فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: (الطواف حول الكعبة)
الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين
س 886: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أذن للصلاة وأنا أطوف أو أسعى. فكيف أتصرف؟ أأقطع أم أكمل؟ وكذلك لو خرج مني ريح. ماذا أفعل؟ وكيف أتصرف لو كنت واقفاً بعرفة؟
فأجاب فضيلته بقوله: أما السؤال عن الصلاة إذا أقيمت والإنسان يطوف، فإنه يجب عليه قطع الطواف، والصلاة مع الجماعة، ثم إذا أتم صلاته قام بإتمام طوافه أو سعيه من المكان الذي وقف عليه، ولا حاجة إلى إعادة الشوط الذي قطعه، لأن الشوط الذي فعله قبل الإقامة واقع في محله، ولا دليل على بطلانه.
وعلى هذا فلا تستطيع أن تلزم الناس بشيء إلا بدليل تطمئن إليه النفس، لاسيما في أوقات المواسم، حيث يشق على الإنسان أن يرجع من أول الشوط.
وأما عن خروج الريح في عرفة أو الطواف أو السعي، فإن عرفة لا يشترط للوقوف بها الطهارة، وأما الطواف فإن الإنسان يخرج ويتوضأ ويبدأ الطواف من جديد، وأما السعي فلا تلزم له الطهارة، فلو أحدث في أثناء السعي لم يبطل السعي.
س 887: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل حج العام الماضي وأجل طواف الإفاضة مع طواف الوداع يقول: وأديت طواف الإفاضة ولم أكن على وضوء وأديت صلاة العشاء والمغرب أيضاً ولم أكلن على وضوء فأفيدوني بذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: نفيدك بأن صلاة المغرب والعشاء باطلة، وأنك آثم بذلك إن كنت تعلم بأن هذا حرام، وعليك أن تعيدها الآن فتصلي المغرب ثلاثاً والعشاء أربعاً لأنك صليت خلف الإمام، والمسافر إذا صلى خلف الإمام المقيم وجب عليه الإتمام، وأما بالنسبة للطواف فالراجح عندي أنه لا يلزمك إعادته؛ لأنه ليس هناك دليل على وجوب الطهارة من الحدث الأصغر عند الطواف وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- وانتصر له وأيده ببراهين من راجعها علم أن الصواب هذا القول، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يتساهل في هذا الأمر فيطوف بغير وضوء، إنما لو وقع مثل هذه الحالة التي سأل عنها السائل فإنه لا يلزمه إعادة الطواف وحجه قد تم.
س 888: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: كثير من الناس أو الرجال يحملون أطفالهم وهم يطوفون والطفل في الغالب يكون نجسًا فهل يكون طواف حامله صحيحاً؟
فأجاب فضيلته بقوله: نعم يكون صحيحاً ولا حرج في ذلك.
س 889: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل بعد الفراغ من عمرته وجد في ثياب إحرامه نجاسة فما الحكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا طاف الإنسان للعمرة وسعى وبعد ذلك وجد في ثوب إحرامه نجاسة فإن طوافه صحيح وسعيه صحيح وعمرته صحيحة، وذلك لأن الإنسان إذا كان على ثوبه نجاسة لم يعلم بها، أو كان عالماً بها ولكن نسي أن يغسلها وصلى في ذلك الثوب فإن صلاته صحيحة، وكذلك لو طاف بهذا الثوب فإن طوافه صحيح والدليل لذلك قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} وهذا دليل عام يعتبر قاعدة عظيمة من قواعد الشرع، وهناك دليل خاص في المسألة وهو أن الرسول - صلى الله عليه وسلم – صلى ذات يوم بأصحابه وكان من سنته عليه الصلاة والسلام أن يصلي في نعليه فخلع نعاله، فخلع الناس نعالهم، فلما أتم صلاته قال: "ما شأنكم " قالوا: رأيناك يارسول الله خلعت نعليك فخلعنا نعالنا.
قال: "إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيها خبثاً" يعني نجاسة، ولم يستأنف النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة مع أن أول صلاته كان قد لبس حذاءً نجساً، فدل هذا على أن من صلى بثوب نجس ناسياً، أو جاهلاً فإن صلاته صحيحة، وهنا مسألة إذا أكل الإنسان لحم جزور وقام يصلي ولم يتوضأ بناء على أنه أكل لحم غنم فهل يعيد الصلاة إذا علم؟
فنقول: إنه يعيد الصلاة بعد أن يتوضأ.
وإذا قال قائل: لماذا قلتم في من صلى بثوب نجس جاهلاً لا يعيد، وفيمن أكل لحم إبل جاهلاً إنه يعيد؟
قلنا: لأن لدينا قاعدة مفيدة مهمة وهي: أن المأمورات لا تسقط بالجهل والنسيان، والمنهيات تسقط بالجهل والنسيان، ودليل هذه القاعدة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (2) ولما سلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشي ونسي بقية الصلاة أتمها لما ذكر، فهذا دليل على أن المأمورات لا تسقط بالنسيان، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر من نسي صلاة أن يصليها إذا ذكر ولم يسقط عنه بالنسيان، وكذلك أتم الصلاة ولم يسقط بقيتها بالنسيان، والدليل على أن المأمورات لا تسقط بالجهل أن رجلاً جاء فصلى صلاة لا يطمئن فيها ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلم عليه فقال له: "ارجع فصل فإنك لم تصل " ورده ثلاث مرات وهو يصلي ويأتي فيقول: "ارجع فصل فإفك لم تصل " حتى علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلى صلاة صحيحة فهذا الرجل ترك واجباً جاهلاً، لأن الرجل قال: "والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا فعلمني " ولو كان الواجب يسقط بالجهل لعذره النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه القاعدة مهمة مفيدة لطالب العلم.
س 890: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الرجل في الطواف بالبيت العتيق وخرج من أنفه دم ثلاث أو أربع نقاط فهل يمكن أن يتم الطواف أو يتوقف ويعيد الوضوء أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا خرج من أنفه نقطتان أو ثلاث أو أربع أو أكثر فإنه يتم الطواف؛ لأن الذي يخرج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء مهما كثر، فالدم الخارج من الأنف وهو الرعاف لا
ينقض الضوء ولو كثر، والدم الخارج من جرح سكين، أو زجاجة، أو حجر لاينقض الوضوء ولو كثر، والحجامة لا تنقض الوضوء ولو كثر الدم، والقيء لا ينقض الوضوء، فكل ما خرج من غير السبيلين فإنه ليس بناقض للوضوء وذلك على القول الراجح، وذلك لعدم الدليل على أنه ناقض، ومن المعلوم أن المتوضىء قد أتم طهارته بمقتضى الدليل الشرعي، فلا يمكن أن تنتقض هذه الطهارة إلا بالدليل الشرعي، ولا يوجد في الكتاب ولا في السنة أن ما خرج من غير السبيلين يكون ناقضاً للوضوء، ومثل ذلك لو حصل له هذا في الصلاة يعني لو كان الإنسان يصلي فأرعف أنفه فإنه يستمر في الصلاة إذا كان يمكنه إكمالها، فإن لم يمكنه إكمالها لغزارة الدم وعدم تمكنه من الخشوع فليخرج منها، ثم إذا انتهى الدم عاد فابتدأ الصلاة من جديد.
س 891: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان الإنسان معتمراً واغتسل ثم خرج من جرح فيه بعض الدم فهل يكمل عمرته وهل هذا الدم ينقض الوضوء؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان الإنسان معتمراً وكان به جرح فخرج منه دم فإن ذلك لا تؤثر على عمرته شيئاً، وكذلك لو كان حاجاً وكان به جرح فخرج منه دم فإن ذلك لا يؤثر في حجه شيئاً، وكذلك لو جرح حال أحرامه فخرج منه دم فإن ذلك لا يؤثر في نسكه شيئاً، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه احتجم وهو محرم ، ولم يؤثر ذلك على نسكه شيئاً.
وأما بالنسبة لنقض الوضوء مما خرج من الجرح من الدم فإننا نقول: إنه لا ينقض الوضوء مهما كثر، فالدم الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء قل أوكثر وذلك لعدم الدليل الصحيح الصريح في نقض الوضوء بذلك، وإذا لم يكن هناك دليل صحيح صريح في نقض الوضوء به، فإن الأصل بقاء طهارته، ولا يمكن أن نعدل عن هذا الأصل وننقض الطهارة إلا بشيء متيقن؛ لأن القاعدة (أن اليقين لا يزول بالشك) وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيمن وجد في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ قال: "لا يخرج- يعنى من المسجد وكذلك من صلاته- حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحًا" وذلك لأن هذا الشك الطارىء على يقين الطهارة لا يؤثر، كذلك الحدث المشكوك في ثبوته شرعاً لا يؤثر على الطهر المتيقن، وخلاصة القول. إن الدم الخارج من الجرح في أثناء الإحرام بحج أو عمرة لا يؤثر، وأن الدم الخارج من غير السبيلين من غير القبل أو الدبر لا ينقض الوضوء سواء قل أم كثر، وكذلك لا ينتقض الوضوء بالقيء أو الصديد الخارج من الجروح أو غير ذلك؛ لأن الخارج من البدن لا ينقض الوضوء إلا ما كان من السبيلين، أي من القبل أو من الدبر.
بسم الله الرحمن الرحيم@
صاحب الفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين المحترم حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أرجو التكرم بالإجابة سريعاً على هذا السؤال: هذا شخص تذكر أنه كان عليه جنابة وهو مسافر في حجته الأولى، فلما وصل الميقات نسي أن عليه جنابة واغتسل للإحرام فقط، ولم ينو الاغتسال للجنابة، وهكذا أحرم للحج أيضاً فلم ينو الاغتسال من الجنابة، وبالإضافة إلى ذلك فقد رمى الجمرات آخر الليل من يوم العيد، والآن هو يسأل هل من الممكن أن يعتبر تلك الحجة ملغاة ، ويحج في هذه السنة بدلها، علماً بأنه كان قد حج بعد تلك الحجة المشار إليها، أو يمكن أن نعتبر تلك الحجة صحيحة بحيث نعتبر الغسل عن الجنابة يكفي عنه الغسل للإحرام؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
اغتساله للإحرام يجزىء عن اغتساله للجنابة؛ لأنه غسل مشروع، خصوصاً مع النسيان، وقد نص على ذلك الفقهاء بقولهم (وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب) وقيده بعضهم بما إذا كان ناسياً، وحالة الرجل المذكور منطبق على كلا القولين بأن ذلك يجزئه.
وأما كونه رمى الجمرات آخر الليل يوم العيد فالمعروف أن يوم العيد ليس فيه إلا جمرة العقبة فقط، فعلى هذا يكون صاحبنا على ما يظهر قدم الرمي قبل وقته، والأحوط أن يذبح هدياً يفرق كله على فقراء مكة، هذه قاعدة المذهب.
أما كونه يستبدل الحجة السابقة بحجة آخرى هذه السنة فلا داعي له، وليس ذلك بمشروع والله أعلم.
كتبه
أخوك: محمد الصالح العثيمين
في 19/ 11/1384 هـ
س 893: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل انتقض وضوؤه في أثناء الطواف فما الحكم أفتونا مأجورين؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا الرجل لما انتقض وضوؤه في أثناء الطواف كان الواجب عليه إذا كان الطواف طواف عمرة، أو حج أن ينصرف، وأن يتوضأ ويعيد الطواف من جديد؛ لأن طوافه بطل لما انتقض وضوؤه بناء على قول جمهور أهل العلم في أن الطواف تشترط له الطهارة، وإذا استمر في طوافه بعد الحدث والطواف طواف عمرة ثم سعى وحلق وحل، فإنه يلزمه أن يخلع ثيابه ويلبس ثياب الإحرام ويطوف من جديد ويسعى ويحلق أو يقصر.
فإن قدر أن الرجل قد ذهب إلى بلده فإننا نقول: لا يلزمه شيء؛ لأن القول بعدم اشتراط الطهارة بالوضوء للطائف قول له وجه، وهو قول قوي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- وقال: إن الإنسان إذا طاف على غير وضوء فطوافه صحيح. وعند التأمل في دليل هذا القول يتبين أنه قول قوي، ولكن متى أمكن أن يطوف الإنسان على طهارة فإنه بلا شك أفضل.
س 894: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فتاة تقول: أديت فريضة الحج هذه السنة والحمد لله، وما يشغل بالي هو أنني في يوم النحر ذهبنا إلى رمي الجمار سيراً على الأقدام وكانت الشوارع متسخة وفيها مياه ونحن لا نستطيع الابتعاد عن الأماكن المتسخة من شدة الزحام ولما وصلنا إلى الحرم دخلت الحرم والجوارب متبللة ولا أستطيع خلعها لأنها من لباس الإحرام ودخلت وسعيت وهي نجسة وأنا لا أدري هل حجي صحيح أرشدوني جزاكم الله خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجها صحيح، والماء الذي تطؤه بقدمها إذا لم تتيقن نجاسته فالأصل فيه الطهارة، ولا فرق في هذا بين أن يكون الماء كما ذكرت مما يضطر الإنسان إلى خوضه، أو في أماكن السعة فإن الماء الذي لم يعلم الإنسان نجاسته ولا يتيقنها حكمه أنه طاهر لا ينجس ثوبه، ولا ينجس نعله ولا شيء أبداً.
وأما قولها: إنها لم تخلعها؛ لأنها من لباس الإحرام فلعلها تعتقد كما يعتقد كثير من الناس أن من أحرم بثوب لا يمكنه أن يخلعه، وهذا ليس بصحيح، فإن المحرم يجوز له أن يغير ثياب الإحرام سواء لحاجة أم لغير حاجة إذا غيرها إلى ما يجوز لبسه حال الإحرام، وأما ما اشتهر عند العامة أنه لا يغيرها، فهذا لا أصل له، ولو أن هذه المرأة خلعت هذا الجوارب إذا كانت قلقة منها ثم لبست جوارب نظيفة لم يكن عليها في ذلك بأس.
س 895: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لقد قدمت للعمرة أنا وأهلي، ولكن حين وصولي إلى جدة أصبحت زوجتي حائضاً، ولكن أكملت العمرة بمفردي دون زوجتي فما الحكم بالنسبة لزوجتي؟
فأجاب فضيلته بقوله: الحكم بالنسبة لزوجتك أن تبقى محرمة حتى تطهر ثم تقضي عمرتها؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حاضت صفية- رضي الله عنها- قال: "أحابستنا هي "؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: "فلتنفر إذن " فقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أحابستنا هي؟ " دليل على أنه يجب على المرأة أن تبقى إذا حاضت قبل طواف الإفاضة لا تطوف حتى تطهر فإذا حاضت قبل الطواف فإنها تبقى محرمة حتى تطهر وتغتسل وتطوف، أما لو طافت طاهرة ثم حاضت قبل السعي فإنها تسعى ولو كانت حائضاً ولا حرج. وكذلك طواف العمرة مثل طواف الإفاضة، لأنه ركن من أركان العمرة.
س 896: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل قدم من داخل المملكة للعمرة وقبل دخول الحرم حاضت زوجته فاجتهد وقال لها: تحفظي جيداً وطوفي وأتمي العمرة حيث إننا لا نستطيع المكث والانتظار أو العودة مرة أخرى فما رأي فضيلتكم؟
فأجاب فضيلته بقوله: أن هذا فتوى من جاهل وأنه لا يحل للإنسان أن يفتي إلا بعلم، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما قيل له إن صفية زوجته حاضت قال: "أحابستنا هي " ستحبس القوم: الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحابة- رضي الله عنهم- حتى تطهر "أحابستنا هي " قالوا: إنها قد أفاضت. قال: (انفروا) لأن طواف الوداع لا يجب على الحائض، فهذه الفتوى التي أفتاها غلط وخطأ، والواجب عليها الآن أن تتجنب جميع محظورات الإحرام ومن معاشرة الزوج؛ لأنها لم تزل على إحرامها، ولتذهب إلى مكة وتكمل العمرة لأنها لاتزال محرمة فلا تذهب إلى الميقات بل تذهب إلى مكة وتطوف وتسعى وتقصر.
وأما مسألة الاستثفار والطواف وهي حائض فيجب أن يعلم أنه لم يقل بها إلا قليل من العلماء، ولم يقولوا بها في مثل حالنا الآن قالوا بها: إذا جاءت امرأة على بعير من بلاد بعيدة من الشام، أو العراق، أو مصر، أو ما وراء ذلك، ولم تتمكن من إبقاء الناس معها، ولا تتمكن من الرجوع، فبعض العلماء يقول: تبقى على إحرامها إلى يوم القيامة لا تتزوج ولا يأتيها زوجها ولا شيء من المحظورات لأنها ما كملت فتبقى. وبعض العلماء يقول: تكون محصرة ومعنى محصره، أنها تذبح هدياً ولم تكن أتت بالفريضة عليها، فترجع بدون أداء الفريضة، والمسألة فيها ثمانية أقوال للعلماء، وذهب شيخ الإسلام- رحمه الله- مذهباً جيداً، قال: إذا كانت لا تستطيع أن ترجع ولا تستطيع أن تبقى حتى تطهر فلها أن تستثفر بثوب وتطوف ولا حرج عليها، لكن الذي في أطراف المملكة إذا كان لا يمكن أن يبقى في مكة يستطيع أن يذهب بأهله وهي حائض قبل أن تؤدي النسك، وإذا طهرت رجع به، فليتق الله أخانا وليعلم أن الإقدام على الفتوى بلا علم ليس بالهين قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} وقال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا } فليتق الله وليبادر الآن قبل أن يكثر الزحام للحج في مكة ويذهب بامرأته لتكمل عمرتها.
س 897: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة أحرمت مع زوجها وهي حائض وعندما طهرت اعتمرت بدون محرم ثم إنها رأت الدم بعد ذلك فما الحكم؟ أفتونا جزاكم الله عنا وعن المسلمين خيراً؟
فأجاب فضيلته بقوله: نقول إن هذه المرأة فيما يبدو قدمت إلى مكة هي ومحرمها وقد كانت أحرمت من الميقات وهي حائض، وإحرامها من الميقات وهي حائض إحرام صحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما استفتته أسماء بنت عميس- رضي الله عنها- وهو في ذي الحليفة قالت: يا رسول الله إني نفست قال: "اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي " وإذا قدمت مكة وطهرت وأدت العمرة بدون محرم فلا حرج عليها لأنها في وسط البلد، لكن رجوع الدم إليها بعد قد يورث إشكالاً في هذه الطهارة التي رأتها فنقول لها: إذا كنت قد رأيت الطهر يقيناً فإن عمرتك صحيحة، وإن كنت في شك من هذا الطهر فأعيدي العمرة من جديد لكن ليس معنى إعادة العمرة من جديد أن تذهبي إلى الميقات فتحرمي من جديد، وإنما نريد أن تعيدي الطواف والسعي والتقصير.
س 898: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن امرأة أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج وعندما وصلت مكة حاضت فطافت للعمرة وسعت وهي حائض حياءً ثم طهرت بعد الوقوف بعرفة فما حكم حجها؟
فأجاب فضيلته بقوله: حجها هذا يكون قراناً لا متعة؛ لأن طوافها الأول غير صحيح، وسعيها المبني عليه غير صحيح، فتكون باقية على إحرامها، وإذا أحرمت بالحج في اليوم الثامن صارت أدخلت الحج على العمرة فتكون قارنة، والقارن مثل المتمتع عليه هدي يذبح يوم العيد، أو ثلاثة أيام بعد العيد، فالحمد لله حجها صحيح، وذمتها بريئة إن شاء الله.
س 899: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذهبت إلى مكة من أجل أداء العمرة، وبعد الإحرام، وحين وصولي إنا وزوجتي باب الحرم، أصاب امرأتي دم. فاعتقدت أنها العادة الشهرية، فلم تؤد عمرتها وعدنا إلى بلدنا ثم توقف الدم، فما الحكم في مثل هذه الحال؟
فأجاب فضيلته بقوله: جواب سؤالك ينقسم إلى شقين:
الشق الأول: أن زوجتك لا تزال باقية على إحرامها.
الشق الثاني: أنه يجب عليك أن لا تقربها حتى تكمل عمرتها، وعليها أن تعود إلى مكة لتكمل العمرة، وليتك سألت قبل خروجك من مكة حتى تعلم الحكم. والله الموفق.
س 900: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل يجوز للحائض دخول المسجد الحرام أم لا؟ وإذا أحست المرأة بنزول دم الحيض في أثناء الطواف فماذا تصنع؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز لها أن تدخل المسجد الحرام إلا مارة به فقط، وإما المكث للطواف، أو لسماع الذكر، أو التسبيح، أو التهليل فإنه لا يجوز.
وإذا أحست بنزول دم الحيض في أثناء الطواف فتستمر في طوافها ما دامت لم تتيقن أنه خرج الحيض، فإن تيقنت أن الحيض قد خرج منها فيجب عليها أن تنصرف، وتنتظر حتى تطهر، فإذا طهرت ابتدأت الطواف من جديد.
س 901: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت وجاءتها الدورة الشهرية فاستحيت أن تخبر أحداً ودخلت الحرم فصلت وطافت طواف الإفاضة وسعت فماذا يلزمها؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة إذا كانت حائضاً أو نفساء أن تصلي سواء في مكة، أو في بلدها، أو في أي مكان؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرأة: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم " وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل للحائض أن تصوم، ولا يحل لها أن تصلي، وعلى هذه المرأة التي فعلت ذلك أن تتوب إلى الله، وأن تستغفر مما وقع منها.
وأما طوافها حال الحيض فهو غير صحيح، وأما سعيها فصحيح؛ لأن القول الراجح جواز تقديم السعي على الطواف في الحج، وعلى هذا فيجب عليها أن تعيد الطواف؛ لأن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، ولا يتم التحلل الثاني إلا به، وبناء عليه فإن هذه المرأة لا يباشرها زوجها إن كانت متزوجة حتى تطوف، ولا يعقد عليها النكاح إن كانت غير متزوجة حتى تطوف.
والله تعالى أعلم.
س 902: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة حجت وجاءتها الدورة الشهرية فلم تخبر أحداً حياءً ودخلت الحرم وصلت وطافت وسعت فماذا يلزمها علما بأن الدورة جاءت بعد النفاس؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يحل للمرأة إذا كانت حائضاً أو نفساء أن تصلي لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحائض: "أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم " وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل للحائض أن تصوم ولا يحل لها أن تصلي فعلى هذه المرأة أن تتوب إلى الله وأن تستغفر مما وقع منها.
وأما طوافها فإنه إن كان هذا في أول ما قدمت مكة وهي حاجة فإن هذا الطواف يقع غير صحيح عند جمهور أهل العلم، وإذا لم يكن صحيحاً لم يصح السعي الذي بعده، وحينئذ تكون قارنة؛ لأنها أحرمت بالحج قبل أن تحل من العمرة، إذ إنها لا يمكن أن تحل من العمرة إلا بطواف وسعي وتقصير، وهذه لم يكن لها طواف وسعي صحيح، فإذا أحرمت للحج بعد ذلك صارت قارنة بدل أن تكون متمتعة، وحينئذ لا يكون عليها شيء فيما فعلت بين العمرة والحج لأنها جاهلة، أما إذا كان الطواف طواف الإفاضة أيضاً غير صحيح إلا أن السعي صحيح لأن الراجح جواز تقديم السعي على الطواف في الحج، فعليه فهذه المرأة إن كان الطواف طواف الإفاضة لم تحلل التحلل الثاني فليزمها أن تذهب لتطوف طواف الإفاضة، ولا يحوز لزوجها أن يعاشرها حتى تطوف.
وبهذه المناسبة أحب أبين للنساء مسألة هامة في حال الحيض، فالمرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الصلاة فإنه يجب عليها إذا طهرت أن تقضي تلك الصلاة التي حاضت في وقتها إذا لم تصلها قبل أن يأتيها الحيض، وذلك لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" فإذا أدركت المرأة من وقت الصلاة مقدار ركعة ثم حاضت قبل أن تصلي فإنها إذا طهرت يلزمها القضاء.
ثانيا: إذا طهرت من الحيض قبل خروج وقت الصلاة فإنه يجب عليها قضاء تلك الصلاة، فلو طهرت قبل أن تطلع الشمس بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة الفجر، ولو طهرت قبل منتصف الليل بمقدار ركعة وجب عليها قضاء صلاة العشاء وقد قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} أي فرض موقت بوقت محدد، فلا يجوز للإنسان أن يخرج الصلاة عن وقتها ولا أن يبدأ قبل وقتها. والله الموفق.
س 903: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: فتاة ذهبت مع أهلها إلى مكة للعمرة فأحرمت وهي حائض وعندما وصلوا إلى الحرم انتهت الدورة فطافت وأكملت مع أهلها ولم تخبرهم لأنها خجلت من ذلك فماذا عليها؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليها شيء إذا كانت قد أحرمت من الميقات؛ لأن هذا هو الصحيح، لكن إن كانت طافت وسعت قبل أن تغتسل فطوافها وسعيها غير صحيح، أما الطواف فإنها طافت على غير طهارة طافت على حيض، وأما السعي فلأنه لا يصح السعي قبل الطواف في العمرة، وعلى هذا فالواجب عليها إن كانت طافت وسعت قبل أن تغتسل أن تذهب الآن إلى مكة لتطوف وتسعى وتقصر، وأن تعتبر نفسها الآن في إحرام فلا يحل لها ما يحرم على المحرم من الطيب وغيره حتى تنهي عمرتها، والذي يظهر لي من سؤالها أنها لم تغتسل لأنها مشت مع أهلها ولم تغتسل.
س 904: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا أحرمت المرأة للعمرة ثم أتتها العادة الشهرية قبل الطواف وبقيت في مكة ثم طهرت وأرادت أن تغتسل فهل تغتسل في مكة أم تذهب لتغتسل من التنعيم؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا أحرمت المرأة بالعمرة وأتاها الحيض، أو أحرمت بالعمرة وهي حائض فعلاً، ثم طهرت فإنها تغتسل في مكان إقامتها في بيتها، ثم تذهب وتطوف وتسعى وتؤدي عمرتها، ولا حاجة إلى أن تخرج إلى التنعيم، ولا إلى الميقات؛ لأنها قد أحرمت من الميقات، لكن بعض النساء إذا مرت بالميقات وهي حائض وهي تريد عمرة لا تحرم وتدخل مكة، وإذا طهرت خرجت إلى التنعيم فأحرمت منه، وهذا خطأ؛ لأن الواجب على كل من مر بالميقات وهو يريد العمرة أو الحج أن يحرم منه حتى المرأة الحائض تحرم وتبقى على إحرامها حتى تطهر إلا إذا قدر أنها لما مرت بالميقات فرأت نفسها حائضاً ألغت النية تماماً، ثم طهرت في مكة وأرادت العمرة فإنها تحرم من الحل.
ويشكل على النساء في هذه المسألة أنهن يظنن أن المرأة إذا أحرمت بثوب لا تغيره، وهذا خطأ؛ لأن المرأة في الإحرام ليس لها لباس معين كالرجل، فالرجل لا يلبس القميص والبرانس والعمائم والسراويل والمرأة يحل لها ذلك تلبس ما شاءت من الثياب غير ثياب الزينة، فإذا أحرمت بثوب وغيرته إلى آخر فلا حرج، لذلك نقول للمرأة: أحرمي إذا مررت بالميقات وأنت تريدين العمرة أو الحج، وإذا طهرت فاغتسلي، ثم اذهبي للطواف والسعي والتقصير، وتغيير الثياب لا يضر ولا أثر له في هذا الأمر أبداً.
س 905: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا حاضت المرأة في أثناء الطواف في الحج فماذا تفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا حاضت في أثناء الطواف إن كان الطواف طواف الوداع خرجت ولا شيء عليها، وإن كان طواف الإفاضة خرجت ثم أعادت الطواف إذا طهرت.
يتبع