عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 09-03-2019, 04:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القول المبين في الإكراه وأثره في التصرفات عند الأصوليين

القول المبين في الإكراه وأثره في التصرفات عند الأصوليين



د. رمضان محمد عيد هيتمي


الفصل الرابع: الوعيد هل يعتبر إكراهًا أم لا؟ والوسائل التي يحصل بها الإكراه

ويشتمل هذا الفصل على مبحثين:




المبحث الأول: الوعيد هل يعتبر إكراه أم لا؟
اتفق العلماء على أن الوعيد إن اقترن بنوع من العذاب؛ كالضرب والخنق والحبس والغط في الماء -كان إكراهًا.
واستدلوا على ذلك بما روي أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر -رضي الله عنه- وأكرهوه على الكفر، فنطق به مع اطمئنان قلبه بالإيمان, فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فجعل يمسح الدموع عن عينه ويقول: "أخذك المشركون، فغطوك في الماء حتى قلت لهم كذا، فإن عادوا فعد"([72]).
وبما جاء في الأثر عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «ليس الرجل أمينًا على نفسه إذا أوجعته, أو ضربته, أو أوثقته»([73]).
ولكنهم اختلفوا في الوعيد المجرد:
1- فذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد إلى أن الوعيد المجرد يعد إكراهًا([74]).
2- وذهب أبو إسحاق الشيرازي والإمام أحمد بن حنبل في الرواية الثانية إلى وجوب اقتراب الوعيد بنوع من العذاب حتى يعد إكراهًا([75]).
استدل الإمام أحمد وأبو إسحاق الشيرازي على ما ذهبا إليه بقولهما: إن الشرع إنما أجاز للمكره استعمال الرخصة إذا اقترن توعده بنوع من العذاب، وثبوت الرخصة له في هذه الحالة دليل على اعتبار الإكراه إذا جاء بهذه الصفة.
وأيدا قولهما هذا بما ثبت في حديث عمار بن ياسر المتقدم، وبما جاء في الأثر عن عمر رضي الله عنه أيضًا.
بينما استدل الحنفية والمالكية والشافعية والإمام أحمد في الرواية الأولى له بقولهم: إن الشرع أباح للمكره فعل ما أكره عليه ليدفع عن نفسه العقوبة أو العذاب, أو ما توعده به المكره، وهذا لا يتأتى إلا إذا أبيح له أن يفعل ما أكره عليه قبل أن يصاب بأي نوع من أنواع العذاب.
وأيضًا: فإنه متى توعده بالقتل وعلم أنه سيقتله إذا لم يبح له فعل المكره عليه بمجرد الوعيد، أفضى ذلك إلى قتله وإلقائه بنفسه إلى التهلكة، كما لو أكرهه على الطلاق، وعلم المكره أن المكره قاتله إن لم يمتثل أمره، فإذا لم يبح له التلفظ بالطلاق بمجرد الوعيد أفضى ذلك إلى قتله، وتنتفي بذلك فائدة ثبوت الرخصة للمكره ليدفع عن نفسه الضرر.
وثبوت الرخصة في حق المكره الذي نيل بشيء من العذاب لا ينافي ثبوتها في حق غيره ممن توعده المكره ولم يمسه بعذاب؛ لما ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قضى برد امرأة طلقها زوجها وهو مكره بالوعيد فقط، فقد تدلى رجل ليشتار عسلًا فوقفت امرأته على الحبل, وقالت: طلقني ثلاثًا وإلا قطعته، فذكرها الله والإسلام، فقالت: لتفعلن أو لأفعلن، فطلقها ثلاثًا، فرده إليها، ولم يعتبره عمر رضي الله عنه طلاقًا([76]).
فدل ذلك على ثبوت الرخصة في حق المكره بالوعيد فقط كما ثبت في حق غيره الذي نيل بشيء من العذاب.
فإن قيل: إن المكره لا يقطع بتحقيق الوعيد إلا إذا باشر المكره بتنفيذ نوع من العذاب يضطره به إلى عمل ما أكرهه عليه، وهذا أبلغ في تحقيق الاضطرار من مجرد الوعيد.
فالجواب: أنه يكفي لثبوت الرخصة أن يغلب على ظن المكره أن ما توعده به المكره واقع ونازل به إن لم يجبه إلى طلبه، وهو شرط من الشروط التي يجب تحققها في المكره لتحقق الإكراه كما تقدم([77]).
ولهذا نرى أن ما ذهب إليه الجمهور -وهو تحقق الإكراه بمجرد الوعيد فقط- هو الراجح. والله أعلم.
المبحث الثاني: الوسائل التي يحصل بها الإكراه
إذا نظرنا إلى الوسائل والأساليب التي يحصل بها الإكراه، نجد أنها كثيرة ومتنوعة، وبالتالي فلا يمكن حصرها، لكونها قابلة للابتكار والتجديد، وقد يظهر في عصر ما من العصور منها ما لم يكن موجودًا من قبل.
وإليك بيان أهم هذه الوسائل في كل مذهب على حدة، لاستنباط الضابط الجامع بينها لما يصلح أن يكون التهديد به إكراهًا.
أولًا: في المذهب الحنفي:
يتحقق الإكراه عند الحنفية بأمور ثلاثة:
الأمر الأول: بما يحصل به بالضرورة والخوف والإلجاء إلى الفعل؛ كالتهديد بالقتل أو إتلاف عضو ولو أنملة؛ لأن حرمته كحرمة النفس، وكذلك الضرب المبرح الذي يؤدي إلى تلف النفس, أو عضو من الأعضاء.
وهذا ما يسمى عندهم بالإكراه التام أو الملجئ، وهو الذي يعدم الرضا ويفسد الاختيار.
الأمر الثاني: ما لا يحصل به ,الاضطرار ولكن يحصل به الاغتمام البين؛ كالحبس المديد, والقيد الطويل والضرب الذي لا يخشى منه التلف.
وهذا ما يسمى عندهم بالإكراه الناقص, أو غير الملجئ، وهو الذي يعدم الرضا, ولا يفسد الاختيار.
أما الضرب الهين وحبس يوم أو قيد يوم، فلا يعتبر إكراه إلا في حق صاحب الجاه والمروءة دون أراذل الناس، وذلك لمكانة صاحب الجاه، فيلحقه الاغتمام لأدنى حرج يصيبه مما يمس جاهه ومروءته.
الأمر الثالث: ما لا يحصل به الاضطرار ولا الاغتمام البين، ولكن يحصل به الهم والحزن؛ كالتهديد بحبس الوالدين, أو الابن أو الزوجة, أو كل ذي رحم محرم.
وهذا لا يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار.
والقياس: أنه ليس بإكراه؛ لأنه لا يلحق المكره ضرر بذلك, بل الضرر لاحق بغيره.
والاستحسان: أنه إكراه حيث يلحقه بحبسهم من الحزن والهم ما يلحق بحبس نفسه أو أكثر([78]).
ثانيًا: المكره به عند الشافعية:
اختلف الشافعية فيما يتحقق به الإكراه، يقول السيوطي: يقول الرافعي: الذي مال إليه المعتبرون أن الإكراه على القتل لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل، أو ما يخاف منه القتل, وأما غيره ففيه سبعة أوجه:
الأول: لا يحصل إلا بالقتل.
الثاني: القتل، أو القطع، أو ضرب يخاف منه الهلاك.
الثالث: ما يسلب الاختيار ويجعله كالهارب من الأسد الذي يتخطى الشوك والنار ولا يبالي، فيخرج الحبس، والتخويف بالإيلام الشديد, فإنه ليس بإكراه.
الرابع: اشتراط عقوبة بدنية يتعلق بها قود، فيخرج عنه ما لا يتعلق ببدنه، كأخذ المال وقتل الوالد والولد والزوجة والضرب الخفيف، والحبس المؤبد، إلا أن يخوفه بحبس في قعر بئر يغلب منه الموت.
الخامس: اشتراط عقوبة شديدة تتعلق ببدنه؛ كالحبس الطويل, والقتل والقطع، والضرب الشديد، ويخرج منه ما خرج عن الوجه الرابع، ويخرج أيضًا التخويف بالاستخفاف بإلقاء العمامة والصفع، وما يخل بالجاه. أما التخويف بالنفي عن البلد، فإن كان فيه تفريق بينه وبين أهله، فكالحبس الدائم، وإلا فوجهان، أصحهما: إكراه؛ لأن مفارقة الوطن شديدة، ولهذا جعلت عقوبة للزاني.
السادس: أن يحصل بما ذكر، وبأخذ المال، أو إتلافه، والاستخفاف بالأماثل وإهانتهم، كالصفع بالملأ، وتسويد الوجه، وهذا اختيار جمهور العراقيين، وصححه الرافعي.
السابع: وهو اختيار النووي في الروضة: إنه يحصل بكل ما يؤثر العاقل الإقدام عليه، حذرًا مما هدد به، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، والأفعال المطلوبة والأمور المخوف بها، فقد يكون الشيء إكراهًا في شيء دون غيره، وفي حق شخص دون آخر.
فالإكراه على الطلاق يكون بالتخويف بالقتل، والقطع، والحبس الطويل، والضرب الكثير، والمتوسط لمن لا يحتمله بدنه ولم يعتده، وبتخويف ذي المروءة كالصفع في الملأ، وتسويد الوجه، ونحوه، وكذا بقتل الوالد وإن علا، والولد وإن سفل على الصحيح، لا سائر المحارم، وإتلاف المال على الأصح.
وإن كان الإكراه على القتل، فالتخويف بالحبس، وقتل الولد ليس إكراهًا.
وإن كان على إتلاف المال أو أكثره كالإكراه على بيع أو شراء أو إتلاف مال الأجنبي, فالتخويف بجميع ذلك إكراه.
قال النووي: وهذا الوجه أصح، لكن في بعض تفصيله المذكور نظر, والتهديد بالنفي عن البلد إكراه على الأصح؛ لأن مفارقة الوطن شديدة، ولهذا جعلت عقوبة للزاني.
وكذا تهديد المرأة بالزنا، والرجل باللواط([79]).
ثالثًا: في المذهب المالكي:
يتحقق الإكراه عند المالكية بما يحصل به الخوف المؤلم: كالتهديد بالقتل, أو الضرب المؤلم قليلًا كان أو كثيرًا، أو السجن أو القيد الطويلين.
أما السجن أو القيد القليلين فإنهما لا يعدان إكراه إلا إذا كان المكره من ذوي القدر، بخلاف ما إذا كان من رعاع الناس, فلا يعد ذلك إكراهًا.
وأما الصفع على القفا، فإن كان كثيرًا فهو إكراه مطلقًا، سواء كان في الملأ أو في الخلاء لذي مروءة وغيره.
وأما الصفع القليل فليس بإكراه مطلقًا إن كان في الخلاء، وإن كان في الملأ فهو إكراه لذي المروءة لا لغيره.
والتهديد بقتل الولد يعتبر إكراهًا، وكذا التهديد بعقوبته إن كان بارًّا، والولد يشمل الذكر والأنثى وإن نـزل.
وكذلك التهديد بقتل الوالد من أب أو أم فقط، أما غيرهما كالأخ والعم والخال، فإن التهديد بقتلهم لا يعتبر إكراهًا.
وأما التهديد بإتلاف المال, ففيه ثلاثة أقوال:
قيل: إكراه، وقيل: ليس بإكراه، وقيل: إن كثر فإكراه وإلا فلا.
الأول لمالك، والثاني لأصبغ، والثالث لابن الماجشون.
أما المتأخرون فمنهم من جعل الثالث تفسيرًا للأولين, وذلك كابن بشير ومن معه, وعليه فالمذهب على قول واحد، ومنهم كابن الحاجب من جعل الأقوال الثلاثة متقابلة إبقاء لها على ظاهرها([80]).
رابعا: في المذهب الحنبلي:
يتحقق الإكراه عند الحنابلة بما يستضر به ضررًا كثيرًا، كالقتل والضرب الشديد، والحبس والقيد الطويلين، وأخذ المال الكثير.
وأما الضرب اليسير، فإن كان في حق من لا يبالي به فليس بإكراه, وإن كان من ذوي المروءات على وجه يكون إخراقًا بصاحبه وغضًّا له، وشهرة في حقه، فهو كالضرب الكثير في حق غيره.
وأما السب والشتم وأخذ المال اليسير، فليس بإكراه.
وأما التهديد بضرب الولد وحبسه ونحوهما، فهو إكراه على الصحيح من المذهب؛ لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، وقيل: ليس بإكراه؛ لأن الضرر لاحق بغيره.
وكذلك ضرب الوالد ونحوه وحبسه، كضرب الولد.
وكذلك كل من يشق عليه تعذيبه مشقة عظيمة من والد الزوجة وصديق([81]).
وبالنظر في هذه الوسائل التي وضعها العلماء لتحقق الإكراه نلاحظ ما يأتي:
أولًا: لم تتفق كلمة العلماء على تحديد ضابط معين «للمكره به».
فالحنفية قالوا إنه: ما يحصل به الاضطرار والإلجاء والخوف، أو يحصل به الاغتمام البين, أو الهم والحزن.
والشافعية قالوا: إنه ما يؤثر العاقل الإقدام عليه حذرًا مما هدد به على ما رجحه النووي.
والمالكية قالوا: إنه الخوف المؤلم.
والحنابلة قالوا: إنه ما يستضر به المكره ضررًا كثيرًا.
فهذه الوسائل وإن كانت مختلفة في ألفاظها، إلا أنها متقاربة في معناها، وإن جاء بعضها أعم وأدق من الآخر.
وعليه فإنه يمكن استخلاص ضابط من بينها للمكره به, وهو: «كل ما يجعل المكره مضطرًّا وخائفًا إن امتنع عن تنفيذ ما هدد به أن يصيبه ضرر كبير, أو مشقة عظيمة، تجعله يؤثر الإقدام على فعل ما أكره عليه طلبًا للنجاة والخلاص».
ثانيًا: إن تنوع وسائل الإكراه واختلافها من مذهب إلى آخر، وعدم إمكان حصرها في وسيلة واحدة يرجع إلى أمرين:
الأول: اختلاف حال المكره بين غنى وفقير، وبين أن يكون من ذوي الجاه والمروءة, وبين أن يكون من الأراذل والسوقية، وبين أن يكون قادرًا على تحمل المكره به من عدمه، إلى غير ذلك من الاختلافات التي تجعل وسيلة الإكراه تختلف من شخص لآخر.
الثاني: اختلاف المكره به بحسب اختلاف المكره، فإن الإكراه على القتل مثلًا يختلف عن الإكراه على الطلاق، ومن ثم فإن الأمر الذي يهدد به المكره المكره سيختلف، فإذا أكره على الطلاق بالتهديد بالصفع, أو الضرب اليسير, فإن العاقل يؤثر الصبر على الصفع أو الضرب اليسير، بخلاف ما إذا هدد بالقتل مثلًا، فإنه يضطر إلى إجراء لفظ الطلاق محافظة على النفس, ودفعًا للهلاك.
ثالثًا: يرجع اختلاف العلماء في تحديد ضابط «للمكره به» إلى عدم ورود نص صريح ومعين بذلك، ولكن يمكن من خلال بعض النصوص الواردة في الإكراه أن يفهم هذا المعنى:
من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ, والنسيان, وما استكرهوا عليه"([82]) فالحكم الأخروي للفعل الواقع إكراهًا في حقوق الله تعالى يعتبر عذرًا بالنسبة لسقوط الإثم في الآخرة؛ لأن العقوبة الأخروية تبنى على الإرادة والقصد, فيكون المقصود بالرفع هنا هو الإثم؛ لأن الإكراه إذا وقع لا يرتفع؛ لأن الواقع لا يرفع.
أما الحكم الدنيوي للإكراه فهو محل البحث.
ومن ذلك أيضًا: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق"([83])، أي: في إكراه، ومعنى الإغلاق: الإكراه؛ لأنه إذا أكره انغلق عليه رأيه, وتضيق عليه تصرفه، كأنه يغلق الباب ويحبسه, ويضيق عليه حتى يطلق([84]).
ومن ذلك أيضًا بعض الآثار التي رويت عن الصحابة منها:
قول ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق: ليس بشيء، وبه قال ابن عمر, وابن الزبير, والشعبي, والحسن([85]).
قول عمر رضي الله عنه: «ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن, أو أوثق, أو عذب»([86]).
وقول ابن مسعود: «ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلمًا به»([87]).
الفصل الخامس: أثر الإكراه في التصرفات
يقسم الأصوليون تصرفات المكره إلى قسمين:
1- تصرفات قولية.
2- تصرفات فعلية.
وسوف نوضح ذلك في مبحثين
المبحث الأول: أثر الإكراه في التصرفات القولية
تنقسم التصرفات القولية الصادرة عن المكره إلى قسمين:
القسم الأول: التصرفات القولية التي لا تحتمل الفسخ, ولا تتوقف على الرضا.
وذلك كالطلاق ونحوه من الأمور العشرة التي يجمعها قول القائل:
طلاق عتاق والنكاح ورجعة

وعفو قصاص واليمين وكذا النذر
ظهار وإيلاء وفيء فهذه

تصح مع الإكراه عدتها عشر

فهذه التصرفات لا تحتمل الفسخ, وتتوقف على الاختيار دون الرضا, ولهذا لو طلق, أو أعتق, أو تزوج بالإكراه وقع التصرف صحيحًا، ولا تأثير للإكراه فيه, سواء أكان الإكراه ملجئًا أم غير ملجئ.
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
(أ) بالقياس على الهزل، وذلك أن هذه التصرفات تصح ولا تبطل مع الهزل, مع أنه يعدم الاختيار بالحكم، فلأن لا يبطل بما لا يعدم الاختيار -وهو الإكراه- أولى.
(ب) أن المكره قصد إيقاع التصرف في حال أهليته؛ لأنه عرف الشرين: الهلاك، والتصرف، واختار أهونهما، واختيار أهون الشرين دليل القصد والاختيار، إلا أنه غير راض بحكمه، فيقع تصرفه.
وهذا ما ذهب إليه الحنفية.
بينما ذهب الجمهور: إلى بطلان هذه التصرفات وعدم وقوعها.
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
1- بقوله صلى الله عليه وسلم: "رفع عن أمتي الخطأ, والنسيان, وما استكرهوا عليه"([88]).
فقد دل هذا الحديث على أن الإكراه جعل عذرًا في الشريعة.
2- بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق"([89]) أي: في إكراه.
3- بأن الإكراه يبطل القصد والاختيار، وصحة القول بالقصد والاختيار، ليكون القول باعتبار القصد ترجمة عما في الضمير ودليلًا عليه، فيبطل القول عند عدم القصد، ألا يرى أن الكلام لا يصح من النائم لعدم الاختيار، ولا من المجنون لعدم القصد الصحيح، فعرفنا أن صحة الكلام باعتبار كونه ترجمة عما في القلب، والإكراه دليل على أن المكره متكلم لدفع الشر عن نفسه، لا لبيان ما هو مراد قلبه.
4- أنه قول حمل عليه بغير حق, فلم يثبت له حكم؛ ككلمة الكفر إذا أكره عليها.
وأما قياس الحنفية المكره على الهازل فهو قياس مع الفارق, فيكون غير صحيح، وذلك لأن الهازل ينطق بالصيغة وهو راغب في التكلم بها, ومختار اختيارًا صحيحًا، إلا أنه لا يريد ما يترتب عليها، وإنما يريد شيئًا آخر هو الاستهزاء واللعب، ومثل هذا يناسبه التغليظ والتشديد عليه، وذلك بجعل عبارته صحيحة، وعدم الاعتداد بهزله ولعبه.
أما المكره فليس له رغبة ولا اختيار صحيح في النطق بالصيغة, ولا يقصد من الإتيان بها استهزاء ولا لعبًا، وإنما يقصد دفع الأذى الذي هدد به عن نفسه، ومثل هذا يناسبه التخفيف وعدم التشديد، وذلك بإلغاء عبارته وعدم الاعتداد بها.
القسم الثاني: التصرفات القولية التي تحتمل الفسخ وتتوقف على الرضا.
وتتنوع هذه التصرفات إلى نوعين:
النوع الأول: الإقرارات: وذلك كالإكراه على الاعتراف بطلاق أو عتاق أو غيره مما لا يحتمل الفسخ، أو الإكراه على الاعتراف ببيع أو إجارة أو غيره مما يحتمل الفسخ، فإن أثر الإكراه على هذه الإقرارات هو: الإبطال وعدم الاعتداد بها شرعًا, سواء أكانت مما لا يحتمل الفسخ أم مما يحتمله.
وهذا ما اتفق عليه العلماء([90])، واستدلوا على ذلك:
بأن الإقرار إنما جعل حجة باعتبار ترجح جانب الصدق فيه على جانب الكذب، ولا يتحقق هذا الترجيح مع الإكراه، إذ هو قرينة على أن المقر لا يقصد بإقرار الصدق فيما أقر به، وإنما يقصد دفع الضرر الذي هدد به عن نفسه.
وأيضًا فإن الإكراه جعل مسقطًا للكفر, فبالأولى ما عداه.
النوع الثاني: العقود والتصرفات الشرعية: كالبيع والإجارة ونحوهما، فإن أثر الإكراه هو: الفساد وليس البطلان.
وهذا رأي الحنفية واستدلوا على ذلك:
بأن الإكراه لا يعدم الاختيار، وإنما يعدم الرضا، فينعقد فاسدًا لعدم الرضا، الذي هو شرط لصحة العقد أو لنفاذه، وليس ركنًا من الأركان, أو شرطًا من شروط الانعقاد، وعليه فلو أجازه المكره بعد زوال الإكراه صريحًا أو دلالة صح لتمام رضاه، فالفساد كان لمعنى وقد زال.
أما الجمهور: فقال ببطلان جميع التصرفات القولية, سواء أكانت مما لا يحتمل الفسخ، أو مما يحتمله، وسواء: أكان الإكراه ملجئًا أم غير ملجئ، للأدلة السابقة، وأيضًا لتخلف شرط الرضا في كل هذه التصرفات([91]).
وأرى أن رأي الجمهور هو الرأي الراجح لقوة أدلته.
المبحث الثاني: أثر الإكراه في التصرفات الفعلية
يختلف أثر الإكراه في التصرفات باختلاف نوع الإكراه، والفعل المكره عليه كما يلي:
أولًا: إذا كان الإكراه غير ملجئ؛ كالإكراه بحبس أو قيد أو بضرب لا يخاف منه على نفسه، وكان الفعل المكره عليه: قتل نفس بغير حق، أو شرب خمر، أو إتلاف مال الغير، وما أشبه ذلك، فالمسئولية تقع على المكره -بفتح الراء- أي: الفاعل؛ لأن المكره لا يصير آلة للمكره إلا عند تمام الإلجاء لفساد الاختيار, وخوف التلف على نفسه، وليس في التهديد بالحبس أو القيد أو الضرب معنى خوف التلف على نفسه، فيبقى الفعل مقصورًا عليه وحده.
ثانيًا: إذا كان الإكراه ملجئًا: فالأفعال بالنسبة إليه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أفعال لا يحل للمكره -بفتح الراء- الإقدام عليها أبدًا, وذلك كقتل النفس المعصومة, أو قطع عضو من الأعضاء, أو الضرب المفضي إلى هلاك النفس أو العضو.
وحكم هذا القسم: أنه لا يجوز للمكره الإقدام على هذا الفعل، بل يجب عليه الامتناع والصبر حتى ولو كان في امتناعه عن ذلك هلاك نفسه أو عضوه.
فإن أقدم على ذلك فعليه العقاب الأخروي -الإثم- باتفاق العلماء؛ لأن نفس الغير معصومة كنفس المكره، ولا يجوز للإنسان أن يدفع الضرر عن نفسه بإيقاعه على غيره.
يقول القرطبي: أجمع العلماء على أن من أكره على قتل غيره أنه لا يجوز له الإقدام على قتله, ولا انتهاك حرمته بجلد أو غيره، ويصبر على البلاء الذي نـزل به، ولا يحل له أن يفدي نفسه بغيره، ويسأل الله العافية في الدنيا والآخرة([92]).
كذلك اتفق العلماء على استحقاق الفاعل العقوبة الدنيوية، ولكنهم يختلفون في نوع هذه العقوبة وفيمن يستحقها، أهو المكره أم الحامل على الفعل على ثلاثة آراء:
الرأي الأول: للأئمة الثلاثة (مالك والشافعي وأحمد) وزفر من الحنفية, وهو: وجوب القصاص على المكرة -بفتح الراء- لأنه المباشر للفعل, وقد قتل المجني عليه ظلمًا وعدوانًا، فلا يعفى من القصاص.
الرأي الثاني: للإمام أبي حنيفة ومحمد بن الحسن, وهو: وجوب القصاص على المكره -بكسر الراء- مع وجوب تعزير المكره -بفتح الراء- بما يراه الإمام زجرًا له عن هذا الفعل؛ لأنه صار كالآلة في يد المكره، والعقوبة على الجريمة لا تكون للآلة التي تستخدم فيها، وإنما تكون لمن يستحقها، وهذا رأي عند الشافعية والحنابلة.
الرأي الثالث: لأبي يوسف, وهو: عدم وجوب القصاص عليهما؛ لأن القصاص لا يثبت إلا بالجناية الكاملة، ولم توجد الجناية الكاملة لكل منهما، وإنما تجب الدية على المكره -بكسر الراء.
القسم الثاني: أفعال يجب على المكره أن يقدم عليها عند الضرورة؛ كالإكراه على أكل الميتة، ولحم الخنـزير، وشرب الخمر، فيجب عليه الإقدام؛ لأن الشارع أباح ذلك في حالة الضرورة، يدل على ذلك قوله تعالى: }إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنـزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{([93]).
فإن لم يقدم حتى قتل أو قطع عضو من أعضائه كان آثمًا؛ لأنه ألقى بنفسه إلى الهلاك، والله سبحانه وتعالى يقول: }وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ{([94]).
القسم الثالث: أفعال يباح للمكره الإقدام عليها في حالة الضرورة؛ كالإكراه على النطق بكلمة الكفر، أو الاستخفاف بالدين، فهذا يجوز له النطق بالكلمة مع اطمئنان قلبه بالإيمان، لقوله تعالى: }إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ{([95]).
فإن لم يفعل حتى قتل كان مثابًا، يقول القرطبي: «أجمع العلماء على أن من أكره على الكفر، فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة»([96]).


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.29 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]