عمل المرأة والاختلاط وأثره في انتشار الطلاق
د. عثمان جمعة ضميرية
أثر هذا العمل في الطلاق:
ولتغيب المرأة عن بيتها بسبب العمل أثر في تحديد النسل وتحجيم عدد أفراد الأسرة، لشعورها بأن في الحمل والولادة والإرضاع ما يعوقها عن عملها، ويهدد استقرارها فيه. وكذلك لعمل المرأة خارج بيتها ما يمكن أن يهدد العلاقة بين الزوجين، فما يبقى للمرأة من وقت تقضيه في بيتها، وما ينتظرها من أعمال تجاه أسرتها وأطفالها يأتي على البقية الباقية من نشاطها، وحيويتها، فمن أين تجد القدرة على إرضاء زوجها، والقيام بواجباته على الوجه المناسب ؟
بذلك، وبمرور الوقت تفقد العلاقة الزوجية لونها، وطعمها بين الزوجين، ويطفو على سطح علاقتهما التوتر العام، وتتسع الهوة بينهما، ويزداد الضغط على الأعصاب، والبحث عن مبررات واهية[30].
ويأتي على رأس الآثار السلبية لخروج المرأة خارج بيتها للعمل: تأثير ذلك على النشء وتربيته، والتقصير في هذا الواجب يجعل زوج هذه المقصرة في حق أولادها يفكر في الطلاق أو يسارع إليه.
وكثيرا ما يقع الخلاف بين الزوجين أيضا بسبب خروج المرأة للوظيفة والعمل، عندما يكون ذلك بغير رضى من الزوج، وعندما يقع الخلاف بينهما على الراتب، وتحميل الزوجة قسطا من النفقة لأنها ذات دخل، وهي تمتنع من ذلك، أو عندما يطالب الزوج بجزء من الراتب نظير ما يقوم به من أعباء، ونظير ما يقع من تقصير الزوجة بواجباتها البيتية والزوجية لانشغالها بالعمل، كل ذلك قد يكون سببا من أسباب الطلاق.
وإذا لاحظنا أن عمل المرأة في بعض البلاد الإسلامية سار على خطوات عمل المرأة الغربية وتأثر بكل المؤثرات الغربية أو ببعضها، فإن ذلك يبرز عاملا آخر في الطلاق وهو ما قد تتعرض له المرأة من مضايقات وتحرش أو مواقف تخدش الكرامة والحياء ويهبط بصاحبها إلى الفاحشة، فإن ذلك يؤدي إلى الطلاق..
الدراسات الميدانية حول الموضوع:
ونجتزئ في هذه العجالة بثلاث دراسات اجتماعية تربوية ونفسية ميدانية عن أثر التغيرات والعوامل الثقافية والاجتماعية... في الطلاق وانتشاره، وهي تدرس هذه الظاهرة في ثلاثة بلدان هي الإمارات العربية، والمملكة العربية السعودية (مدينة جدة) والعراق (مدينة بغداد) وكان عمل المرأة خارج بيتها في الوظيفة واحدا من المتغيرات أو العوامل التي كانت موضوعا للدراسات السابقة وأمثالها، لنتعرف على أثر عمل المرأة في انتشار الطلاق وازدياد نسبته، والأحوال قريبة أو متشابهة غالبا في المجتمعات موضوع الدراسة.
الدراسة الأولى: وهي دراسة تشخيصية لظاهرة الطلاق في دولة الإمارات العربية المتحدة - دراسة سيكولوجية، تربوية، ميدانية -
ويتبين من هذه الدراسة: أن هذا العامل الذي أدرنا الكلام حوله فيما مضى، من العوامل غير المهمة في حدوث الطلاق، بالنسبة
إلى جميع فئات العينة التي أجري البحث عليها، عدا فئة رجال مطلقين، وهذا أمر طبيعي أن لا يعتبر مثل هذا العامل ذا أهمية في حدوث الطلاق في بيئة الإمارات العربية المتحدة، طالما أن معظم النساء لا يعملن، وأن الرفاهية الاقتصادية التي تنعم بها معظم الأسر تجعل المرأة من النوع الاتكالي، لا حاجة لها إلى العمل، ولكن عدم حاجة المرأة للعمل لا يمنع من وجود إهمال بالشؤون الأسرية، ولا يمنع من الاعتماد على الخادمات في تدبير شؤون المنزل والأطفال، أما المرأة فيكون شغلها الشاغل في بعض الحالات السعي وراء الموضات والأزياء وما يشبه ذلك.
ويتصل بهذا العامل أيضا: عامل آخر يأتي بعده في تفسير العوامل ذات الاتفاق المنخفض لدى المجموعات في هذه الدراسة، ومضمونه (الأزمات الاقتصادية والاجتماعية):
يتبين لنا أيضا: أن هذا العامل لم يكن عاملا مهما في حدوث الطلاق لدى معظم فئات العينة عدا فئة الرجال المطلقين، ويبدو أن مثل هذا العامل قلما يرد في مجتمع الإمارات، بسبب توفر الإمكانيات الاقتصادية والاجتماعية، وقد يكون مثل هذا السبب بارزا وبشكل واضح في مجتمعات أخرى تعاني من الفقر والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية...
وكذلك العامل الآخر في الدراسة، ومضمونه (الظروف المادية العسيرة للزواج)، باعتبار أن من مبررات خروج المرأة للعمل بالأجرة هو هذا المبرر.
تقول الدراسة: يتبين لنا من تحليل الإجابات ودراستها أن هذا العامل لم يعتبر من العوامل المهمة في حدوث الطلاق بالنسبة إلى أربع فئات فقط من فئات العينة. أي أن هذا الرفض لهذا العامل باعتباره سببا للطلاق، كان من جميع الفئات الاجتماعية عدا فئتي المطلقات، والرجال المطلقين، وهذا مؤشر على أهمية هذا العامل لحد ما لدى فئتي المطلقات والمطلقين، وليس غريبا أن يعاني بعض الأزواج أو الزوجات في دولة الإمارات من ضائقة مادية بسبب زواجه وذلك لعدة أسباب منها عدم توزيع الثروة المادية بشكل متوازن بين الإمارات أو الأفراد، فالإمارات الشمالية أقل في مستواها المادي من الإمارات الأخرى، ثم إن غلاء المهور، وتكاليف الزواج يجعلان الشاب العادي والمرأة العادية القادمين على الزواج يواجهان صعوبات مادية عسيرة، قد يترتب عليها بعض المشكلات التي تؤدي إلى الطلاق، وهذه حالات نادرة.
الدراسة الثانية: الطلاق والتغير الاجتماعي في المجتمع السعودي: دراسة ميدانية في مدينة جدة:
تظهر هذه الدراسة أن هذه القضية قضية الساعة بالنسبة للمرأة السعودية، حيث تصبح قيمة عمل المرأة متدنية لدى الشباب، فالدراسات على المجتمع السعودي توضح أن (95%) عارضوا عمل المرأة، وأن (44%) من الأزواج كانوا في اختلاف دائم، وبصورة منتشرة حول عمل المرأة، بل وجد أن (86%) أوضحت أن زوجاتهم لا يعملن.
وبمناقشة هذا الاتجاه وعلاقته بالطلاق في مجتمع البحث (مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية) يتبين أن عمل المرأة دون رضا زوجها: يجعله لا يؤيدها، ولا يساندها في عملها.
وقد أسفرت الدراسة عن أن (24%) من الرجال المطلقين ذهبوا إلى أن عمل الزوجة لم يكن برضاهم. كما ذكرت (11%) من النساء المطلقات أن عملهن كان دون رضا أزواجهن. بمعنى أن (14%) من مجتمع البحث، كان عمل الزوجة دون رضا الزوج، ولعل عمل الزوجة - رغما عن الزوج - يؤدي إلى الخلافات المستمرة، ومن ثم يكون له علاقة كبيرة بالطلاق.
كما أسفرت نتائج الدراسة الميدانية، عن أن (34%) من الرجال المطلقين ذكروا بأن عمل الزوجة أدى إلى الطلاق، كما كان عمل الزوجة أيضا السبب في طلاق (21%) من النساء المطلقات، بمعنى أن (23%) من مجتمع البحث كان عمل الزوجة هو الذي أدى إلى الطلاق.
كما أسفرت نتائج الدراسة أيضا: عن أن انشغال المرأة بالعمل، وعدم الاهتمام بزوجها كان في قمة أسباب الطلاق، وأجاب على ذلك (29%) من الرجال المطلقين و(38%) من المطلقات، كما أجاب (57%) من مجموع الذين كان عمل الزوجة هو سبب الطلاق، بأن انشغال الزوجة بعملها، فضلا عن إهمالها في رعاية أولادها، يتضافران معا فيتسببان في حدوث الطلاق.
كما أوضحت الدراسة أن (78%) من المطلقات اللائي لا يعملن: رأت أن انشغال الزوجة بعملها يؤدي إلى الطلاق، أما الموظفات المطلقات فقد أبدت (68%) منهن هذا الاتجاه. كما أجابت (65%) من الطالبات المطلقات بأن انشغال المرأة بعملها يؤدي إلى هذه الظاهرة، وفي المقابل أكبر نسبة رفضت هذا الاتجاه من الطالبات المطلقات، فقد اعترضت على ذلك (36%) منهن، ولعل ذلك راجع إلى أنهن لم يجربن العمل ومسئولياته ومشكلاته[31].
الدراسة الثالثة: المتغيرات الاجتماعية والثقافية لظاهرة الطلاق، مع دراسة ميدانية لظاهرة الطلاق في بغداد:
أظهرت الدراسة أن هناك علاقة متبادلة بين وقوع خلافات، نتيجة لعمل الزوجة، ومدة الحياة الزوجية، فكلما قلت مدة الحياة الزوجية كان ذلك نتيجة لوقوع خلافات نتيجة لعمل الزوجة... وكلما سبب عمل الزوجة خلافات كانت مدة الحياة الزوجية قصيرة، وبالتالي أدت إلى الطلاق.
وأظهرت الدراسة مدى وجود علاقة بين عمل المرأة واستقلالها، وازدياد حالات الطلاق، إذ يترتب على عمل المرأة: عدم تفرغها للأسرة، وإهمالها لبعض شؤون الزوج والأولاد، وكذلك يترتب على عملها آثار نفسية يأتي في مقدمتها: شعورها المتزايد بالاستقلال، والاعتزاز بكيانها. ونتيجة إحساس الزوجة العاملة بقدرتها على الاستقلال يتولد عند الرجل إحساس داخلي بالضعف، فيحاول أن يتغلب عليه بالقسوة على الزوجة رغما عنه، ليؤكد أنه ما زالت له الكلمة العليا، والسيطرة الكاملة..، فلا بد من أن يصطدم بالشخصية الاستقلالية للزوجة، فتحاول أن تثأر، وقد يصل الأمر إلى الطلاق، بالإضافة إلى أن الكثير من الموظفات يحتفظن برواتبهن لمتطلباتهن، أو يدفعن قسما لأسرهن إرضاء لما قاموا به من تربيتهن، واستنادا إلى هذه الفكرة التي تجعل الرجل وحده هو المسئول عن إعالة الزوجة والإنفاق على متطلبات البيت[32].
الخاتمة:
والذي ننتهي إليه: أن جملة من الأسباب تقف وراء انتشار الطلاق، تختلف في تأثيرها، وأبانت الدراسات أن هناك علاقة بين خروج المرأة للعمل في صورته الراهنة وما يكتنف ذلك، وبن انتشار الطلاق وازدياد نسبة وقوعه، فإن خروج الزوجة للعمل والوظيفة له أثره فيه، ولكن بنسب متفاوتة حسب أهمية العمل وضرورته في بعض الحالات، وحسب نظرة المجتمع إليه، ولذلك يجب وضع الضوابط للعمل، ويجب عدم التوسع فيه. وهذا الأمر قامت حوله دراسات متعددة لكل الجوانب المرتبطة به بما في ذلك الحكم الشرعي، وليس هذا مجال بحثنا في هذه الورقة.
ومما تجدر الإشارة إليه في الختام: أنه رغم الشكوى من ارتفاع نسبة الطلاق في بعض البلدان أو المجتمعات، فإنه لا ينبغي إقرار هذا بإطلاقه وسحب الحكم وتعديته على كل المجتمعات، فإن الطلاق قد يعقبه رجعة، وهذا مما لا تتناوله الدراسات والإحصاءات التي تتناول الطلاق فحسب، فلا يعني أن كل طلاق يؤدي إلى هدم للأسرة، أو تشريد للأطفال، كما يقوله بعضهم.
وكذلك تجدر الإشارة إلى أننا عندما نذكر أسباب الطلاق، أو العوامل التي تؤدي إليه، لا يعني ذلك ربطا حتميا بين هذه الأسباب ووقوع الطلاق، وإنما هي بيان لواقع أو مؤشر، وفرق كبير بين الحكم التقريري الذي يبين ما هو واقع، والحكم القيمي الذي يبين ما يجب أن يكون، أو ما يجب أن يقع.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] سورة يس الآية 36
[2]سورة الذاريات الآية 49
[3] سورة الروم الآية 21
[4] سورة النساء الآية 1
[5] سورة آل عمران الآية 195
[6] انظر: تفسير البغوي: 1\168، طبعة دار طيبة بالرياض.
[7] سورة البقرة الآية 187
[8] سورة البقرة الآية 228
[9] سورة البقرة الآية 231
[10]أخرجه أبو داود: 3\91، وابن ماجه: 1\650، والحاكم في المستدرك: 2\196، وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وانظر: حجة الله البالغة للدهلوي: 1\1002 بتحقيقي.
[11] أخرجه أبو داود: 3\142، والترمذي: 4\367 وحسنه، وابن ماجه: ا\662، والدارمي: 2\162 والبيهقي، وصححه ابن حبان، ص 321 من موارد الظمآن للهيثمي، وصححه الحاكم في '' المستدرك '' على شرط الشيخين، ووافقه الذهني: 2\200، والإمام أحمد: 5\277 وانظر: الترغيب والترهيب للمنذري: 3\84، الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي: 2\51.
[12] رواه أبو داود، وهذا أحد ألفاظه، وأخرجه الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان في صحيحة، والبزار بألفاظ أخرى. انظر الترغيب والترهيب: 3\82، الزواجر عن اقتراف الكبائر، لابن حجر الهيتمي: 2\28.
[13] رواه الطبراني في المعجمين (الصغير والأوسط) من حديث ابن عمر، ورواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس، ورواته كلهم ثقات. انظر: الترغيب والترهيب، الموضع نفسه.
[14] سورة النساء الآية 21
[15] سورة النساء الآية 19
[16] سورة النساء الآية 34
[17]سورة النساء الآية 34
[18] سورة النساء الآية 35
[19] سورة البقرة الآية 228
[20] سورة البقرة الآية 232
[21] سورة النساء الآية 130
[22] روي هذا الحديث بألفاظ أخرى، فقد رواه البزار والطبراني في (المعجم الكبير والأوسط) عن أبي موسى بلفظ: '' إن الله تبارك وتعالى لا يحب الذواقين والذواقات '' وعن عبادة بن الصامت قال: '' إن الله عز وجل لا يحب الذواقين والذواقات '' رواه الطبراني، وفيه راو لم يسم، وبقية إسناده حسن. وانظر مجمع الزوائد للهيثمي: 4\335، المصنف لابن أبي شيبة: 5\252، المقاصد الحسنة للسخاوي: 1\292.
[23] مجلة الجندي المسلم، المرجع نفسه.
[24]انظر: إحصائيات المحكمة الكبرى بمدينة جدة، والمراجع السابقة.
[25] دراسة تشخيصية لظاهرة الطلاق في دولة الإمارات العربية، د. فيصل الزراد، ود. عطوف ياسين، ص 16.
[26] انظر: الطلاق والتغير الاجتماعي في المجتمع السعودي، د. ثروت محمد شلبي ص 11، 12.
[27] انظر: قوامة الرجل وخروج المرأة للعمل، د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن، ص 65 وما بعدها.
[28] قوامة الرجل وخروج المرأة للعمل، ص 65- 68.
[29] انظر المرجع نفسه.
[30] قوامة الرجل وخروج المرأة للعمل، د. محمد بن سعد، ص 68 وما بعدها.
[31] انظر: الطلاق والتغير الاجتماعي في المجتمع السعودي، د. ثروت بدوي (147- 149).
[32] انظر: المتغيرات الاجتماعية والثقافية لظاهرة الطلاق، عائدة سالم الجنابي ص (194 و205).