وسأقف مع هذه الأمثلة التي تبين المقصود:
أولا: اقتصار النظرة على زمان النزول:

اقتصرت نظرة ابن عاشور رحمه الله تعالى احيانا على زمن نزول الآية، دون النظر إلى استقرارها في سياقها، ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)(البقرة:196 )، يقول ابن عاشور: "ولا خلاف في ان هذه الآية نزلت في الحديبية سنة ست حين صد المشركون المسلمين عن البيت كما سيأتي في حديث كعب بن عجزة ([83])، وقد كانوا ناوين العمرة وذلك قبل ان يفرض الحج، فالمقصود من الكلام هو العمرة؛ "انما ذكر الحج على وجه الإدماج تبشيرا بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد، وهذا من معجزات القران" ([84]).
فكون الآية نزلت عام الحديبية لا يجعل الحج مذكورا فيها على سبيل الإدماج، فالحج مقصود لذاته، ودليل ذلك سياق الآيات جميعها، وهذا لا يمنع بطبيعة الحال ان نعده من قبيل الإدماج الزماني -إن صح التعبير -، وهو منته بالتكامل السياقي فور نزول السوابق واللواحق من الآيات، وهذا اللون من الإدماج عزيز في القران، إذ إنه مؤقت بنزول بقية الآيات، لكن وجه الإدماج - عند ابن عاشور - ان الآية لما نزلت عام الحديبية، ولم يكن الحج حينئذ مفروضا، كان ذكره على سبيل إدماج حكم في حكم مشابه له في مجموعة من الأركان، الغرض منه التبشير بما سيقوم به المؤمنون من الحج في الزمن القريب، وهذا من معجزات الإخبار بغيب المستقبل، فهو تبشير وتسلية للمؤمنين بما وقع عليهم في هذا العام، بأنه إن حصل لكم ما حصل من عدم القيام بالعمرة كما اردتم، فسيكون لكم وزيادة على ذلك من الحج لبيت الله الحرام، وهذه البشرى مندمجة في ذكر الحج في سياق اية نزلت عام الحديبية، ولم يكن الحج مشروعا بعد كما ذكر ابن عاشور.
ثانيا: العدول عن رأي ألصق بالإدماج:

سبق بيان قضية منهجية في المبحث الثاني، وهو انه عند تعدد الآراء يكون الإدماج مقبولا على راي، غير مقبول على اخر، وهنا نرى ان ابن عاشور رحمه الله تعالى قد خالف هذه المنهجية الدقيقة، فرجح رايا وحمله على الإدماج، على ان الحقيق بالإدماج هو الراي الاخر، فعند قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: 141).
يقول ابن عاشور: "وهذا إدماج للنهي عن الإسراف، وهو نهي إرشاد وإصلاح، اي: لا تسرفوا في الاكل"([85])، فالذي يراه ابن عاشور ان النهي عن الإسراف هو في الاكل خاصة وليس عاما في كل شيء، وذهب الطبري إلى عموم معنى الإسراف في الآية فقال: "والصواب من القول في ذلك عندي ان يقال: إن الله تعالى ذكره نهى بقوله: (َولَا تُسْرِفُوا)، عن جميع معاني الإسراف، ولم يخصص منها معنى دون معنى" ([86]).
وخالفه ابن كثير، فذهب إلى خصوص النهي عن الإسراف في هذه الآية فيما يتعلق بالأكل فقال: "ثم اختار ابن جرير قول عطاء: إنه نهي عن الإسراف في كل شيء، ولا شك انه صحيح، لكن الظاهر - والله اعلم - من سياق الآية حيث قال تعالى: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا) ان يكون عائدا على الاكل، اي: ولا تسرفوا في الاكل لما فيه من مضرة العقل والبدن" ([87]).
والذي ذهب إليه الحافظ وابن عاشور رحمهما الله هو الأوجه، وهو الألصق بالسياق، وعموم النهي عن الإسراف في عموم الأحكام مفهوم من النصوص الأخرى، لكن الراجح في هذه الآية بعينها خصوص النهي عن الإسراف في الاكل، ولا يلزم القول بالإدماج على ترجيح ابن عاشور، ولو رجح راي الطبري لكان للإدماج وجهة قوية، وذلك ان سياق الآية يتحدث عن الاكل، وذكر النهي عن الإسراف في الاكل داخل في هذا المعنى، اما على القول بعموم النهي عن الإسراف فيصدق عليه تضمين معنى سيق في الآية معنى اخر، فالإدماج يحسن وجهه على راي الطبري، لا على راي ابن عاشور رحمهما الله تعالى.
وأحيانا لا ينبه رحمه الله تعالى على ان الإدماج يصح على تفسيره للآية، ولا يصح على التفسيرات الأخرى كما جاء في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النحل: 20-21).
يقول ابن عاشور: "وجملة: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) إدماج لإثبات البعث عقب الكلام على إثبات الوحدانية لله تعالى " لأن هذين هما أصل إبطال عقيدة المشركين، وتمهيد لوجه التلازم بين إنكار البعث وبين إنكار التوحيد في قوله تعالى: (فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) (سورة النحل:22)" ([88]).
ويصح القول بالإدماج على جعل ضميري (يَشْعُرُونَ) و(يُبْعَثُونَ) عائدين إلى الكفار، وقد نبه ابن عاشور على ذلك بقوله: "ولذلك فالظاهر ان ضميري (يَشْعُرُونَ) و(يُبْعَثُونَ) عائدان إلى الكفار على طريق الالتفات في قراءة الجمهور، وعلى تناسق الضمائر في قراءة عاصم ويعقوب"([89])، اما إذا رجعنا ضمير (يَشْعُرُونَ) للأصنام([90])، وضمير (يُبْعَثُونَ) للكفار لم يصح الإدماج، لدخول هذه الجملة فيما تقدم من حيث سياقها الذي سيقت له.
ثالثا: حمل الآيات على الإدماج وهي ليست منه:

وأحيانا نجد ابن عاشور رحمه الله تعالى يجعل جملة من الآيات من قبيل الإدماج وهي في صميم المعنى الأصلي، وليست معنى مدمجا كما ذهب رحمه الله، فعند قوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:28).
قال ابن عاشور: "(وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) معطوف على (لَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:27)، فهو من جملة الصلة، وفيه إدماج لكشف باطلهم في تعللاتهم ومعاذيرهم الفاسدة، اي: للذين لا يقبلون الإيمان ويفعلون الفواحش ويعتذرون عن فعلها بأنهم اتبعوا اباءهم وان الله امرهم بذلك، وهذا خاص بأحوال المشركين المكذبين، بقرينة قوله: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) والمقصود من جملتي الصلة: تفظيع حال دينهم بأنه ارتكاب فواحش، وتفظيع حال استدلالهم لها بما لا ينتهض عند اهل العقول"([91]).
ومعنى الإدماج لا يظهر في الآية فهي من صميم السياق، وذلك ان الله سبحانه وتعالى قال قبلها: (يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:27)، فالشيطان فتنة لبني ادم وولي للكافرين، فلما ذكر معنى فتنته لبني ادم بين ولايته للكافرين في فعل الفواحش، التي عدها ابن عاشور إدماجا، وغرضه كشف باطل الكافرين بما يذكرونه من علل وحجج، ومعنى كون الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون: انهم إذا فعلوا فاحشة عللت لهم الشياطين تلك الفاحشة، وسوغتها لهم.
فالآية من قبيل بيان بعض انواع الولاية التي بين الشياطين والمشركين، هذا من حيث السباق، اما اللحاق فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33)، فهي بيان واضح في كون زينة الله حلالا لعباده دون الفواحش، في قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ)(الأ عراف: 32)، وهي رد -كذلك - على تعللات المشركين فيما تقدم، وعليه فقوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) ليس من الإدماج، وانما هو من صميم المعنى الذي جاء به السياق؛ لأنه المقصود الأساس الذي سيقت له المعاني والمقاصد.
يقول الطبري: "فتأويل الكلام إذن: وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله، الذين جعل الله الشياطين لهم اولياء قبيحا من الفعل، وهو الفاحشة، وذلك تعريهم للطواف بالبيت وتجردهم له، فعذلوا على ما اتوا من قبيح فعلهم وعوتبوا عليه، قالوا: "وجدنا على مثل ما نفعل اباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم، ونستن بسنتهم، والله امرنا به، فنحن نتبع امره فيه"([92])، فالطبري يقرر القوة الاتساقية بين الآيتين، وانهما مترابطتان من حيث إن عدم إيمان المشركين بالله واتخاذ الشياطين اولياء قادهم إلى ارتكاب الفاحشة.
ويقول البقاعي: "ولما جعل إمارتهم في ولاية الشيطان عدم الإيمان عطف على ذلك امارة اخرى فقال: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) اي: امرا بالغا في القبح كالشرك، وكشف العورة في الطواف"([93])، فعدم الإيمان وفعل الفواحش من مقتضيات ولاية الشيطان، وبه يتأكد ان قوله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً) ليس إدماجا، بل بيانا لمنهج الكافرين عند الوقوع في الفواحش.
وعند قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(الأ نفال:26)، يقول: "وجملة: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) إدماج بذكر نعمة توفير الرزق في خلال المنة بنعمة النصر، وتوفير العدد بعد الضعف والقلة؛ فإن الأمن ووفرة العدد يجلبان سعة الرزق"([94]).
قلت: الحق ان جملة: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)، ليست إدماجا، فمعنى الادماج بعيد هاهنا، فالحق سبحانه وتعالى يمتن على عباده بأنه قد اواهم بعد القلة والاستضعاف، ونصرهم بعد الخوف، ويأتي موقع جملة: (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ) موقعا اخاذا، فلا تتم منة النعمة إلا بذكر الرزق، بل هو الثمرة العظمى، والمقصد الأسمى بعد توافر الأمن؛ ولذلك قرنه المولى سبحانه وتعالى في اية اخرى بالأمن فقال: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)(قريش:4)، وما يصيب البلاد التي يكثر فيها الفقر والجوع من انعدام الأمن إلا أكبر دليل على هذا الذي نقول، فلولا نعمة الرزق لدام الخوف وانعدم الأمن.
فليس ذكر الرزق في هذه الآية من الإدماج، فقد سيقت الآية لتعداد هذه النعم، فالإيواء الذي يمثل الأمن الاجتماعي، والتأييد بالنصر الذي يمثل الأمن السياسي والعسكري، ورزق الطيبات الذي يمثل الأمن الاقتصادي، وبغير هذه الثلاثية لا يتحقق امن اي مجتمع من المجتمعات البشرية، هذا ما يريد تركيزه القران في العقول، فإذا قلنا بالإدماج افقدنا نعمة رزق الطيبات اصالتها، وجعلناها تابعة لغيرها من النعم، وهي مقصودة لذاتها، وقوله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (قريش: 4) يعزز هذا المعنى الأصيل.
رابعا: تخصيص جزء من المعطوفات بالإدماج:

واحيانا نجده رحمه الله تعالى يجعل جزءا من الآية إدماجا شبيها بالتخصيص، كما جاء في قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29)، يقول ابن عاشور: "والذي اراه في تفسير هذه الآية ان المقصود الأهم منها: قتال اهل الكتاب من النصارى كما علمت، ولكنها ادمجت معهم المشركين؛ لئلا يتوهم احد ان الأمر بقتال اهل الكتاب يقتضي التفرغ لقتالهم ومتاركة قتال المشركين، فالمقصود من الآية هو الصفة الثالثة: (وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ).
واما قوله: (الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ) -إلى قوله -(وَرَسُولُهُ) فإدماج، فليس المقصود اقتصار القتال على من اجتمعت فيهم الصفات الأربع، بل الصفة المقصودة هي التي اردفت بالتبيين بقوله: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)، وما عداها إدماج وتأكيد لما مضى، فالمشركون لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون شيئا مما حرم الله ورسوله؛ لأنهم لا شريعة لهم، فليس عندهم حلال وحرام، ولا يدينون دين الحق وهو الإسلام، واما اليهود والنصارى فيؤمنون بالله واليوم الاخر، ويحرمون ما حرم الله في دينهم([95])، ولكنهم لا يدينون دين الحق وهو الإسلام" ([96]).
اقول: ما ذهب إليه ابن عاشور رحمه الله في جعل الآية من الإدماج لا ينهض، فالآية جاءت متحدثة عن الكفار كافة، دخل فيها المشركون والكتابيون المحاربون، ولا دليل يرشح دعوى ابن عاشور في كون الجزء الأول من الآية إدماجا، فالآية قصدت توجيه الأمر بقتال المشركين واهل الكتاب، وقيد: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) لبيان حال اهل الكتاب في دينهم، حيث إنهم اهل دين باطل، لأجل ذلك ارادت الآية ان تلفت الأنظار إلى ان الدين المقبول هو الدين الحق، ولو اردنا ان نقدم رايا في الآية يختص بالإدماج، لقلنا: إنه ادمج قول: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) عدى سبيل التخصيص للبيان؛ كي لا يتوهم متوهم بأنهم غير داخلين في هذا الحكم التشريعي، فجاء هذا القيد على سبيل الإدماج، لرد اوهام الأفهام.
خامسا: حمل المفردة على الإدماج وهي من الاحتراس ([97]):

كما جاء في تفسير قوله تعالى: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ)(التو بة: 52)، قال ابن عاشور: "فقوله: (طَوْعًا) إدماج؛ لتعميم احوال الإنفاق في عدم القبول، فإنهم لا ينفقون إلا كرها؛ لقوله تعالى بعد هذا: (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ) (التوبة:54)" ([98]).
وما قاله ابن عاشور في غرض التعميم مستفاد من ذكر الحالتين: الطواعية والكراهية مجتمعتين، يقول ابن عطية: "والطوع والكره يعمان كل إنفاق"([99])، وحمل الطواعية على الإدماج بعيد إذ الغرض المسوق له الآية بيان ان المنافقين لن تقبل نفقاتهم على اي حال من الأحوال، وهذا لا يستفاد إلا بذكر تينك الحالتين، فقوله تعالى: (طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) "فائدته المبالغة في تساوي الإنفاقين في عدم القبول"([100])، وان قلنا بإدماج الطواعية لزمنا القول بإدماج الكراهية، وهو بعيد؛ لأن الآية جاءت لا لإثبات عدم قبول النفقات فحسب، وانما لإثبات عدم قبولها في الحالتين، والخطاب في الآية جاء مباشرا على سبيل الأمر والمقصود منه الجزاء([101])، والذي اغرى ابن عاشور بالقول بالإدماج: اللحاق، فكونه تعالى اخبر انهم لا ينفقون إلا وهم كارهون لا يعني ابدا ان ذكر الطواعية من باب الإدماج، بل إن صح ان يكون شيئا مدمجا فهو قوله تعالى: (وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ)(التو بة:54)، وفائدته دفع التوهم بأن المنافقين قد ينفقون اموالهم طواعية، فجزم الأمر بأنهم لا ينفقون إلا وهم كارهون على أسلوب القصر، فقصر نفقتهم على حال الكراهية، وبه يكون غرض الإدماج دفع الاحتمال، وهو من باب الاحتراس.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.36%)]