
20-03-2019, 05:57 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,399
الدولة :
|
|
رد: ضمانات القرآن الذاتية لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
ضمانات القرآن الذاتية
لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم
د. راجح عبد الحميد سعيد "كردي بني فضل" ([·])
وهناك أديان وثنية ليست دينية أو إلهية، ساءت معرفتها لله وقدمت ألوانا من الشرك وأدخلته في اليهودية والمسيحية المحرفتين. كما وصف ذلك ربنا سبحانه بقوله: (وقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة: 30). فجاء القرآن ليهدم أركان الوثنية الدينية الموهومة، وأوهام غيرها من الديانات الوثنية، وأقام البرهان في آياته على وجود الله ووحدانيته، وقدم معرفة صحيحة عن الله وتنزيهه من خلال معرفته سبحانه بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وآثارها في الحياة. ودحض شبهات المنكرين والملحدين، وبين سائر أركان الايمان، من إيمان بقدر الله، والايمان بالملائكة من حيث حقيقتهم وضرورة الايمان بهم، وبيان صفاتهم ووظائفهم في الكون والوحي، وفي السماء والأرض، وفي إجراء قدر الله، وفي الدنيا وفي الآخرة بما يزيد العباد معرفة الله، وتقدير عظيم صنعه. ومن الايمان بكتب الله وأنبيائه ورسله، وقدم معرفة قرآنية صحيحة عن تلك الكتب وأولئك الأنبياء والرسل، وقصصهم مع أقوامهم؛ ليعتبر الناس ويتعظوا كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ولَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111).
ولنأخذ أبرز مضمون للقرآن في الاعتقاد وهو الذي يمثل أساس الإيمان فيه وهو ([70]):
مفهوم الألوهية والعبودية:
يقدم القرآن الكريم تصورا واحدا صحيحا ثابتا شاملا لمفهوم الألوهية، إنه الرب وحده بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، رب كل شيء وملكيه، إليه يستند كل شيء في وجوده وفي نظامه وحركته قال عليه الصلاة والسلام: "كان الله ولم يكن شيء غيره" ([71]). وقال تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ (3) ولَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) (الإخلاص: 1-4).
ويعرض القرآن الكريم حقيقة الألوهية بمنتهى دقة المعرفة والتعليم للبشر بما يضمن وضوح هذه الحقيقة وثباتها دون تغيير أو تبديل، أو السماح باعتداء على أي شيء من حقائقها، طبقا لحفظه القرآن الكريم الذي: (ا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 42). ومختصر المعرفة الصحيحة لهذه الألوهية: أنه ([72]) هو وحده لا شريك له هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، والخالق والرازق والمدبر، والخافض والرافع، والمعز والمذل، والمنتقم الجبار، والعفو والودود، والعلي الكبير، وشديد الحساب وسريع الحساب، والقريب والمجيب، والذي يحول بين المرء وقلبه، والذي يجيب دعوة المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو معهم أينما كانوا، وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، وينزل الغيث من بعد ما قنطوا، وينشر رحمته، ويولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويحيي الأرض بعد موتها، إنه لا ملجأ منه إلا إليه، وأنه الرؤوف والرحمن، والرحيم، وأنه مالك الملك، وأنه خالق كل شيء ومليكه، وأنه يخلق ما يشاء ويختار، وأنه السلام، والمؤمن، والمهيمن، والعزيز، والجبار، والمتكبر، والقوي، وأنه الحكيم، الخبير، والقاهر والقهار، وأنه بديع السموات والأرض، وأنه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وأنه اللطيف والخبير، وأن كل شيء عنده بمقدار، وأنه عالم الغيب والشهادة، وأنه الكبير المتعال، وأنه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، وأنه الحي والمحيي والمميت، وأنه ليس كمثله شيء وأنه هو السميع البصير، وأنه الوكيل والشهيد والحق، وأنه ذو الجلال والكرام، وأنه رب العالمين.
وبهذا فإنه يجب أن يتوجه إليه العبد في كل شيء؛ من أمره، فمنه وحده نأخذ هديه في عبادته، واليه يوجه كل شيء قصده من عبادته، وبما شرع يعبده من له إرادة مختارة في الايماني به والعمل بطاعته، قال تعالى: (ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ وجْهَهُ لَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص: 88)، إنها حقيقة التوحيد قال تعالى: (أَلا لَهُ الخَلْقُ والأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ) (الأعراف: 54).
بمثل هذا المقوم تقوم الحقيقة الكبرى في الرسالة العالمية، وهو مقوم ثابت لا يتغير بتغير الزمان ولا المكان ولا البيئة، ولا المستوى العلمي، ولا الاختلاف الحضاري، مما يشكل ضمانة ثابتة لعالمية الرسالة؛ فإن منطلقها معرفة الله، وإن معرفتها له واحدة ثابتة يسهل معرفتها وتصور العلاقة معها، ذلك لأن القرآن كلام الله، والإنسان خلق الله، والثوابت في الألوهية تقابلها الثوابت في النفس الإنسانية، والفطرة الإنسانية، مما يساعد على الاستقامة على النهج في ما يقابل الألوهية من مقوم العبودية، وهي الحركة من البشر نحو الله، معرفة بالإيمان، وعبادة بالطاعات والبعد عن المعاصي في كل أمور الحياة، وفقا لقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30).
وقد ضمنت الرسالة الإسلامية عالميتها بهذا القرآن الذي دعا إلى وضوح هذه الحقيقة التي يقوم عليها الدين منذ خلق الله آدم، وعبر رسالات الأنبياء والرسل السابقين إلى أن نزل هذه القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، ليختم بيان هذه الحقيقة، حقيقة الألوهية الواحدة، والعبادة الواحدة لله وحده، ولتكون خطابا لكل البشر إلى قيام الساعة، كما كانت خطابا للبشر قبل الرسالات السابقة، وتجددت وختمت بخطاب القرآن نهائيا إلى قيام الساعة ومفادها في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 64)، وقوله تعالى: (قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ) (الزمر: 11).
وأقام القرآن انفصالا واضحا بين الرب في تصور النسان وايمانه ومعرفته له، وبين الإنسان العابد لله وحده لا شريك له في مختلف شؤون حياته، مما أقفل الباب تماما على الخلط بين الألوهية والإنسانية، فلا يمكن للإله أن يحمل صفات البشر، كما لا يمكن أبدا ان يحمل الإنسان شيئا من صفات الرب سبحانه. ولذلك كانت الألوهية الواحدة مجردة لأي ادعاء باطل من أي إنسان، فردا، أو طبقة، أو حزبا أو عالما أن يدعي أنه يعبد، أو أن له شيئا من مظاهر الألوهية، إن خلقا وتصرفا في شيء من الكون، وان تألها أو زعم تقديس، وان عبادة، وطاعة وتقربا؛ أمرا أو نهيا. وعلى هذا فإن بيان حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية المتمثلة ببيان وظيفة الإنسانية العابدة، ما يقيم ضمانة كافية لهذه العالمية للرسالة وأحكامها وأنظمتها، وعبادة واحدة؛ في موازينها، وقيمها، وسلوكها، وعبادة واحدة في غرضها، وآمالها، وأهدافها، وقاعدة الجزاء في الدنيا، وفي الآخرة ([73]).
الموضوع الثاني - عقيدة البعث والجزاء:
عقيدة البعث والجزاء أو الإيمان باليوم الآخر، عقيدة كان ينكرها المشركون، ويسيء معرفتها أصحاب الأديان السماوية بما وقع في كتبهم من تحريف، وما وقع من أحبارهم ورهبانهم من تزوير، حتى فقدوا معنى الايمان بالآخرة، وأفسدوا تصورهم لها، فقد تلاشت عقيدة الآخرة عند اليهود بسبب جشعهم وطغيانهم المادي وعدوانهم على البشرية، وتاهت عقيدة النصارى فيها، لأن بولس أفسد عليهم نصرانيتهم - كما ذكرنا قبل قليل - بوثنية لا يوجد فيها تصور صحيح للآخرة، واتجهوا إلى رموز غير مفهومة، والى البحث عن سعادة غير حقيقية، بنظرية الاسقاط للدنيا من أجل الآخرة غير المعروفة لديهم.
أما القرآن الكريم: فقد قدم وصفا صحيحا واقعيا للآخرة، ووازن بين عمل الدنيا وجزاء الآخرة، وبين إحسان التوازن بينهما في هذه الحياة الدنيا فقال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 77).
وجعل القرآن للدنيا طعما ومذاقا في ظل مذاق الآخرة، كما جعل للحياة الدنيا معنى مفهوما بالسعادة فيها، انتظارا لسعادة الآخرة؛ قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: 115).
ووصف لنا الآخرة ومنازلها من الموت إلى البرزخ، إلى قيام الساعة، إلى البعث والنشور، والمحشر والحساب والميزان، ودخول الجنة أو دخول النار. كما وصف لنا درجات الجنة، ودركات النار. ووصف لنا في كلي منهما ما ينتظر أهلها، بحيث يعيش الإنسان دنياه موقنا بإقباله على ربه للجزاء، عاملا بالصالحات متجنبا السيئات من أجل الفوز بالجنة، والنجاة من النار ولهذه العقيدة الثابتة عن الآخرة واليقين بها ما يحقق آمال الفطرة البشرية التي تتجه إلى الاطمئنان إلى تحقيق ما تبتغيه من سعادة لا تكتمل في الدنيا، ومن عدل مطلق لا تجده في الدنيا، ومن يقين بنتائج ما تقدمه وتكافح من أجله، بحثا عن فطرة تشعر بضرورة الملك الأبدي والخلود الأبدي المزروع في أعماقها كما في قوله تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) (طه: 120). وقوده: (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ) (الأعراف: 20)، فحب الخلود يقتضي خلود مفهوم الآخرة، والقرآن بتخليده لعقيدة البعث والجزاء يضمن عالمية هذه الرسالة.
الموضوع الثالث - العمل الصالح:
وهو الثمرة اللازمة للإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله عز وجل. وقد قدم القرآن منهاجا واضحا تفصيليا للعمل الصالح في آياته وسوره، مما يصلح البشرية، ويضع لها القواعد العامة، والأمثلة التفصيلية على كل قاعدة، بما يضمن تطبيق هذا الدين بمنهجه وأحكامه وشريعته على البشرية كافة إلى قيام الساعة، طبقا لضمان عالمية رسالته.
ويتجلى ركن العمل الذي قصد إليه القرآن بأنه احتوى شريعة شاملة ونظاما متكاملا لحياة البشرية في مختلف شؤونها؛ فردا وجماعة، أسرة ومجتمعا، أمة ودولة، سلما وحربا، سياسة وحكما، اقتصادا ومالا، كسبا وانفاقا، بما عبر عنه فقهاء الاسلام وعلماء الأصول بالفقه، والذي جعل علم أصول الفقه أساسا له؛ لاستنباط الأحكام الشرعية العملية في مختلف شؤون الحياة من الأدلة الشرعية، فكانت تلك الأحكام الشرعية العملية أو الفرعية فقه هذا القرآن، وبما اعتمد من مصادر التشريع؛ سنة واجتهادا شريعة الأمة المسلمة ونظامها العملي في حياتها. وهي شريعة تقوم على أصول ثابتة تسمح بمعالجة مستجدات الحياة وتستوعب تطورات العصر ([74])، لتجعلها تحت جناح هذه الشريعة، بما جعل الله لها من أصالة وثبات في أصول الأحكام ومراتبها؛ من حل وحرمة، ومن مقاصد الشريعة، وما عرف من ضرورات وحاجيات وتحسينيات ومكملات مصالح، وبما اعتمد من مصادر التشريع التبعية لها من اجتهاد وقياس واستحسان ومصالح مرسلة وغرف وغيرها. ولقد أنضج علماء الأمة هذا الجانب في موضوعات القرآن، وأصول فهمه بمكتبة أصلية نامية، ومتطورة بما لا يحصى من المراجع والدراسات، والمذاهب الفقهية، وأعلام الاجتهاد؛ وذلك محقق لقول ربنا تبارك وتعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3). فتمام الشريعة من تمام القرآن، وكمالها من كماله ([75]) وديمومتها وصلاحيتها من خاتميته وخلوده. ومن ثم كان هذا القرآن في أحد موضوعاته، وهي الشريعة، وفي جوهره وذاته وصلاحية شريعته ضمانة ذاتية لعالمية رسالته. ويفصل محمد يوسف موسى خصائص هذا التشريع الإسلامي بما يضمن هذه العالمية، بما مجمله ([76]):
أن هذا التشريع في أساسه يقوم على وحي إلهي ثابت محفوظ وهو القرآن، وأحكامه تقوم على استقرار، ولها في نفوس الناس من الفطرة ما يجعلها مقبولة لديهم، إذ هي أحكام الله خالق الفطرة، وهو الأعلم بما يحقق مصلحة الإنسان كما قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14).
وهي مقنعة للمخاطب بها.
كما هي ذات هدف أخروي مع كونها نافعة للإنسان في حياته الدنيا.
وأن واضعها - وهو الله سبحانه - إنما شرعها لمصالح العباد في العاجل والآجل، وأن هذا ثابت بالاستقراء في جميع الأحكام إلى قيام الساعة.
"واذا كانت الرسالة الاسلامية ليس بعدها رسالة إلهية، واذا كان رسولها هو خاتم النبيين، واذا كان من النتائج المنطقية لذلك: أنه أرسل إلى الناس كافة (...) وجب أن يكون ما فيها من تشريعات قد قاصت على أسس تجعلها صالحة للناس عامة في كل مكان وزمان، والأمر كذلك حقا؛ فإن هذه الشريعة بما قامت عليه من أسس قوية ومرنة معا صالحة حقا لكل بلد وناس وعصر وآن" ([77]).
وموضع هذا كله إنما هو القرآن كتاب هذه الرسالة، فقد احتوى في موضوعاته هذه الشريعة وأسسها، من مثل تحقيق العدل الشامل والرحمة، ورعاية مصالح الناس جميعا، واليسر في الشريعة برفع الحرج لقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78)، وقوده: (أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185). وذلك منسحب في كل التشريعات من عبادات ومعاملات، وعقوبات وسياسات.
وبالتالي فإن هذا القرآن بما حواه من شريعة عالمية أصلها وثبتها وبينها ووضحها، وجعل لها من القواعد والتطبيقات ما يضمن صلاحيتها لكل زمان ومكان وبما يسمح بعالميتها، فكان القرآن بشريعته يحمل في جوهر موضوعاته ومبادئه ومقاصد شريعته وأهدافها ضمانة ذاتية لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.
المطلب الرابع
القيم والأخلاق
منظومة القيم التي قدمها القرآن على أنها قيم إنسانية، تجد لها أساسا في فطرة الإنسان المخاطب بها إلى قيام الساعة، بما يسمى بالبصيرة أو الحاسة الفطرية أو الحاسة الأخلاقية أو الضمير ([78]). ويجعل القرآن بناء هذه الأخلاق على مصادر الإلزام الربانية، فهي تنبثق من الإيمان بالله في حقيقتها، ومن العبادة لله وحده في مظهرها. وهي أخلاق يتحمل المرء مسؤوليتها دنيويا، كما يتحمل مسؤوليتها أخرويا. ويهدف المرء منها سعادة الدراين، فترضى نفسه وفطرته، وتتحقق منافعه الدنيوية، ولكنها في غايتها الكبرى يقصد منها مرضاة الله سبحانه، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
وهذه المنظومة الأخلاقية التي يقدمها القرآن أوصت بها جميع الأديان الإلهية، والطبائع البشرية العاقلة، والفطر السليمة، ولكنها في القرآن إيمان ودين، سلوك وعبادة، إنسانية في توجهها للعالم، إيمانية في تبني المسلم لها، دنيوية في تطبيقاتها، أخروية منجية في غاياتها الكبرى والنهائية. كما أنها شاملة ومتوازنة وإيجابية وثابتة، لا تتغير بتغير الزمن والأحداث، والأشخاص والهيئات، مع الصديق ومع العدو، مع المسلم وغير المسلم ([79])، من مثل العدل والأمان، والصدق والوفاء بالعهد والوعد، والرحمة، وغيرها وما يتولد فيها من سلوك فردي، واجتماعي وجماعي، يميز المسلم فردا، والمجتمع جماعة، والأمة عالميا. وكل ذلك فيه ضمانة العالمية للرسالة التي تحمل هذه الأخلاق القرآنية.
وأبسط مثال على ضمانة القرآن للعالمية في أخلاقه في ضرورة إقامة العدل بين الناس، كل الناس، بغض النظر عن أي اعتبار شخصي أو ديني أو اجتماعي أو عرقي أو زماني أو مكاني، هو في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58)، وفي قوله تعالي: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8).
واذا كانت الشعارات تدعو إلى التسامح ولو مع الظالم، ويقول قائلها استغفروا لأعدائكم، فالقرآن يطلب من المؤمنين أن يعدلوا مع كل إنسان ولو كان عدوا. ولقد فهم علماء الإسلام من قوله الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90)، أن هذه الآية أجمع آية لمعاني الإسلام، وفيما روى أنه عندما شاعت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في بلاد العرب، وتناقلها الركبان أرسل اكثم بن صيفي أولاده ليسألوا محمدا صلى الله عليه وسلم عما يدعو إليه، فتلا عليهم هذه الآية، فرجعوا إلى أبيهم، ولما سمع ما تلوا عليه قال الحكيم العربي: "إن هذا إن لم يكن دينا فهو في أخلاق الناس أمر حسن، كونوا يا بني في هذا الأمر أولا. ولا تكونوا آخرا ([80]).
والعدل ليس قيمة فردية فحسب - شأنها شان سائر قيم القرآن - بل قيمة جماعية، وليس قيمة إيمانية فحسب، بل قيمة إنسانية، كما أنه خلق عالمي حتى في أقسى ظروف العلاقات بين الناس وهي الحروب.
ومن هنا تأتي الأخلاق والقيم الإنسانية في جوهر الكتاب شريعة دولية، وضمانة ذاتية لعالمية الرسالة؛ ولهذا يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة: 190)، ويقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: 194)، ويقول وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) (النحل: 126)، ويقول: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 6). فكل عباد الله سواء أمام هذه القيم من حيث منشؤهم ومالهم، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13). ولا مصلحة لله في تغليب فرد على فرد؛ لأن الله تعالى منزه عن المصلحة ([81]).
ثم إن القرآن يكفل من الوسائل التربوية لهذه الأخلاق، ما يضمن فاعلية تبنيها من النفس الانسانية منذ الصغر؛ لتكبر مع الإنسان، ولتصبح سلوكه الذي يصدر عنه دون تكلف ودون صراع شديد مع النفس الأمارة بالسوء، بما يضمن تحقيق الأهداف العليا للبشرية.
وهذه الأخلاق ربانية في مصدرها؛ لأنها من القرآن، وربانية في تطبيقاتها؛ لاتها عبادة لله عز وجل، وايمانية أخروية في أهدافها الكبرى؛ لأنها يقصد بها مرضاة الله سبحانه بدخول الجنة والنجاة من النار. وهي إنسانية في إطارها البعيد، وإيمانية في إطارها القريب، وهي بهذا كله ضمانة لعالمية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم التي تحملها وتدعو يليها، وتطبقها بمنتهى الدقة والحيوية.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|