فتاوى الحج من فتاوى الأزهر (2-3)
إدارة الملتقى الفقهي
مفاجأة الحيض للمرأة أثناء الحج
السؤال:
بالطلب المقدم من السيد / م ع ح المدرس بمكة المكرمة - قال إنه يطلب بيان حكم الشرع في المسائل الآتية : 1- امرأة حاضت قبل طواف الإفاضة (وهو ركن) وليس لديها وقت لأنها مرتبطة بأفواج ومواعيد الطائرات.
وليس لديها ما تعيش عليه إن هي تأخرت عن الفوج، وليس لديها ثمن بدنة - فماذا تصنع - أتطوف وهى حائض أم تنيب عنها من يطوف بدلا منها.
2 - رمى الحاج الجمرات أيام التشريق بعكس ترتيبها، وكان موكلا في هذا عن آخرين، فبدلا من أن يرمى ابتداء من الجمرة التي تلي مسجد الخيف، رمى ابتداء من الجمرة تجاه مكة.
3 - ما حكم المرأة التي حضرت إلى الحج مع أفواج السياحة أو المؤسسات وليس معها زوج أو محرم، علما بأن هذه هي الفرصة الوحيدة التي سنحت لها من سنوات بعد أن فشلت في الحج بالقرعة.
البعض يقول إنها آثمة.
4 - بعض الحجاج يكونون قارنين أو متمتعين وبالطبع عليهم هدى وقد لا يكون في الاستطاعة تدبير ثمنه فيستدين أو يقتر على نفسه
الجواب"
عن السؤال الأول - جاء في كتاب فتح العزيز للرافعي الكبير الشافعي في الفصل التاسع في الرمى من كتاب الحج (إن العاجز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس ينيب غيره ليرمى عنه، لأن الإنابة جائزة في أصل الحج فكذلك في أبعاضه وكما أن الإنابة في الحج إنما تجوز عند العلة التي لا يرجى زوالها فكذلك الإنابة في الرمى، لكن النظر هنا إلى دوامها إلى آخر وقت الرمى.
وكما أن النائب في أصل الحج لا يحج عن المنيب إلا بعد حجة عن نفسه، فالنائب في الرمى لا يرمى عن المنيب إلا بعد أن يرمى عن نفسه).
وتخريجا على هذا يجوز للمرأة إذا فاجأها الحيض قبل طواف الإفاضة ،ولم يمكنها البقاء في مكة إلى حين انقطاعه أن تنيب غيرها في هذا الطواف على أن يطوف عنها بعد طوافه عن نفسه، وأن ينوى الطواف عنها نائبا مؤديا طوافها بكل شروطه، أو أن تستعمل دواء لوقفه وتغتسل وتطوف أو إذا كان الدم لا يستمر نزوله طوال أيام الحيض بل ينقطع في بعض أيام مدته عندئذ يكون لها أن تطوف في أيام الانقطاع عملا بأحد قولي الإمام الشافعي القائل إن - النقاء في أيام انقطاع الحيض طهر - وهذا القول أيضا يوافق مذهب الإمامين مالك وأحمد.
هذا وقد أجاز بعض فقهاء الحنابلة والشافعية (ج - 7 تبع المجموع للنووي ص 400 وما بعدها.
ج - 1 ص 296 و 297 وفي باب الحج ج - 2 ص 283) للحائض دخول المسجد للطواف بعد إحكام الشد والعصب وبعد الغسل.
حتى لا يسقط منها ما يؤذى الناس ويلوث المسجد ولا فدية عليها في هذه الحال باعتبار حيضها - مع ضيق الوقت والاضطرار للسفر - من الأعذار الشرعية، وقد أفتى كل من الإمام ابن تيمية وابن القيم بصحة طواف الحائض طواف الإفاضة إذا اضطرت للسفر مع صحبتها، بشرط أن تعصب موضع خروج دم الحيض حتى لا ينزل منها شىء منه في المسجد وقت الطواف.
هذا وفي فقه مذهب أبى حنيفة (حاشية رد المحتار لابن عابدين على الدر المختار في باب الحيض في مسائل المتحيرة) أن الحائض والنفساء لا يحل لها دخول المسجد، وإن دخلت ثم طافت أثمت وصح الطواف، وعليها ذبح بدنه، وفي موضع آخر وتطوف الركن ثم تعيده.
لما كان ذلك فللمرأة الحاجة التي يفاجئها الحيض والنفاس ويحول بينها وبين طواف الإفاضة مع تعذر البقاء بمكة حتى ارتفاع عذرها أن تسلك أي طريق من هذه الطرق التي قال بها الفقهاء.
عن السؤال الثاني - جاء في المرجع السابق (ص 404 و 405 من كتاب فتح العزيز للرافعي الكبير مع المجموع للنووى ج - 7) إنه يشترط في رمى أيام التشريق الترتيب في المكان، وهو أن يرمى أولا إلى الجمرة التي تلي مسجد الخيف وهى أقرب الجمرات من منى وأبعدها من مكة، ثم إلى الجمرة الوسطى، ثم إلى الجمرة الصغرى وهى جمرة العقبة.
فلا يعتد برمي الثانية قبل تمام الأولى ولا بالثالثة قبل تمام الأولتين.
وعن أبى حنيفة رحمه الله لو نكسها، (أي فعلها على غير ترتيبها) أعاد فإن لم يفعل أجزأه، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم (من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج).
ولأنها مناسك متكررة في أمكنة متفرقة في وقت واحد ليس بعضها تابعا لبعض، فلم يشترط الترتيب فيها كالرمى4 والذبح (المغنى لابن قدامة ج - 3 ص 477 مع الشرح الكبير، الدر المختار وحاشية رد المحتار لابن عابدين في كتاب الحج ج - 2 ص 284 و 385 و 389) لما كان ذلك فإذا كان وقت الرمي باقيا فالأولى إعادته مع الترتيب.
اتباعا لفقه الأئمة الثلاثة وباعتباره عمل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كان الوقت قد فات أو ضاق لمواعيد الارتحال الجماعية أجزأه ما فعل اتباعا لقول فقه الإمام أبى حنيفة الذي يرى الترتيب سنة لا يترتب على مخالفتها شيء إعمالا للحديث السابق.
عن السؤال الثالث - تكاد كلمة الفقهاء تكون قد توافقت على أن من الاستطاعة في الحج بالنسبة للمرأة أن تكون مع زوجها أو محرم لها غير أن بعضهم كالشافعية أجازوا خروجها للحج مع نسوة يوثق بهن (اثنان فأكثر) وأضاف فقه المالكية أو رفقه مأمونة.
واتفقوا جميعا على أنه إذا فقدت هذه الشروط كلها فلا يجب الحج على المرأة لعدم الاستطاعة.
وفي فقه الإمام الشافعي أيضا يجوز للمرأة أن تؤدى فريضة الحج مع امرأة واحدة.
وأجازوا للمرأة أن تخرج وحدها لأداء هذه الفريضة عند الأمن.
وهذا ما نميل للأخذ به في حق المرأة المسئول عنها ويكون حجها بحالتها هذه صحيحا شرعا ولا إثم عليها ، لاسيما مع ما جاء بالسؤال من أن هذه هى الفرصة الوحيدة التي سنحت لها منذ سنوات بعد أن فشلت في الخروج للحج بالقرعة - وهذا يتمشى مع قول الله سبحانه في التيسير {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} البقرة 185 ، عن السؤال الرابع - شرع الحج على المستطيع {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} آل عمران 97 ، وجاءت السنة الشريفة مبينة ومؤكدة على هذه الاستطاعة، فأوضحت أن للحاج أن يفرد الإحرام بالحج فقط أو يقرن في الإحرام الحج والعمرة معا، أو يحرم بالعمرة ثم يحل من إحرامه ثم يحرم بالحج وهو التمتع، وعلى هذين الأخيرين تجب الفدية.
ولكل مسلم ومسلمة اختيار ما في وسعه وقدرته.
فمن قدر عليه رزقه كان له أن يحرم بالحج فقط حتى لا يثقل بنفقات الفدية فإذا اتسع وقته للإحرام بالعمرة أداها بعد أن يتم جميع مناسك الحج، وعندئذ لا هدى عليه وجوبا، ذلك هدى الله وقوله في القرآن {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} البقرة 286 ، والله سبحانه وتعالى أعلم
السؤال:
عن كيفية التصرف في الأضحية شرعا؟
الجواب:
رفع ألينا سؤال عن كيفية التصرف في الأضحية والجواب أنه يجوز عند الأئمة الأربعة أن يأكل صاحب الأضحية من لحمها ويطعم الأغنياء والفقراء ويدخر منها.
وأفضل عند الحنفية أن يتخذ الثلث ضيافة لأقربائه وأصدقائه ويتصدق بالثلث ويدخر الثلث، ويندب لمن كان له عيال يحتاجون إلى التوسعة ألا يتصدق منها إلى غيرهم لأن أنفاقه عليهم صدقة.
والأفضل عند الحنابلة أن يجعل أضحيته أثلاثا كما تقدم وعن الشافعية أن يتصدق بها كلها ودون ذلك عنهم في الفضل أن يأكل ثلثها ويتصدق بثلثها ويهدى ثلثها.
والأفضل عند المالكية أن يجمع بين الأكل منها والتصدق والاهداء بدون تحديد بالثلث ولا غيره وأوجب الشافعية وابن حزم التصدق ببعض الأضحية ولو قليلا والله أعلم.
******
مكان وزمان ذبح الهدى في الحج
السؤال:
من السيد / ف أ ك طلب بيان حكم ما يأتى أولا - مكان وزمان ذبح الهدى في الحج سواء كان هدى قران أو تمتع أو تطوع وما ترتب على ذلك من المخالفة.
ثانيا - الهدى بجميع أنواعه يأخذه المطوفون يأكلون منه ما يأكلون ويتصدقون بما يتصدقون فهل في هذه الحالة يصيب المرمى فيسقط الطلب أولا.
ثالثا - حكم النزول في منى وزمانه ومقدار هذا الزمن وما يترتب على مخالفة ذلك
الجواب:
أولا - الهدى اسم لما يهدى إلى الحرم من النعم ليتقرب به أبلا أو بقرا.
أو غنما وأقله شاه وهى جائزة في كل شيء الا في موضوعين من طاف طواف الزيارة جنبا ومن جامع بعد الوقوف بعرفه فانه لا يجوز فيها إلا الإبل والهدى أنواع منها هدى التطوع وهى المتعة وهدى القران - وهدى التطوع يجوز ذبحه قبل يوم النحر وذبحه يوم النحر أفضل لأن القربى في التطوعات باعتبار أنها هدايا وذلك بتحقيق تبليغها إلى الحرم فإذا وجد ذلك جاز ذبحها في غير يوم النحر وفي أيام النحر أفضل لأن معنى القربة في إراقة الدم فيها أظهر.
أما دم المتعة والقران فيختص ذبحه بأيام النحر لقوله تعالى {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفثهم} وقضاء التفث يختص بيوم النحر ولأنه دم نسك فيختص بيوم النحر كالأضحية - ولا يجوز ذبح جميع الهدايا إلا في الحرم لقوله تعالى في جزاء الصيد {هديا بالغ الكعبة} فصار أصلا في كل دم هو كفارة ولقوله تعالى في دم الاحصار {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله} وقوله تعالى في الهدايا مطلقا {ثم محلها إلى البيت العتيق} ولأن الهدى اسم لما يهدى إلى مكان فالإضافة ثابتة في مفهومه وهو الحرم بالاجتماع - ويجوز الذبح في أى موضع شاء من الحرم ولا يختص بمنى ومن الناس من قال لا يجوز إلا بمنى والصحيح ما قلنا قال عليه السلام "كل عرفة موقف وكل منى منحر وكل المزدلفة موقف وكل فجاج مكة طريق ومنحر" رواه أبو داود وابن ماجه من حديث جابر ثم قال صاحب الفتح فتحصل أن الدماء قسمان ما يختص بالزمان والمكان وما يختص بالمكان فقط.
ويتضح مما سبق من النصوص أنه يجوز ذبح دم التطوع قبل أيام النحر وذبحه فيها أفضل - أما دم المتعة والقران فلا يجوز ذبحهما إلا في أيام النحر ويتعين ذبح الثلاثة في الحرم ومنه منى.
ثانيا - ويجوز للمُهدي أن يأكل استحبابا عند الحنفية من دم المتعة والقران والتطوع - ولا يجوز له ذلك عند الشافعية إلا من دم التطوع ولا يجوز له الأكل من غيرها لأنها عندهم دماء كفارات ولو أكل منها ضمن خلافا لمالك - ويجوز له أن يتصدق بالهدى على فقير الحرم وغيره من الفقراء المستحقين لأن الصدقة قربة منقولة والصدقة على كل فقير قربة خلافا للشافعي - ويقوم مقام تصدق المهدي بنفسه تصدق وكيله أو نائبه بالحرم الهدى على الفقراء نيابة عنه كالمطوفين مثلا وغيرهم ويكون ذلك مجزيا ومسقطا للطلب عن المهدي.
ثالثا - وفي يوم التروية وهم اليوم الثامن من ذي الحجة يخرج الحاج من مكة بعد صلاة فجر هذا اليوم إلى منى حيث يقيم بها حتى يصلى فجر يوم عرفة وهو اليوم التاسع من ذى الحجة ويمكث بها إلى طلوع الشمس ثم يتوجه إلى عرفات فيقف بها ثم يعود إلى منى ثانية يوم النحر قبل طلوع الشمس فيبدأ برمي جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات كحصى الخزف يكبر مع كل حصاة وتقطع التلبية بأولها ويقف عندها ثم يذبح أن أحب دم التطوع ثم يحلق وهو أفضل أو يقصر وقد حل له كل شيء من محظورات الإحرام غير النساء على خلاف في ذلك بين المذاهب - ثم يذهب من يومه وهو يوم النحر أن استطاع أو الغد أو بعده إلى مكة فيطوف للزيارة سبعة أشواط وهو ركن في الحج والنزول بمنى على الوجه السابق من سنن الحج وتاركه يكون مسيئا.
والله أعلم
******
الحج في الملابس العادية لعذر
السؤال:
من السيد / م أ أ بطلبه المتضمن أنه عزم بمشيئة الله تعالى على تأدية فريضة الحج هذا العام إلا أنه مريض ولا يستطيع ارتداء زى الإحرام ويمكنه تأدية الفريضة في حالة ارتدائه الملابس العادية.
وطلب السائل الإفادة عن الحكم الشرعي
الجواب:
المنصوص عليه في الفقه الحنفي أنه يصح الإحرام مع لبس المخيط - وان كان ذلك بعذر أو بغيره لأن التجرد عن المخيط من واجبات الإحرام لا من شروط صحته فإذا تركه المحرم وأحرم بلباس مخيط كان أحرم وهو مرتد ملابسه العادية.
فأما أن يكون فعله هذا بعذر أو بغير عذر.
فان كان بعذر بأن كانت عنده ضرورة دعته إلى لبس المخيط كمرض ونحوه مثلا وجب عليه كفارة يتخير فيها بين أن يذبح شاة أو يتصدق على ستة مساكين بثلاثة أصوع من الطعام أو يصوم ثلاثة أيام سواء لبس ثوبا واحدا أو كان لباسه كله مخيطا ولو دام على ذلك أياما أو كان يلبس المخيط ليلا للبرد مثلا وينزعه نهارا.
فان زال عذره ولبس المخيط مع هذا فانه يكون عليه كفارة لا يتخير فيها بل يذبح شاة يتصدق بلحمها ولا يأكل هو منها كذلك إذا لبس المخيط ابتداء من غير عذر هذا والصوم في الكفارة التي يتخير فيها المحرم يجزيه في أى موضع شاء لأنه عادة في كل مكان وكذلك التصدق على المساكين.
أما النسك وهو ذبح الشاة فيختص بالحرم.
والسائل يقول أنه مريض ويضره لبس الإحرام فيسوع له والحالة هذه أن يلبس المخيط وعليه كفارة يتخير فيها على الوجه المشار إليه فان زال عذره واستمر على لبس المخيط أو عاد ولبسه بعد زوال العذر فانه تجب عليه كفارة لا يتخير فيها بل يذبح شاة ويتصدق بلحمها من غير أن يأكل منها.
ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال. والله سبحانه وتعالى أعلم
يتبع