عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 12-03-2019, 05:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,759
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتاوى الحج من مجموع فتاوى ابن تيمية (3-6)

فتاوى الحج من مجموع فتاوى ابن تيمية (3-6)

إدارة الملتقى الفقهي


وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قباء وَيُصَلِّيَ فِيهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ وَأَحْسَنَ الطُّهُورَ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قباء لَا يُرِيدُ إلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ }. رَوَاهُ أَحْمَد والنسائي وَابْنُ مَاجَهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قباء كَعُمْرَةِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ. وَالسَّفَرُ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَالصَّلَاةُ فِيهِ وَالدُّعَاءُ وَالذِّكْرُ وَالْقِرَاءَةُ وَالِاعْتِكَافُ مُسْتَحَبٌّ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ سَوَاءٌ كَانَ عَامَ الْحَجِّ أَوْ بَعْدَهُ. وَلَا يَفْعَلُ فِيهِ وَفِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مَا يَفْعَلُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ. وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يُتَمَسَّحُ بِهِ وَلَا يُقَبَّلُ وَلَا يُطَافُ بِهِ هَذَا كُلُّهُ لَيْسَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً وَلَا تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الصَّخْرَةِ بَلْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ فِي قِبْلِيِّ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِلْمُسْلِمِينَ . وَلَا يُسَافِرُ أَحَدٌ لِيَقِفَ بِغَيْرِ عَرَفَاتٍ وَلَا يُسَافِرُ لِلْوُقُوفِ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَلَا لِلْوُقُوفِ عِنْدَ قَبْرِ أَحَدٍ لَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا الْمَشَايِخِ وَلَا غَيْرِهِمْ. بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ أَحَدٌ لِزِيَارَةِ قَبْرٍ مِنْ الْقُبُورِ. وَلَكِنْ تُزَارُ الْقُبُورُ الزِّيَارَةَ الشَّرْعِيَّةَ مَنْ كَانَ قَرِيبًا وَمَنْ اجْتَازَ بِهَا كَمَا أَنَّ مَسْجِدَ قباء يُزَارُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يُسَافِرَ إلَيْهِ لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَشُدَّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ الدِّينَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَنْ لَا يُعْبَدَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا يُعْبَدَ إلَّا بِمَا شَرَعَ لَا نَعْبُدُهُ بِالْبِدَعِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا }. وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِك خَالِصًا وَلَا تَجْعَلْ فِيهِ لِأَحَدِ شَيْئًا. وَقَالَ الفضيل بْنُ عِيَاضٍ فِي قَوْله تَعَالَى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } قَالَ: أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ. قِيلَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ مَا أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ ؟. قَالَ: إنَّ الْعَمَلَ إذَا كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُقْبَلْ وَإِذَا كَانَ صَوَابًا وَلَمْ يَكُنْ خَالِصًا لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَكُونَ خَالِصًا صَوَابًا. وَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ }. وَالْمَقْصُودُ بِجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَاَللَّهُ هُوَ الْمَعْبُودُ وَالْمَسْئُولُ الَّذِي يُخَافُ وَيُرْجَى وَيُسْأَلُ وَيُعْبَدُ فَلَهُ الدِّينُ خَالِصًا وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ هَذَا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } {إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } إلَى قَوْلِهِ: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي } إلَى قَوْلِهِ: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ }. وَقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ } الْآيَتَيْنِ وَقَالَ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ } الْآيَتَيْنِ. قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ: كَانَ أَقْوَامٌ يَدْعُونَ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاء َ كَالْمَسِيحِ وَالْعُزَيْرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ } الْآيَاتِ. وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ؛ بَلْ هَذَا مَقْصُودُ الْقُرْآنِ وَلُبُّهُ وَهُوَ مَقْصُودُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ وَلَهُ خُلِقَ الْخَلْقُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ }. فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْحَجَّ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُعْبَدُ اللَّهُ بِهَا وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَزِيَارَةَ قُبُورِ الْأَمْوَاتِ مِنْ جِنْسِ الدُّعَاءِ لَهُمْ وَالدُّعَاءُ لِلْخَلْقِ مِنْ جِنْسِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِ الزَّكَاةِ. وَالْعِبَادَاتُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا تَوْحِيدٌ وَسُنَّةٌ وَغَيْرُهَا فِيهَا شِرْكٌ وَبِدْعَةٌكَعِب َادَاتِ النَّصَارَى وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِثْلَ قَصْدِ الْبُقْعَةِ لِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الدِّينِ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْعُلَمَاءِ يَعُدُّونَ مِنْ جُمْلَةِ الْبِدَعِ الْمُتَكَرِّرَة ِ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَهَذَا فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ حَتَّى صَرَّحَ بَعْضُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَافَرَ هَذَا السَّفَرَ لَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ سَفَرُ مَعْصِيَةٍ. وَكَذَلِكَ مَنْ يَقْصِدُ بُقْعَةً لِأَجْلِ الطَّلَبِ مِنْ مَخْلُوقٍ هِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَيْهِ كَالْقَبْرِ وَالْمَقَامِ أَوْ لِأَجْلِ الِاسْتِعَاذَةِ بِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا شِرْكٌ وَبِدْعَةٌ كَمَا تَفْعَلُهُ النَّصَارَى وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ مُبْتَدِعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ يَجْعَلُونَ الْحَجَّ وَالصَّلَاةَ مِنْ جِنْسِ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ وَلِهَذَا {قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ كَنِيسَةً بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَذَكَرَ لَهُ عَنْ حُسْنِهَا وَمَا فِيهَا مِنْ التَّصَاوِيرِ فَقَالَ: أُولَئِكَ إذَا مَاتَ فِيهِمْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ التَّصَاوِيرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ }. وَلِهَذَا نَهَى الْعُلَمَاءُ عَمَّا فِيهِ عِبَادَةٌ لِغَيْرِ اللَّهِ وَسُؤَالٌ لِمَنْ مَاتَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ الصَّالِحِينَ: مِثْلَ مَنْ يَكْتُبُ رُقْعَةً وَيُعَلِّقُهَا عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ صَالِحٍ أَوْ يَسْجُدُ لِقَبْرِ أَوْ يَدْعُوهُ أَوْ يَرْغَبُ إلَيْهِ. وَقَالُوا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ؛لِأَ نَّ {النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ لَيَالٍ: إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ }. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ: {لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا } وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي الصِّحَاحِ وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَكْلِ التَّمْرِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ تَعْلِيقِ الشَّعْرِ فِي الْقَنَادِيلِ؛ فَبِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ .

وَمَنْ حَمَلَ شَيْئًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ جَاز فَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَحْمِلُونَهُ وَأَمَّا التَّمْرُ الصيحاني فَلَا فَضِيلَةَ فِيهِ بَلْ غَيْرُهُ مِنْ التَّمْرِ: الْبَرْنِيُّ وَالْعَجْوَةُ خَيْرٌ مِنْهُ وَالْأَحَادِيثُ إنَّمَا جَاءَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ {مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ }. وَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ فِي الصيحاني شَيْءٌ. وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ: إنَّهُ صَاحَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهْلٌ مِنْهُ بَلْ إنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِيُبْسِهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ: تَصَوَّحَ التَّمْرُ إذَا يَبِسَ. وَهَذَا كَقَوْلِ بَعْضِ الْجُهَّالِ إنَّ عَيْنَ الزَّرْقَاءِ جَاءَتْ مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَيْنٌ جَارِيَةٌ لَا الزَّرْقَاءُ وَلَا عُيُونُ حَمْزَةَ وَلَا غَيْرُهُمَا بَلْ كُلُّ هَذَا مُسْتَخْرَجٌ بَعْدَهُ .

وَرَفْعُ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَأَى رَجُلَيْنِ يَرْفَعَانِ أَصْوَاتَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُم َا ضَرْبًا إنَّ الْأَصْوَاتَ لَا تُرْفَعُ فِي مَسْجِدِهِ؛ فَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ جُهَّالِ الْعَامَّةِ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ عَقِيبَ الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَصْوَاتِ عَالِيَةٍ. مِنْ أَقْبَحِ الْمُنْكَرَاتِ. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَقِيبَ السَّلَامِ بِأَصْوَاتِ عَالِيَةٍ وَلَا مُنْخَفِضَةٍ بَلْ مَا فِي الصَّلَاةِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَلِّي السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ هُوَ الْمَشْرُوعُ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مَشْرُوعَةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا } وَفِي الْمُسْنَدِ {أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَجْعَلُ عَلَيْك ثُلُثَ صَلَاتِي قَالَ: إذًا يَكْفِيك اللَّهُ ثُلُثَ أَمْرِك قَالَ: أَجْعَلُ عَلَيْك ثُلُثَيْ صَلَاتِي قَالَ: إذًا يَكْفِيك اللَّهُ ثُلُثَيْ أَمْرِك قَالَ: أَجْعَلُ صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْك قَالَ: إذًا يَكْفِيك اللَّهُ مَا أَهَمَّك مِنْ أَمْرِ دُنْيَاك وَأَمْرِ آخِرَتِك }. وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي } وَقَدْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ شَيْخُ الحسنيين فِي زَمَنِهِ رَجُلًا يَنْتَابُ قَبْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلدُّعَاءِ عِنْدَهُ قَالَ: يَا هَذَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي} فَمَا أَنْتَ وَرَجُلٌ بِالْأَنْدَلُسِ إلَّا سَوَاءٌ. وَلِهَذَا كَانَ السَّلَفُ يُكْثِرُونَ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ وَلَمْ يَكُونُوا يَجْتَمِعُونَ عِنْدَ قَبْرِهِ لَا لِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ وَلَا إيقَادِ شَمْعٍ وَإِطْعَامٍ وَإِسْقَاءٍ وَلَا إنْشَادِ قَصَائِدَ وَلَا نَحْوِ ذَلِكَ بَلْ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ بَلْ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي مَسْجِدِهِ مَا هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاعْتِكَافِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَتَعَلُّمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ كُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ تَعْمَلُهُ أُمَّتُهُ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ دَعَا إلَى هُدًى فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا } وَهُوَ الَّذِي دَعَا أُمَّتَهُ إلَى كُلِّ خَيْرٍ فَكُلُّ خَيْرٍ يَعْمَلُهُ أَحَدٌ مِنْ الْأُمَّةِ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ فَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُهْدَى إلَيْهِ ثَوَابُ صَلَاةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ مِنْ أَحَدٍ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَجْرِ مَا يَعْمَلُونَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا. وَكُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ أَطْوَعَ وَأَتْبَعَ كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} {وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بأولياء إنَّمَا وَلِيِّي اللَّهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } وَهُوَ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ وَهُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي تَبْلِيغِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ. وَاَللَّهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الْمَسْئُولُ الْمُسْتَعَانُ بِهِ الَّذِي يُخَافُ وَيُرْجَى وَيُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } فَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} وَجَعَلَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} فَأَضَافَ الْإِيتَاءَ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } فَلَيْسَ لِأَحَدِ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا مَا أَبَاحَهُ الرَّسُولُ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ آتَاهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقُدْرَةِ وَالْمُلْكِ فَإِنَّهُ يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ وَلِهَذَا {كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَبَعْدَ السَّلَامِ: اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْت وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْت وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ } أَيْ مَنْ آتَيْته جَدًّا وَهُوَ الْبَخْتُ وَالْمَالُ وَالْمُلْكُ فَإِنَّهُ لَا يُنْجِيهِ مِنْك إلَّا الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى. وَأَمَّا التَّوَكُّلُ فَعَلَى اللَّهِ وَحْدَهُ وَالرَّغْبَةُ فَإِلَيْهِ وَحْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ } وَلَمْ يَقُلْ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا: {إنَّا إلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ } وَلَمْ يَقُولُوا هُنَا وَرَسُولُهُ كَمَا قَالَ فِي الْإِيتَاءِ بَلْ هَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ } {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أَيْ اللَّهُ وَحْدَهُ حَسْبُك وَحَسْبُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوك. وَمَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ وَالْمُؤْمِنِين َ حَسْبُك فَقَدْ ضَلَّ بَلْ قَوْلُهُ مِنْ جِنْسِ الْكَفَرَةِ فَإِنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ حَسْبُ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِهِ والحسب الْكَافِي كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ }. وَلِلَّهِ تَعَالَى حَقٌّ لَا يَشْرَكُهُ فِيهِ مَخْلُوقٌ. كَالْعِبَادَاتِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّوَكُّلِ. وَالْخَوْفِ. وَالرَّجَاءِ .

وَالْحَجِّ. وَالصَّلَاةِ. وَالزَّكَاةِ. وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ. وَالرَّسُولُ لَهُ حَقٌّ: كَالْإِيمَانِ بِهِ وَطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ وَمُوَالَاةِ مَنْ يُوَالِيهِ وَمُعَادَاةِ مَنْ يُعَادِيهِ وَتَقْدِيمِهِ فِي الْمَحَبَّةِ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالنَّفْسِ كَمَا {قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } بَلْ يَجِبُ تَقْدِيمُ الْجِهَادِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ عَلَى هَذَا كُلِّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوه َا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } وَقَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ }. وَبَسْطُ مَا فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ وَشَرْحُهُ مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .

******
وَقَالَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: فَصْلٌ وَأَمَّا الْحَجُّ: فَأَخَذُوا فِيهِ بِالسُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَتِهِ وَأَحْكَامِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: {أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَجَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ أَحْرَمَ هُوَ وَالْمُسْلِمُون َ مِنْ ذِي الحليفة فَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةِ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةِ وَحَجَّةٍ فَلْيَفْعَلْ } فَلَمَّا قَدِمُوا وَطَافُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَمَرَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ حَجُّوا مَعَهُ أَنْ يُحِلُّوا مِنْ إحْرَامِهِمْ وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إلَّا مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. فَرَاجَعَهُ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَغَضِبَ. وَقَالَ: {اُنْظُرُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوهُ } وَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلَمْ يَحِلَّ مِنْ إحْرَامِهِ. وَلَمَّا رَأَى كَرَاهَةَ بَعْضِهِمْ لِلْإِحْلَالِ قَالَ: {لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْت } وَقَالَ أَيْضًا: {إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ } فَحَلَّ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعُهُمْ إلَّا النَّفَرَ الَّذِينَ سَاقُوا الْهَدْيَ مِنْهُمْ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَطِلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ .
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَحْرَمَ الْمُحِلُّونَ بِالْحَجِّ وَهُمْ ذَاهِبُونَ إلَى مِنَى فَبَاتَ بِهِمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمِنَى وَصَلَّى بِهِمْ فِيهَا الظُّهْر وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إلَى نَمِرَةَ عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ " وَنَمِرَةُ " خَارِجَةٌ عَنْ عرنة مِنْ يَمَانِيِّهَا وَغَرْبِيِّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا مِنْ عَرَفَةَ فَنُصِبَتْ لَهُ الْقُبَّةُ بنمرة وَهُنَاكَ كَانَ يَنْزِلُ خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَهُ وَبِهَا الْأَسْوَاقُ وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ وَالْأَكْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَلَمَّا زَالَتْ الشَّمْسُ رَكِبَ هُوَ وَمَنْ رَكِبَ مَعَهُ وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْمُصَلَّى بِبَطْنِ عرنة حَيْثُ قَدْ بُنِيَ الْمَسْجِدُ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا مِنْ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا هُوَ بَرْزَخٌ بَيْنَ الْمَشْعَرَيْنِ : الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ هُنَاكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْقِفِ نَحْوُ مِيلٍ فَخَطَبَ بِهِمْ خُطْبَةَ الْحَجِّ عَلَى رَاحِلَتِهِ. وَكَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِهِمْ الظُّهْر وَالْعَصْرَ مَقْصُورَتَيْنِ مَجْمُوعَتَيْنِ ثُمَّ سَارَ وَالْمُسْلِمُون َ مَعَهُ إلَى الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ عِنْدَ الْجَبَلِ الْمَعْرُوفِ بِجَبَلِ الرَّحْمَةِ وَاسْمُهُ " إلَالٌ " عَلَى وَزْنِ هِلَالٍ. وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ عَرَفَةَ فَلَمْ يَزَلْ هُوَ وَالْمُسْلِمُون َ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إلَى أَنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ. فَدَفَعَ بِهِمْ إلَى مُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ حَيْثُ نَزَلُوا بمزدلفة وَبَاتَ بِهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَصَلَّى بِالْمُسْلِمِين َ الْفَجْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا مُغَلِّسًا بِهَا زِيَادَةً عَلَى كُلِّ يَوْمٍ ثُمَّ وَقَفَ عِنْدَ " قُزَحَ " وَهُوَ جَبَلُ مُزْدَلِفَةَ الَّذِي يُسَمَّى: الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ وَإِنْ كَانَتْ مُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا هِيَ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا بِالْمُسْلِمِين َ إلَى أَنْ أَسْفَرَ جِدًّا. ثُمَّ دَفَعَ بِهِمْ حَتَّى قَدِمَ مِنَى فَاسْتَفْتَحَهَ ا بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ بِمِنَى فَحَلَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً مِنْ الْهَدْيِ الَّذِي سَاقَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا فَنَحَرَ الْبَاقِيَ وَكَانَ مِائَةَ بَدَنَةٍ ثُمَّ أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَكَانَ قَدْ عَجَّلَ ضَعَفَةَ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَرَمَوْا الْجَمْرَةَ بِلَيْلِ ثُمَّ أَقَامَ بِالْمُسْلِمِين َ أَيَّامَ مِنَى الثَّلَاثَ يُصَلِّي بِهِمْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ مَقْصُورَةً غَيْرَ مَجْمُوعَةٍ يَرْمِي كُلَّ يَوْمٍ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ يَفْتَتِحُ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى - وَهِيَ الصُّغْرَى وَهِيَ الدُّنْيَا إلَى مِنَى وَالْقُصْوَى مِنْ مَكَّةَ - وَيَخْتَتِمُ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَيَقِفُ بَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَبَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وُقُوفًا طَوِيلًا بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيَدْعُو فَإِنَّ الْمَوَاقِفَ ثَلَاثَةٌ: عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنَى. ثُمَّ أَفَاضَ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ هُوَ وَالْمُسْلِمُون َ فَنَزَلَ بِالْمُحَصِّبِ عِنْدَ خَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ فَبَاتَ هُوَ وَالْمُسْلِمُون َ فِيهِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ. وَبَعَثَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَائِشَةَ مَعَ أَخِيهَا عَبْدِة الرَّحْمَنِ لِتَعْتَمِرَ مِنْ التَّنْعِيمِ وَهُوَ أَقْرَبُ أَطْرَافِ الْحَرَمِ إلَى مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَدْ بُنِيَ بَعْدَهُ هُنَاكَ مَسْجِدٌ سَمَّاهُ النَّاسُ مَسْجِدَ عَائِشَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ بَعْدَ الْحَجِّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدٌ قَطُّ إلَّا عَائِشَةَ لِأَجْلِ أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ حَاضَتْ لَمَّا قَدِمَتْ.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.27 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.75%)]