عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 14-03-2019, 05:27 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,027
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الحكم الشرعي لجراحة إصلاح غشاء البكارة

الحكم الشرعي لجراحة إصلاح غشاء البكارة
أ. د. عبد الله مبروك النجار





حالات زوال البكارة في المرأة:
وحالات زوال البكارة في المرأة قد تكون بسبب سوء السلوك وانحراف الأخلاق، وقد تكون من زواج سابق انتهى بأقرب الأجلين الطلاق أو الوفاة، وقد تكون بسبب لا يمت إلى سوء الأخلاق بصلة، وتعذر الفتاة بسببه، ويجدر بيان تلك الحالات الثلاث بشيء من التفصيل الذي يقتضيه حال هذا الموطن من البحث.
أولاً: زوال غشاء البكارة بسبب سوء الأخلاق:
من المعلوم أن الغش في اختيار الزوجة هو الذي يجعل من إجراء تلك الجراحة أمرًا بالغ السوء لمن يقوده حظه للوقوع فيه، فإذا ما خلت المسألة من الغش ولم يكن الدافع لتلك الجراحة عملاً يستر انحرافًا أخلاقيًّا، فإن وطأة المحظور من إجرائها سوف تقل حدَّة؛ بل وقد تتلاشى فلا يبقى لها في النفس أثر.
وعليه، فلو أن الفتاة أو أهلها كانوا يريدون من إجراء تلك الجراحة ستر انحراف الفتاة التي اشتهرت بذلك وشاع أمرها، وتسويق زواجها لمن تقدم للارتباط بها، يكون بيان الحكم الشرعي في تلك الحالة أمرًا ملحًا؛ حيث تنازعه اعتباران متعارضان هما: مصلحة الفتاة التي زالت بكارتها في الستر على نفسها، ومصلحة من يتقدم للارتباط بها في أن يجد ما يرجوه من الثقة فيها، ووجود هذين الاعتبارين يحتاج إلى موازنة لبيان وجه الأولوية فيهما.
ثانيًا: زوال البكارة بسبب زواج سابق:
ولنفس المعنى الذي تقصد البكر للزواج من أجله، فإن بكارة المرأة إذا زالت بسبب مشروع، أو لا يمت لسوء الأخلاق بصلة، بأن كانت قد أزيلت بسبب معاشرة من زواج سابق، فإن الكتمان هنا يعد نوعًا من الغش أيضًا؛ لأن إصلاح الرتق سوف يحول الثيب إلى بكر بخلاف الحقيقة مما يرغب الخطاب فيها ويؤدى إلى رفع مهرها، ومن ثم يعتريه الوجهان المتعارضان من المصلحة الموزعة بين كل منهما بما يجعله بحاجة إلى موازنة ومفاضلة بين زيادة المهر على الزوج، وادعاء البكارة من المرأة كذبًا.
ثالثًا: زوال البكارة بسبب تعذر به الفتاة:
ولو أن الفتاة لم يكن قد سبق لها الزواج، وأزيلت بكارتها بسبب تعذر به، ولا يدل على انحراف أخلاقها، فإن إجراء الجراحة قد يكون حكمه أوضح، والوصول إليه أيسر؛ لأن مصدر القلق من إجرائها هو مظنة ستر الانحراف بها، وهو غير موجود في تلك الحالة، وذلك مما يجعل الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح فيها أمرًا ميسورًا.
ومن قبيل ذلك: زوال البكارة بالصدمة أو السقوط من مكان مرتفع، أو حمل شيء ثقيل، أو خطأ إجراء جراحة طبية، ويلحق بذلك الاغتصاب الذي يقع عليها بالإكراه ولا حيلة لها في دفعه، وكذلك الاعتداء الذي يقع عليها وهى مخدرة أو نائمة، أو وهى صغيرة يسهل خداعها؛ كما يمكن أن يلحق بذلك حالة الوقوع في الزنا الذي لم يشتهر بين الناس، وذلك لتساويه مع الحالات السابقة في رفع العنت عن الفتاة وأهلها إذا ما أرادت أن تستقيم على طاعة الله وتتحمل مسئوليتها في قيام أسرة جديدة.
المقصودون بخطاب الشارع في جراحة غشاء البكارة:
والمقصودون بهذا الحكم هم أولئك الذين يقومون بتلك الجراحة أو يوافقون عليها، وهم- في نظرنا- طرفان:
أولهما: المرأة التي تعنى بهذا الفعل، فهي المستفيدة منه، وهى التي تبدأ أولى مراحل تنفيذه، حيث تذهب إلى الجراح للقيام به، ورغم أن المصلحة من إجراء تلك الجراحة تتعلق بها وراجعة إليها، إلا أنها لا تمثل الفاعل الأصلي فيها؛ وإنما هي شريك في القيام بها بالتحريض والمساعدة، فهي التي توافق عليها، وهى التي تسعى إلى الطبيب محرضة على فعلها، وراجية أن ينقذها من الورطة التي أوقعتها فيها، وهى التي تقدم الأجر له بما يغريه على إنجاز ما تطلبه؛ كما أنها هي التي تساعده على القيام بتلك الجراحة، حيث تمكنه من جسمها، وتخضع بإرادتها لما يقتضيه إتمام القيام بها.
ويشترك أهل الفتاة- حال علمهم- في هذا القدر من صلة الفتاة بها؛ كما يدخل زوجها إذا أراد إعادة رتق غشاء بكارتها للاحتفال بيوم زواجه كما جرت عادة بعض المحدثين بذلك، واشتراكهم معها في فعلها قد يكون متوافقًا مع كافة عناصر الاشتراك، وهى الاتفاق والتحريض والمساعدة، وقد يكون متجاوزًا لها إذا كان لهم من التأثير على الفتاة ما يقنعها بالقيام، أو عدم القيام بها.
ثانيهما: الطبيب الذي يجرى تلك الجراحة؛ لأنه الفاعل الأصلي فيها، وبدون قبوله للقيام بها، لا يكون من الممكن أن تتم، ولو أنه لم يرد أن يقوم بها لأمكنه أن يقنع الفتاة بما يمكن أن يعود عليها من المضار الصحية، وهى ما قد يكون دافعًا لإقلاعها عنها وعدولها عن إجرائها، وللطبيب- بحكم صلته بمريضه- قدر كبير من الهيمنة على إرادته وشخصيته بما يجعل لقراره في أمر إجراء تلك الجراحة القول الفصل، ومن ثم كان توجيه الخطاب له في بيان حكم تلك الجراحة أمرًا مؤكدًا، ويدخل معه في المساءلة عن هذا الحكم أولئك الذين يساعدونه في إجراء الجراحة من طاقم التمريض وأصحاب المستشفي الذي تجرى فيه تلك الجراحة، ومن يقدمون له الأجهزة والأدوات التي يمكنه من القيام بها، فإن هؤلاء جميعًا يعدون مشاركين للطبيب بالمساعدة في إجرائها، ويكونون جميعًا مقصودين بخطاب الشارع الحكيم- سبحانه- في بيان إجرائها، والوصف الشرعي لها، فإن كان بالإباحة فعلوها، وإن كان بالتأثيم تركوها، ويكون بيان هذا الحكم بعد تحديد مناطه والمخاطبين به أمرًا مهمًّا.
المبحث الثاني: آراء الفقهاء في حكم جراحة رتق غشاء البكارة
يقتضى بيان تلك الآراء تحديد موضوع الحكم ومحله في هذا الموضوع، وهو الجراحة الطبية المتعلقة بإصلاح الفتق العذري وخصائصها، وتحرير محل النزاع بين الباحثين في المسألة؛ وذلك على نحو يبين ما اتفقوا على حكمه فيها جوازًا أو منعًا، وما اختلفوا فيه وأدلتهم مع مناقشتها وبيان الرأي الراجح منها؛ وذلك في مطلبين، أولهما: للتعريف بجراحة إصلاح الفتق العذري وبيان خصائصها، وثانيهما: لبيان تحرير محل النزاع في حكم جراحة رتق غشاء البكارة.
المطلب الأول: التعريف بجراحة الرتق العذري وبيان خصائصها
موضوع الحكم في هذا الموضوع محله الجراحة الطبية التي تجرى لإصلاح الرتق الذي طرأ على غشاء البكارة في المرأة بمزيل أدى إليه أو فعل تسبب في فتقه فيكون الرتق بالجراحة هو الفعل الذي يصلح ذلك الفتق، وقد عرف الفقهاء موضوع الحكم في اللغة واصطلاح الفقهاء على نحو يجعل من المفيد أن نشير إليه:
الرتق لغة: إصلاح الشيء وسده وإعادة التحامه مع بعضه، يقال: رتق فتق الشيء، أي أصلح شأنه، ورتق فتق المتخاصمين، أي أصلح بينهم، ومن ذلك قول الله- تعالى-: }أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَ ا{، والمرأة الرتقاء هي التي انسد موضع الإتيان من قبلها فلا تعود صالحة لأن تؤتى منه.
وفي اصطلاح الفقهاء: هو العمل الجراحي الذي يقصد به إصلاح ما طرأ على غشاء البكارة من تمزيق بأي سبب من الأسباب، أو هو إصلاح الغشاء وإعادته إلى مثل ما كان عليه قبل التمزق بواسطة الجراحين المختصين.
ومن خلال تعريف الجراحة التي تجرى لإصلاح غشاء العذرة في المرأة يمكن القول: إن لتلك الجراحة خصائص تميزها عن غيرها من الأعمال الطبية العلاجية، وذلك كما يلى:
أولاً: أنها عمل طبي يتعلق بالبدن ويتضمن مساسًا به، ولو لم يكن هذا المساس على النحو الذي تمليه الأعراف وما يجرى عليه العمل في المجال الصحي فإنه سيؤدى إلى مضار صحية تتنافي وما هو مطلوب للمحافظة على الحياة؛ ولذلك يجب أن يمارسها طبيب مختص، وأن تتم وفقًا للأصول العلمية والطبية والصحية السليمة.
ثانيًا: أنها ليست علاجًا من مرض عضوي يؤلم صاحبته أو يعطل أحد الأجهزة الحيوية فيها، حيث لا يترتب على فتق غشاء البكارة من الناحية البدنية أو التشريحية البحتة آثار صحية تظهر على هيئة آلام، أو تؤدى إلى اختلال في الوظائف العادية للجسم؛ ولذلك كان معنى التداوي فيها ثانويًّا لا يستهدف استقامة وظائف البدن- في ذاته-؛ وإنما يتوخى إصلاح الوضع النفسي والاجتماعي للمرأة في ظل أعراف لا تتعامل مع من تفقد عذريتها بالرفق والرحمة؛ وذلك من باب الحرص على الفضيلة، والخوف على الأخلاق الاجتماعية العامة.
ثالثًا: أن طبيعة الجراحة لا تفرض على الطبيب أن يبادر إلى إجرائها؛ لأنها ليست من الجراحات التي تتطلب سرعة الإنجاز إنقاذًا للحياة، أو إيقافًا لتدهور سريع ومتلاحق لو لم يتم التدخل الفوري لإنقاذه سوف تفقد البشرية نفسًا حرمتها عند الله أعظم من حرمة الكعبة، ومن شأن طبيعة تلك الجراحة أن تتيح للطبيب قدرًا كافيًا من الوقت الذي يستطيع أن يوازن فيه بين المصالح والمفاسد في إجرائها، أو أن يمارس الدور الأخلاقي الذي يمليه عليه واجبه كطبيب مسئول عن ممارسة الحكمة متزامنة مع ممارسة المهنة، وقد يستطيع الطبيب- من خلال ثقة المريض فيه وإدلائه بالأسرار المتعلقة بخصوصيات حياته أمامه- أن يجد مدخلاً للتوجيه الذي يؤمن كثيرًا من المحظورات التي يثيرها إجراء جراحة رتق غشاء البكارة.
رابعًا: أن الجراحة التي تجرى لرتق غشاء البكارة، شأنها شأن أي جراحة أو عمل طبي ينطوي على المفاسد والمصالح؛ بل لا يوجد من مصالح الحياة ما هو خال تمامًا من المفسدة سوى الإيمان بالله وإتباع هديه، وعليه، فلو أن إجراء تلك الجراحة قد تزامن مع بعض المفاسد التي تتعارض مع المصلحة في إنجازها، فإنه لابد من الترجيح بين المصالح والمفاسد فيه وفقًا للمعايير الفقهية المقررة، ومنها تلك التي تقضى بأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة؛ فإذا تعارضت مفسدة مع مصلحة قدم دفع المفسدة غالبًا؛ لأن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات؛ ولذا قال صلى اله عليه وسلم: "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه"، يقول ابن نجيم: ومنه الكذب فإنه مفسدة محرمة؛ لكنه متى تضمن جلب مصلحة تربو على مفسدته جاز، كالكذب للإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لإصلاحها، وهذا النوع راجع لارتكاب أخف المفسدتين في الحقيقة.
خامسًا: لا يسوغ القول- في مجال إجراء تلك الجراحة- بأن مصلحة الفتاة أو المرأة فردية، ومصلحة شيوع الفحش في المجتمع والتشجيع عليه مصلحة عامة، وأنه إذا تعارضت المصلحتان قدمت المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فإن مثل هذا التخريج لو حصل لن يصيب مقصد الشارع من حماية النفس والعرض، فإن حماية نفس واحدة إنما هو بمثابة حماية لأنفس الناس جميعًا، والتعدى على نفس واحدة بمثابة تعد على أنفس الناس جميعًا، وهذا هو المقصود الشرعى بقول الله- تعالى-: }مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا{، وحماية العرض تجئ وفقا لحماية النفس لتساوى المصالح فيهما، وهذا ما يفيده حديث النبي صلى اله عليه وسلم: "إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم حرام عليكم"؛ فجعل حرمة العرض وما يعنيه من المحافظة على كرامة صاحبه وسمعته مقارنًا لحرمة النفس؛ وهذا يدل على أن الأحكام التي تتعلق بالمحافظة عليها تسرى عليه، للمساواة بينهما؛ ولأن المصلحة المتعلقة بالمرأة في إجراء تلك الجراحة تَرقى على المصلحة العامة المتعلقة بحق الله- سبحانه-؛ لأن تلك الأخيرة مبناها على الصفح والمغفرة، وصاحبها وهو الله؛ أرحم بعبده من أن يطارده بالانتقام منه؛ ولذلك كانت مظنة العفو، أما الأولى فإن مبناها على المماكسة والمشاحة؛ ولذلك كان العفو فيها مغلوبًا، والاقتضاء مطلوبًا، فترجح على الثانية.
المطلب الثانى: تحرير محل النزاع في بيان حكم جراحة رتق غشاء البكارة
هناك حالتان اتفقت كلمة الباحثين على حكم إجراء جراحة رتق غشاء البكارة فيهما، الأولى: بعدم الجواز مطلقًا، ونحن لا نوافقهم فيما ذهبوا إليه لضعف أدلتهم على ما اتفقوا عليه، والثانية: بالجواز؛ وذلك لانتقاء علة التدليس فيها ورجحان جانب الستر في صاحباتها، وفيما عدا هاتين الحالتين وقع الاختلاف بين الباحثين حول مدى جواز إجراء تلك الجراحة فيها، ويجدر بيان ذلك في فرعين كالتالي:
الفرع الأول: حالات الاتفاق في حكم جراحة رتق غشاء البكارة
هناك حالتان يمكن أن تستوعبا عددًا من الأمثلة، اتفقت كلمة الباحثين المعاصرين حول حكمهما، وهما:
الأولى: حالة تلك التي زالت عذريتها واشتهرت بالزنا ولم يعد لإصلاح سمعتها أو الستر عليها رتق لعذريتها أو غيره.
والثانية: حالة من زالت عذريتها بسبب تعذر به ولا يمت للخيانة أو التدليس أو سوء الأخلاق بصلة، لكن يخشى عليها من مضار المعوقات الاجتماعية التي لا ترحم- بحكم الأعراف والعادات- من زالت عذريتها دون أن يسبق لها الزواج، والتي لا تقبل أي تبرير له، ويغلب عليها سوء الظن أكثر من الإحسان فيه، وبيان ذلك في مقصدين:
المقصد الأول: منع إجراء الجراحة لمن زالت عذريتها بسبب سوء سلوكها
إذا كانت المرأة قد زالت عذريتها بسبب سوء سلوكها، واشتهر أمر انحرافها وممارستها للفحش بين الناس، فإن إجراء الجراحة التي تعيد لها العذرية سوف يؤدى إلى ستر أمور مشينة عن علم من يريد أن يرتبط بها، وهو لا يقبل بغير استقامة سلوكها طريقًا لذلك، ولو أنه علم عنها أنها ليست عذراء ما أقدم على الارتباط بها ولفرَّ منها كما يفر من المجزوم فراره من الأسد، لاسيما إذا كانت قد فقدت عذريتها بسبب انحراف سلوكي اشتهر بين الناس، ومثل تلك التي زالت بكارتها بسبب زنا اشتهر بين الناس لن يجدي الترقيع أو الإصلاح أو الرتق بالجراحة معها شيئًا؛ ولذلك اتفقت كلمة الباحثين المعاصرين على أنه لا يجوز رتق غشاء البكارة في تلك الحالة؛ لأن أمرها إذا كان مفتضحًا لم يكن للستر عليها فائدة، ولن يكون للجراحة الساترة لفتق بكارتها أثر في إشاعة حسَن الظن بين الناس حيث شاعت دوافع سوء الظن بها بشيوع أمر الفاحشة، وإذا كان إجراء الجراحة لها خلوا من الفائدة المرجوة منه يكون فعلها عبثًا ويترجح القول بتحريمه على القول بجوازه.
أدلة تحريم الجراحة في تلك الحالة:
وأدلة تحريم إجراء الجراحة في تلك الحالة تعتبر من قبيل الاستدلال بالمعقول، وإن كانت تعتمد على فهم بعض النصوص الشرعية، وهى تتمثل فيما يلى:
أولاً: أن المشهور بالفاحشة والزنا شخص يخرج من دائرة الستر الذي طلبه الشارع للعصاة والمجرمين؛ لأن شيوع الفاحشة واشتهارها يعنى أنها متكررة ومعتادة، ومعتادو الإجرام لا ينبغي الستر عليهم؛ وإنما يتعين فضحهم؛ ولما كانت الجراحة من قبيل الستر على من يرجى صلاح حاله وهؤلاء لا يرجى صلاح حالهم يكون عدم جواز إجرائها لهم هو القول الراجح؛ ولأن في الستر عليهم ما ينافي إعلاء شعار الدين، وزجر المفسدين؛ ومما يدل على ذلك قوله صلى اله عليه وسلم: "كل أمتي معافي إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح، وقد ستر الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله"؛ فقد أفاد هذا الحديث أن مستور المعصية متروك وشأنه، وأما من يشيعها عن نفسه حتى يشتهر بها بين الناس، فذلك مستثنى من هذا الإعفاء، وعليه يجوز فضحه؛ ولأن من فرط في حق نفسه، وفضحها، لا يلومن غيره إن هو أشاع عنه ما أشاعه هو عن نفسه، ومن يظهر الفسق ويجاهر به يكون عرضه حلالاً من الغيبة فيجوز ذكره بالسوء الذي اشتهر به.
ولأن المرأة إذا ظهر زناها لا يجوز للرجل الصالح أن يتزوج منها؛ لأنها لا تنكح إلا مثلها؛ وذلك لقوله صلى اله عليه وسلم: "الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله"، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً من المسلمين استأذن النبي صلى اله عليه وسلم في الزواج من امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تمارس السفاح، واشترطت أن تنفق عليه، فذكر أمرها للنبي صلى اله عليه وسلم فقرأ عليه قول الله- تعالى-: }الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ{.
ووجه الدلالة في الآيتين: أن الرجل لا يجوز له أن يتزوج ممن ظهر منها الزنا؛ فإذا كان شأنها كذلك فلن يجدي معها ستر أو رتق، وبالتالي لن يستقيم لها إجراء الترقيع العذري الذي يسترها حتى لا ينقلب إلى أداة لحل ما حرمه الله- تعالى- بقوله: }الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً {، أي نكاح الزانيات اللاتي اشتهرن بالزنا.
مناقشة أدلة التحريم في تلك الحالة:
وفي نظرنا: إن الأدلة الواردة لهذا القول لا تسلم من المناقشة التي تكشف عن شيوع الوهن بين دلالتها، وذلك كما يلي:
أولاً: إن فيها حكمًا على العاصية بالإعدام والطرد من رحمة الله، مع أن باب التوبة مفتوح والهداية من الله- سبحانه-، قال الله- تعالى-: }قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ ، وقال- سبحانه-: }لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء{، ففي هاتين الآيتين الكريمتين وغيرهما ما يفيد أن باب الهداية مفتوح لمن يشاء الله له ذلك، ولا حرج على فضل الله الذي يؤتيه من يشاء، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا ما عدا الإشراك به، لقوله- تعالى: }إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء{، وإذا كان الله قد فتح باب الرحمة والمغفرة لعباده العصاة والمذنبين فلا يجوز أن يغلقه عباده في وجه بعضهم، وقد جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".
ومن المؤكد أن هذه الأدلة وغيرها تفيد أن قطع الرجاء في إصلاح حال من اعتدن الإجرام أمر ينافي مقصد الشارع من إيرادها، فلا يجوز منع ما يفتح باب الأمل أمامهن.
ثانيًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن معونة الشيطان على العصاة؛ وذلك لمساعدتهم على الاستقامة حتى ولو اشتهر أمر انحرافهم؛ بل حتى ولو أقيم عليهم الحد بأسلوب العلانية التي تحقق شهرة انحرافهم، فقد روى عن أبى هريرة قال: "أُتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، فقال: اضربوه، قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه؛ فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان"، ووجه الدلالة في هذا الحديث على المطلوب قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تعينوا عليه الشيطان"، فإن مفاد هذا النهى يدل على أن واجب المجتمع أن يأخذ بيد من اشتهروا بالمعاصي نحو الإصلاح ولا يتركهم نهبًا للضياع الذي تردوا فيه، وما ذهب إليه القائلون بعدم جواز إجراء جراحة رتق غشاء البكارة ينافي هذا المعنى فلا يتعين الركون له.
ثالثًا: وما قالوه استدلالاً بالحديث والآية الكريمة: }الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً{، فإن التحريم فيها ليس على سبيل التأبيد؛ وإنما هو على سبيل التأقيت المرهون بالتوبة، أي حتى يتوبوا، فإذا تابوا جاز نكاحهم، وهو ما حكاه الشوكانى في نيل الأوطار قال: وحكي عن قتادة أنه قال: "إلا إذا تابا لارتفاع سبب التحريم"، ويقول: قال المنذري: وللعلماء فيها أقوال: أحدها: أنها منسوخة، قاله سعيد ابن المسيب، وهو قول الشافعي، وقال غيره: الناسخ قوله- تعالى-: }وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ{، فدخلت الزانية في أيامى المسلمين، والثانى: أن المراد بالنكاح هنا الوطء، والمراد أن الزاني لا يطاوعه في الفعل إلا مثله، أو مشركة لا ترى للزنا حرمة، ومما رجح ذلك قوله- تعالى-: } وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينًَ{يعنى الذين امتثلوا الأوامر واجتنبوا النواهي، الثالث: أن هذا كان قضية عين في نسوة تتزوج إحداهن الرجل على أن تنفق عليه من كسب زناها، ودليل ذلك أن نزول الآية كان بسبب ذلك، ثم يقول الشوكانى: الجمهور على حمل الآية على الذم لا على التحريم، وحكى في البحر عن على، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وسعيد بن المسيب، وعروة، والزهرى، والعترة، ومالك، والشافعى، وربيعة، وأبى نور أنه لا تحرم المرأة بالزنا لقوله- تعالى-: }وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ{، ومن المؤكد أن هذه الأدلة الكريمة لا تفيد القطع فيما انتهى إليه القائلون بعدم الجواز، وإذا تردد الأمر بين الستر والفضح يكون الستر هو الذي يتعين المصير إليه فيجوز إجراء الجراحة لمن اشتهر أمرها بالزنا أخذًا بيدها على طريق الاستقامة وعونًا لها على محاربة الشيطان.
إن ستر المسلم على نفسه واجب، وإذا كان قد أخطأ بفضح نفسه فلا يجوز أن يرد عليه المجتمع بمثل ما أخطأ؛ بل بإصلاح خطئه.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.97 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.34 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.80%)]