الحكم الشرعي لجراحة إصلاح غشاء البكارة
أ. د. عبد الله مبروك النجار
رأينا في المسألة:
ولهذا نرى أن إجراء جراحة رتق غشاء البكارة لمن اشتهرت بالزنا أمر جائز ولأنها تشملها أدلة الجواز في الحالات الأخرى.
ومثلها في الحكم من قدمت للقضاء في جريمة الفحشاء وقرأ الناس خبرها على صفحات الجرائد السيارة، أو أشيع أمرها على قنوات البث الفضائية أو المحلية.
المقصد الثاني: الجواز في الحالات التي لا تمس الأخلاق وتعذر فيها الفتاة
هناك حالات يصاب فيها غشاء البكارة بالفتق دون أن يحدث للمرأة ما يدل على سوء أخلاقها أو انحراف طبعها؛ وذلك كما لو حدث الرتق كعيب خلقي ولدت به الفتاة؛ فإن لكل امرأة غشاء بكارتها الخاص بها والذي يختلف عن الأخرى بما يميزه عنها كالبصمة الخاصة الذي يميز كل امرأة عما سواها، ومن ثم فإنه يحتمل في أصل خلقته أن يكون به بعض التمزق، أو أن يكون غشاء البكارة مسنن الحواف فيبدو وكما لو كان ممزقًا بفعل فاعل.
وقد يحدث تآكل الغشاء بسبب حادث يصيب منطقة الفرج عندما تسقط الفتاة على جسم صلب بارز والساقان متباعدتان، أو مرض الفتاة بالغرغرينا أو التقرحات أو الجمرة الخبيثة، أو بسبب إدخال جسم غريب من قبل صاحبته لاختلال عقلها أو وهن قواها الذهنية، ومن ذلك أن يقع الفتق في سن مبكرة، أو يتم الرتق بحضور الزوج وموافقته، أو بسبب استئصال أورام، أو نتيجة التعذيب، أو بسبب الاغتصاب كما حدث لفتيات البوسنة والهرسك، أو أن يكون الغشاء مسدودًا عديم الفتحات ويحجز دم الحيض مما يؤدى إلى انتفاخ بطن الفتاة، ويحتاج تصريفه إلى عملية فتق له حتى يتم تصريف الدم وتنجو من الهلاك ولمنع تجمعه مرة أخرى، وهى كلها حالات تعذر فيها الفتاة.
أدلة جواز الجراحة في تلك الحالة:
ومما يدل على جواز الجراحة في تلك الحالة أنها لن تنطوي على غش، ولن تمثل تدليسًا من قبل الفتاة أو أهلها؛ لأنها حسنة السلوك، ولا يوجد في سلوكها ما يؤخذ عليها، ومن ثم انتفي المبرر الذي من أجله قال المانعون بعد جواز إجرائها، ومع ذلك فإنه يمكن أن يستدل للجواز هنا بما يلي:
أولاً: أن ما حدث للغشاء من فتق في تلك الحالة قد وقع قهرًا على الفتاة دون إرادة منها، ودون اختيار لها، ومن ثم صار كالمرض الذي يقع على المريض ويجيز له طلب الشفاء بالعلاج والتداوي منه.
ثانيًا: أن لأصحاب تلك الحالات حقًا في الستر عليهن، وهذا الحق ثابت بأدلة قوية من كتاب الله- تعالى- وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الأدلة: في الكتاب قول الله- تعالى-: }إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ{ ؛ فقد توعد الله من يعملون على إشاعة الفحش في مجتمع المؤمنين بما يجعل كل عمل مؤد إلى منع ذلك من مطلوبات الشارع، ومنه إجراء ما يستر العرض، ويقطع قالة السوء، وإجراء جراحة الترقيع التي لن يضار بها أحد ولن يقصد بها غش، ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة"، ولما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبى هزال الذي أغرى ماعزًا وحرضه على الاعتراف بما وقع منه من إثم الزنا: "لو سترته بثوبك لكان خيرًا لك"، فإن هذه الأدلة وغيرها تدل على أن ستر الإنسان على نفسه واجب؛ كما تدل على أن ستر المجتمع عليه أوجب؛ لأن نشر ما قد يكون قد اقترفه من المفاسد سوف يحرض ذوى النفوس الضعيفة لفعل مثله، ومن ثم فإنه يدخل في باب إشاعة الفحش المتوعد عليه، وهتك الستر المنهي عنه، ومن باب الستر محو الآثار التي قد توصل إليه، ومنها فتق غشاء البكارة، فيجوز إجراء الجراحة الطبية المُصْلحة له.
والستر إذا كان مطلوبًا بحق من تورطوا في المعاصي فإنه يكون مطلوبًا بحق من لم يقترفوها من باب أولى؛ ولأن الستر عليهن يحميهن من مؤاخذات ظالمة، وأن هذا الرتق يساعد الفتيات على العفة والطهارة.
الفرع الثاني: حالات الاختلاف في حكم إجراء جراحة الرتق العذري
فيما عدا الحالات التي جرى الاتفاق على حكم إجراء جراحة الرتق العذري فيها بالجواز وعدمه، تبقى بعض الحالات التي اختلف فيها الباحثون المعاصرون؛ حيث رأى بعضهم جواز إجراء تلك الجراحة فيها، ورأى آخرون عدم جواز ذلك، ومن تلك الحالات: إصلاح الفتق العذري الذي حدث بسبب واقعة زنا لم يشتهر بين الناس، فقد اختلفت كلمة الباحثين فيها إلى قولين، قول بعدم الجواز مطلقًا، وقول بالجواز، والذين قالوا بعدم الجواز ألحقوا بها كل حالات إجراء تلك الجراحة ومنها تلك التي وقع الاتفاق على حظرها، وتلك التي يبدو- جليًّا- وجه الجواز فيها؛ حيث منعوا إجراء تلك الجراحة في جميع حالاتها، وترك حال الغشاء على ما هو عليه مهما كانت النتائج التي تترتب على بقائه ممزقًا، فإنها- في نظرهم- لن ترقى إلى مرتبة المفاسد التي سوف تترتب على إصلاحه، ويمكن بيان كل قول وأدلته في مقصدين كالتالى:
المقصد الأول: أدلة القائلين بعدم جواز إجراء جراحة الرتق العذري ومناقشتها
استدل أصحاب الرأي القائل بعدم جواز إجراء تلك الجراحة من السنة والمعقول وذلك كما يلي:
أولاً: من السنة النبوية:
1. بما روى عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من غشنا فليس منا".
ووجه الدلالة في هذا الحديث الشريف على المطلوب:
أن النبى صلى الله عليه وسلم قد بين أن من يغش المسلمين فليس منهم، أي خارج عن جماعتهم أو هو عدو لهم، كما في قوله- عليه السلام-: "من حمل علينا السلاح فليس منا"، والخروج على المسلمين ومعاداتهم حرام، فيكون الغش حرامًا، وهذا مما لا خلاف فيه، وقد جاء تحريم الغش في الحديث عامًا، فيشمل غش الأشياء كما يشمل غش الأشخاص، والخطر في الحالة الأخيرة أولى؛ لأنه يؤدى إلى خراب البيوت وتعطيل الفتيات عن ممارسة دورهن بالزواج، فيكون الخطر فيهن أقوى وأوضح، وإجراء جراحة إصلاح الغشاء العذرى من هذا القبيل، فيكون منعها داخلاً ضمن وجه الدلالة فيه.
وللزوج حق الفسخ إذا اشترط أن تكون زوجته عذراء، ثم استبان له خلاف ذلك، وإجراء الطبيب لتلك الجراحة يفوت عليه الحق، ويخدعه حين يوهمه أنها عذراء، وهى ليست كذلك.
مناقشة الاستدلال بهذا الحديث الشريف:
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأن الغش المنهي عنه هو الذي يتعلق بعوارض النفس الإنسانية من الأشياء التي تقوم بها كالسلع والمصنوعات وما إليها، وهذا المعنى بعيد عن موضوع بحثنا؛ لأنها تتعلق بجراحة تقوِّم خللا حدث في الحياة، ولو ترك وشأنه لأدى إلى مضار سوف تطيح بها، ولهذا كان اللجوء إليه سدًا لذريعة تلك المفاسد الكبرى، والقول بأنه غش فيه مصادرة على المطلوب من النظر في حقيقته وما يكتنفه من المصالح الكبرى المتلبسة ببعض المفاسد التي لا يمكن أن تؤثر على حكمه طالما غلبت المصلحة فيه على المفسدة، والقول بأن فيه غشًا يراعى جوانب المفسدة ويترك وجوه المصالح الكثيرة الموجودة منه، ومثل هذا النظر لا يمكن أن يؤدى إلى حكم صحيح.
ثم إن معنى الحديث لا يفيد ما ذهب إليه أصحاب هذا الرأي؛ فعبارة: فليس منا، جاءت في لفظ لمسلم: "فليس منى"، معناه ليس ممن اهتدى بهدي، واقتدى بعلمي وعملي وحسن طريقتي- كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني، والاهتداء بهديه صلى الله عليه وسلم يعنى أن يراعى من يقتدي به وجوه المصالح والمفاسد في الأمور، فإن غلبت المصلحة في الشيء على المفسدة أخذ به، وإن كانت الأخرى تركه إعمالا لمنهجه- عليه السلام- في نبذ الفساد والبعد عنه، والذين يقولون إن في إجراء تلك الجراحة غشًّا خالصًا دون أن يبرزوا ما فيها من جوانب المصلحة لم يراعوا هذا الهدى النبوي، وعليه لا يكون هذا الحديث دالاً على ما ذهبوا إليه، وما قيل من أن للزوج حق الفسخ إذا اشترط أن تكون زوجته بكرًا وتبين له خلاف ذلك، فإن هذا القول ليس عملاً بالراجح من أقوال الفقهاء؛ وإنما هو عمل بالرأي المرجوح بل الضعيف والذي يخالف رأى جمهور أهل العلم في المذهب الحنفي والمالكي والشافعي، وأحد قولين للإمام أحمد، وعلى فرض تساوى القولين، فإنه لا ينكر المختلف فيه، ومن ثم يكون للعمل بالقول الآخر- وجه- يرقى به إلى الجواز.
2. وبما روى عن أم كلثوم- رضي الله عنها- أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمى خيرًا أو يبلغ خيرًا"، متفق عليه، وزاد مسلم في رواية: "قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث: تعنى الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها".
ووجه الدلالة في هذا الحديث على المطلوب:
قال الذين لا يجيزون إجراء جراحة رتق غشاء البكارة: إن الكذب حرام بالإجماع؛ لأن المؤمن لا يكون كذابًا؛ ولأن الكذب هو أس جميع الموبقات، وقد بين الحديث أن هناك حالات مستثناة من حرمة الكذب، فيجوز فيها أن يقع، وليست عملية ترقيع غشاء البكارة من بينها، فتكون باقية على أصلها وهو الكذب الذي يستر حقيقة مرة هى ثيوبة الفتاة، ويظهر ما يخالفها وهى البكارة، والكذب حرام، فتكون حرامًا.
مناقشة الاستدلال بهذا الحديث:
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال، بأن تلك الاستثناءات ليست من قبيل الكذب المحرم؛ لأنها ليست منه، أو ليست كذبًا؛ لأن الكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع على وجه يتمحض ضررًا، فإذا خلا من الضرر، بأن كان لمصلحة غالبة ترجى منه لا يكون من قبيل الكذب المحرم؛ بل يكون عملاً صالحًا، ولا يقتصر حكمه على الإباحة فقط؛ بل قد يكون واجبًا، كما في الكذب على الأعداء في الحرب، فإنه ليس مباحًا؛ بل هو واجب حماية للدين وأرواح المسلمين وإجراء جراحة رتق غشاء البكارة من هذا القبيل؛ لأنه يتمحض عن مصالح غالبة أو خالصة، وذلك في الحالات التي لا ينطوي فيها على غش أو تدليس أو ستر لانحراف في الفتاة، وحيث لم يكن ذلك من قبيل الكذب- أصلاً- فلا يسرى عليه حكمه، ولا يكون حرامًا؛ بل يكون على أصل ما وردت به تلك الحالات الثلاث، وهى الإباحة، أو الوجوب إذا كان المقصود من إجراء الجراحة دفع ضرر محقق لا مناص من دفعه إلاَّ بها.
إن مناط الكذب المحرم هو ستر الحقيقة، وهذا الستر لا محل له في حالة ما إذا كان القصد من الجراحة إزالة فتق لم ينشأ عن انحراف؛ وإنما بسبب تعذر به الفتاة ولا يسوغ محاسبتها عليه كتلك الحالات التي تجرى بها المقادير، وتسوق أحداثًا غير إرادية من قبلها، وتؤدى إلى فتق غشاء بكارتها، فقد روى الزهري أن رجلاً تزوج امرأة فلم يجدها عذراء كانت الحيضة قد خرقت عذريتها، فأرسلت إليه عائشة- رضي الله عنها: إن الحيضة تذهب العذرة يقينًا، وعن الحسن الشعبي وإبراهيم في الرجل إذا لم يجد امرأته عذراء ليس في ذلك شىء؛ لأن العذرة تذهبها الوثبة، وكثرة الحيض، والتعنيس، والحمل الثقيل، والتعميم في بيان الحكم غير صحيح؛ كما أن التخصيص فيه بدون مخصص وهو لا يجوز، وعليه يكون الحديث غير دال على المطلوب.
ثانيًا: من المعقول:
وقد استدل القائلون بعدم جواز إجراء تلك الجراحة من المعقول فقالوا:
1. إن رتق غشاء البكارة قد يؤدى إلى اختلاط الأنساب من جهة أن المرأة قد تحمل من الجماع السابق، ثم تتزوج بعد رتق غشاء بكارتها، وهذا يؤدى إلى إلحاق هذا الحمل بالزواج واختلاط الحلال بالحرام.
مناقشة هذا الاستدلال:
وما ساقه المانعون لإجراء تلك الجراحة من هذا الوجه سقيم، ولا يمت لموضوع اختلاط الأنساب بصلة؛ لأن لإثبات النسب أسبابًا محددة في الشرع لا تتوقف على وجود البكارة أو عدم وجودها؛ بل إن البكر قد تحمل في بعض الحالات التي يحدث العلوق فيها من انفلات نطفة الزوج من فتحته التي يخرج منها دم الحيض كل شهر، والبول كل وقت، ومن ثم لا صلة له بإثبات النسب أو باختلاطه، وحيث كان أمره مع النسب كذلك، لا يكون للتمحك في إلصاق جراحة العذرية به معنى، وعلى هذا يتعين رده؛ لأنه يحرم مباحًا، وتحريم المباح مثل تحليل الحرام كلاهما لا يجوز.
2. قالوا: إن هذه العملية تسهل للفتيات ارتكاب جريمة الزنا، لعلمهن بأن رتق غشاء البكارة ممكن بعد الجماع.
مناقشة هذا الاستدلال:
والاستدلال بهذا الوجه من المعقول مردود بأن فيه من التخيل والافتراض ما لا يلائم الواقع؛ لأن الانحراف في ذاته ليس سهلاً على الفتاة التي أودع الله داعي الفطرة العفيفة بين جنباتها، والتي يغلبها الشيطان ويسوقها الهوى لارتكاب هذا الفعل المنافي لتلك الفطرة الكامنة في أعماقها لن تنتظر إجراء جراحة تستتر بها، فالتحريم لتلك العلة فيه من القصور ما لا يصلح لإسناد الحكم إليه؛ لأنها قاصرة؛ بل وموهومة، وعليه لا يكون للتعليل بها معنى، ولا تصلح لما سيقت له، وهو منع إجراء تلك الجراحة؛ بل إن المرأة قد تعاشر جنسيًّا لسنوات عدة دون أن يحدث تمزق لغشاء بكارتها؛ بل قد يظل هذا الغشاء سليمًا عقب الإجهاض.
3. قالوا: إن في إجراء تلك الجراحة عونًا على المنكر، وتشجيعًا للأطباء على القيام بعمليات الإجهاض، وإسقاط الأجنة بحجة الستر.
مناقشة هذا الاستدلال:
ولا يستقيم القول بأن إجراء جراحة رتق غشاء البكارة، فيه عون على المنكر أو اطلاع على العورة كما قالوا؛ لأن المنكر لا يكون منكرًا إلا إذا خلا من المصالح واستغرقته المفاسد، وهذه الجراحة ليست كذلك؛ بل إن فيها نفعًا يفوق مفسدة الاطلاع على العورة، ويبرر وجوده إذا حصل، وفي هذا يقول العز بن عبد السلام: كشف العورة والنظر إليها مفسدتان محرمتان على الناظر والمنظور إليه لما في ذلك من هتك الأستار لكنه يجوز لمصلحة أرجح مثل: المداواة، والشهادة على العيوب وغيرهما؛ فهذا يبرر النظر إلى العورة.
وما يقال من أن فيه تشجيعًا للأطباء على إجراء عمليات الإجهاض، يعد قولاً مغرقًا في الافتراض والخيال؛ لأن من يريد الانحراف من الأطباء لن ينتظر فتوى تحفزه للانحراف؛ بل إنه لو كان منحرفًا لما عنى بالبحث عن الحكم الشرعي فيما يريد أن يقدم عليه من الجراحات، ولو استمر هذا الافتراض على شروده لقلنا إن الطبيب لن يقف عند حد إصلاح الفتق العذري، أو الإجهاض؛ بل سيتجاوز هذا النطاق إلى سرقة أعضاء المرضى؛ بل وإلى قتلهم، فهل إباحة ترقيع الغشاء ستكون هي السبب في ذلك؟ إن تحميل أمرها ما لا يحتمله لن يساعد على استخراج حكم فقهي صحيح؛ ولهذا كان أسلوب استنباط هذا الحكم غير صالح لما أقيم له، ومن ثم يبطل ما ترتب عليه.
ثالثًا: من قواعد الفقه الكلية:
كما استدل القائلون بعدم جواز إجراء الرتق العذري بقواعد الفقه الكلية فقالوا: إن من بين تلك القواعد المؤيدة لما ذهبوا إليه ما يلي:
1. الضرر لا يزال بالضرر:
ومن مقتضى تلك القواعد، إن ضرر حدوث فتق الغشاء العذري للفتاة، لا يجوز إزالته بضرر إلحاق الغش بالزوج، فلا يجوز فعله، وذلك مجمل ما قالوه.
مناقشة الاستدلال بتلك القاعدة:
ويمكن أن يرد على هذا الاستدلال، بأن الضرر الحادث للفتاة بسبب الفتق العذري، لن يزال بضرر إلحاق الغش بالزوج؛ لأن الغش غير موجود وغير حاصل، لاسيما إذا كانت الفتاة حسنة السلوك، أو ترغب في التوبة التي فتح الله أبوابها لكل عاص على مصراعيه.
2. يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام:
لقد استدل القائلون بعدم جواز إجراء تلك الجراحة بالقاعدة القاضية بأنه: يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام، وقالوا- تطبيقًا لذلك-: إن فتح الباب لرتق غشاء البكارة بحجة الستر على الفتاة، ودفع الضرر عنها، يمثل ضررًا خاصًا يقوم على حساب ضرر عام يتمثل في فتح أبواب الشر على المجتمع، فيتعين تحمل الضرر الخاص للفتاة منعًا لهذا الضرر العام.
يتبع