فتاوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: (الطواف حول الكعبة)
الشيخ/ محمد بن صالح العثيمين
س836: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رجل يقول: أديت فريضة الحج في عام مضى ولكن حينما دخلنا الحرم بقصد الطواف والسعي للعمرة كان معنا أحد إخواننا ممن سبقونا بأداء الفريضة وبعد أن طفنا أربعة أشواط اعترض طريقنا، وقال: يكفي هذا الطواف. فقلت له: الذي أعرف أن الطواف سبعة أشواط.
فقال: الطواف حول الكعبة أربعة أشواط والباقي في المسعى وفعلاً اتجهنا إلى المسعى وسعينا سبعة أشواط وأكملنا بقية مناسك الحج فما الحكم في عملنا هذا وهل يلزمنا شيء لتصحيحه الآن؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذه الفتوى التي أفتاكم بها هذا الرجل فتوى غلط وخطأ، وهو بهذا آثم؛ لأنه قال على الله ما لا يعلمه، ولا أدري كيف يجرؤ هذا على مثل هذه الفتيا بدون علم ولا برهان؟! أن يتوب إلى الله من هذا الأمر، وأن لا يفتي إلا عن علم بإدراكه لكتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - إن كان أهلاً لذلك، وإما بتقرير من يثق به من العلماء، وأما الفتوى هكذا فلا ينبغي بل لا يجوز أن يفتي بغير علم لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، وقال سبحانه وبحمده: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا }. وما أكثر الذين يفتون فتاوى بغير علم ولا سيما في الحج، ولكن عليهم أن يتوبوا إلى الله عز وجل، وأن لا يتجرؤا
على الفتوى إلا بعلم؛ لأن المفتي يعبر عن حكم الله عز وجل ويقول على الله وفي دينه فعليه أن يتقي الله تعالى في نفسه، وفي عباد الله، وفي دين الله تبارك وتعالى، وينبغي لكم أنتم- أيها السائل ومن معه- حين قال لكم: إن أربعة أشواط تكفي أن لا تعتدوا بقوله، وقد كان عندكم شبهة " لأنه لابد من سبعة أشواط، ولو أنكم سألتم في ذلك الوقت لأخبرتم بالصواب، ولكن مع الأسف إن كثيراً من الناس يتهاون في هذه الأمور، ثم إذا مضى الوقت وانفلت الأمر جاء يسأل.
وأما الجواب عن مسألتكم هذه: فإن عمرتكم لم تصح؛ لأنكم لم تكملوا الواجب في طوافها، فيكون حلكم منها في غير محله وإحرامكم للحج يكون إحراماً بحج قبل تمام العمرة، وتكونون في هذا الحال قارنين، بمعنى أن حكمكم حكم القارن؛ لأنكم أدخلتم الحج على العمرة، وإن كان إدخالكم هذا بعد الشروع في الطواف لكن هذا الطواف لم يكن صحيحاً حينما قطعتموه قبل إكماله، فيكون حجكم حج قران بعد أن أردتم التمتع، ويكون الهدي الذي ذبحتموه هدياً عن القرآن لا عن
التمتع، ويكون عملكم هذا مجزئاً ومؤدياً للفريضة فريضة الحج وفريضة العمرة، وأما ما فعلتموه بعد التحلل من العمرة فإنه لا شيء عليكم فيه، لأنكم فعلتموه عن جهل، والجاهل لا شيء عليه إذا فعل شيئاً من محظورات الإحرام؛ لقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} ولقوله عز وجل: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} إلا أنني ألومكم حيث قصرتم في عدم السؤال في حينه ولو أنكم سألتم حين أنهيتم أعمال العمرة حتى يتبين لكان هذا هو الواجب
عليكم.
س 837: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما هو طواف القدوم وما كيفيته؟
فأجاب فضيلته بقوله: طواف القدوم هو الطواف بالبيت العتيق أول ما يقدم مكة، فإن كان محرماً بالحج مفرداً فهذا طوافه طواف سنة وليس بواجب، ودليل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله عروة بن المضرس- رضي الله عنه- وهو في مزدلفة في صلاة الصبح سأله بأنه لم يدع جبلاً إلا وقف عنده، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: "من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حج وقضى تفثه " (2) ولم يذكر عروة أنه طاف بالبيت، فدل هذا على أن طواف القدوم للحاج المفرد سنة وليس بواجب.
وكذلك من طواف القدوم إذا طاف للعمرة أول ما يقدم سواء كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج، أو كان محرماً بعمرة مفردة، فإن هذا الطواف -القدوم- كان ركناً في العمرة يسمى طواف القدوم أيضاً؛ لأنه متضمن لطواف العمرة الذي هو الركن، ولطواف القدوم، وهذا بمنزلة من يدخل المسجد فيصلي الفريضة، فتكون هذه الفريضة فريضة وتحية المسجد في آن واحد.
كذلك يكون لمن حج قارناً لأن الحاج القارن أفعاله كأفعال المفرد تماماً إلا أنه يمتاز عنه بأنه يحصل على نسكين، وأنه يجب عليه الهدي هدي التمتع، لقول الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} وقد ذكر العلماء أو أكثرهم أن القارن كالمتمتع، وبعضهم أطلق على القارن اسم المتمتع.
س 838: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: امرأة تقول: لقد أحرمت بالعمرة وأديت مناسكها غير أني طفت بالبيت الحرام أكثر من سبع مرات؛ لأنني كنت مشغولة بالدعاء، ولا أستطيع حصر العدد، فكنت أعد من الأول في كل مرة وتقريباً طفت أكثر من عشرين مرة، وقلت في نفسي: أطوف أكثر من باب الخير، فهل هذا يجوز وهل عمرتي صحيحة أم غير صحيحة نرجو التوضيح يافضيلة الشيخ؟
فأجاب فضيلته بقوله: الأولى بالمسلم والأجدر به أن يكون مهتماً بعبادته، وأن يكون حاضر القلب فيها حتى لا يزيد فيها ولا ينقص، ومن المعلوم أن المشروع في الطواف أن يكون سبعة أشواط فقط بدون زيادة، ولا تنبغي الزيادة على سبعة أشواط، ولكن إذا شك هل أتم سبعة أو ستة ولم يترجح عنده أنها سبعة فإنه يأتي بواحد أي بشوط واحد يكمل به الستة، ولا ينبغي أن يزيد عن العدد الذي شرعه الله عز وجل، في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكون الإنسان يشتغل بالذكر والدعاء في الطواف لا يمنع أبداً أن يكون حاضر القلب في عدد الطواف، لكن لو فرض أن الإنسان زاد على سبعة أشواط فإن طوافه لا يبطل، لانفصال كل شوط عن الآخر، بخلاف الصلاة فإنه لو صلى الرباعية خمساً لم تصح صلاته لأنها جزء واحد، فإنه في صلاة من حين أن يكبر يدخل في تحريم الصلاة إلى أن يسلم، أما الطواف فإن كل شوط مستقل بنفسه وإن كان سبعة أشواط متوالية، لكن إذا زاد ثمانية أو تسعة أو عشرة فإن ذلك لا يبطل الطواف.
س 839: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى من طواف القدوم خاص بالرجال أم عام للنساء والرجال؟ وهل يشرع الرمل في الشوط كله أو بعضه؟
فأجاب فضيلته بقوله: الرمل خاص بالرجال، فالنساء لا يسن في حقهن الرمل، ولا السعي الشديد بين العلمين في المسعى.
وهو خاص بالأشواط الثلاثة الأولى، ويستوعب جميع الشوط، يعني من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، لأنه آخر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع ، أما في عمرة القضية فكانوا يرملون من الحجر إلى الركن اليماني، ويمشون ما بين الركنين لأجل إغاظة قريش (2)، وقد كانت قريش في الجهة الشمالية من الكعبة فإذا اختفى الصحابة- رضي الله عنهم- صاروا يمشون مشياً، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع رمل في الأشواط كلها أي الأشواط الثلاثة الأولى كلها.
س 840: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل الطواف والسعي عبادة مستقلة أو هما جزء من العمرة والحج؟
فأجاب فضيلته بقوله: الطواف بالبيت عبادة مستقلة تارة، وجزء من عبادة تارةً أخرى، فهو جزء من الحج والعمرة، وعبادة مستقلة يتعبد لله تعالى به في كل وقت بدون إحرام.
وأما السعي بين الصفا والمروة فليس عبادة مستقلة، بل هو جزء من العبادة، جزء من الحج والعمرة، ولا يتعبد لله تعالى به وحده بدون حج ولا عمرة.
س 841: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: عن تزاحم النساء علي الحجر ومزاحمة الرجال واختلاطهن بالرجال؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن التزاحم على الحجر إلى هذا الحد المشاهد خلاف السنة، هؤلاء الذين يتزاحمون هذا الزحام على الحجر هل يكون في قلوبهم خشوع واستحضار أنهم يقيمون ذكر الله؟! أبداً، بل رأينا من الجهال من هو في صلاة الفريضة يقوم يركض قبل أن يسلم الإمام من أجل أن يقبل الحجر ولا يطوف أيضاً، وتقبيل الحجر بدون طواف ليس مشروعاً فيما نعلم؛ لأن تقبيل الحجر من مسنونات الطواف لكن الجهل يغلب على الناس.
س842: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل تقبيل الحجر الأسود مشروع بدون طواف؟
فأجاب فضيلته بقوله: الذي يظهر لي أن تقبيل الحجر الأسود من سنن الطواف، وأن تقبيله بدون طواف ليس بمشروع.
س843: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يحصل الزحام الشديد لتقبيل الحجر فهل هذه مشروع؟
فأجاب فضيلته بقوله: الزحام لتقبيل الحجر غير مشروع وغير مسنون، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمر: "إنك رجل قوي فلا تزاحم، فتؤذي الضعيف، إن وجدت فرجة فاستلمه وإلا فاستقبله وهلل وكبر" والزحام يحصل به أذية على الطائف وعلى الآخرين، ويذهب عن القلب الخشوع الذي يراد للعبادة؛ لأنه يكون مشغولاً بنفسه لا يدري هل يستطيع الخروج أو لا، فلذلك نرى أنه ليس من السنة أن تزاحم لتقبيل الحجر، والحمد لله يكفي عن التقبيل أن تشير إليه.
س 844: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: يلاحظ التحلق على النساء في المطاف حتى يستدبر بعضهم الكعبة؟
فأجاب فضيلته بقوله: التحلق على النساء في المطاف صورته: إذا كانوا يطوفون يتحلقون على النساء حتى إن بعضهم يمشي في الطواف وقد جعل الكعبة خلف ظهره، والثاني جعل الكعبة أمام وجهه، وكلا الرجلين لا يصح طوافه؛ لأنه لابد أن يكون البيت عن يسارك وأنت تطوف، فلذلك يجب التنبه لهذا.
س 845: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: رأيت بعض الطائفين يدفع نساءه لتقبيل الحجر فأيهما أفضل تقبيل الحجر أو البعد عن مزاحمة الرجال؟
فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا السائل رأى هذا الأمر العجيب، فأنا رأيت أمراً أعجب منه، رأيت من يقوم قبل أن يسلم من الفريضة ليسعى بشدة إلى تقبيل الحجر، فيبطل صلاته الفريضة المفروضة التي هي أحد أركان الإسلام، لأجل أن يفعل هذا الأمر الذي ليس بواجب، وليس ا بمشروع أيضاً إلا إذا قرن بالطواف، وهذا من جهل الناس الجهل المطلق الذي يأسف الإنسان له، فتقبيل الحجر واستلام الحجر ليس بسنة إلا في الطواف، لأني لا أعلم أن استلامه مستقلاً عن الطواف من السنة، وأنا أقول في هذا المكان- المسجد الحرام- لا أعلم، وأرجو ممن عنده علم خلاف ما أعلم أن يبلغنا به جزاك الله خيرا.
إذا فهو من مسنونات الطواف، ثم إنه ليس بمسنون إلا حيث لا يكون بذلك أذية لا على الطائف ولا على غيره، فإن كان في ذلك أذية على الطائف أو على غيره، فإننا ننتقل إلى المرتبة الثانية التي شرعها لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث إن الإنسان يستلم الحجر بيده ويقبل يده. فإن كانت هذه المرتبة لا يمكن أيضاً إلا بأذى أو مشقة فإننا ننتقل إلى المرتبة الثالثة التي شرعها لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي الإشارة إليه، فنشير إليه بيدنا، لا بيدينا الاثنتين، ولكن بيدنا الواحدة اليمنى نشير إليه ولا نقبلها هكذا كانت سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وإذا كان الأمر أفظع وأشد كما يذكر السائل أن الإنسان يدفع نساءه وربما تكون المرأة حاملاً، أو عجوزاً، أو فتاة لا تطيق، أو صبياً يرفعه بيده ليقبل الحجر، كل هذا من الأمر المنكر، لأنه يحصل بذلك ضرر على الأهل، ومضايقة ومزاحمة للرجال، وكل هذا مما يكون دائراً بين التحريم أو الكراهة، فعلى المرء أن لا يفعل ذلك ما دام الأمر ولله الحمد واسعاً فأوسع على نفسك، ولا تشدد فيشدد الله عليك.
رسالة
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله ورعاه.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
لقد وصلني نسخة مما كتبته إحدى الأخوات في مسائل تتعلق بالنساء خصوصاً في رمضان، ومن ضمن ذلك مسألة خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها، و أن ذلك قد أُلغِيَ بسبب وجود السترة في هذه الأزمان، وزمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس فيه سترة، وقد قرضتم تلك النصيحة.
وحيث إنه مر علينا في قراءتنا لمناسك الحج هذه الأيام مسألة الرمل في الأشواط الثلاثة من طواف القدوم، وأن سببه إظهار القوة والجلد عند المشركين في تلك العمرة، ورد ما قالوه من ضعف المسلمين من حمى يثرب. وحيث إن هذه العلة زالت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والحكم باقٍ إلى قيام الساعة. فما الذي يزيل الحكم في مسألة صفوف النساء إذا زال سببه علماً بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر السبب؟ بينوا لنا وجه الصواب. وفقكم الله وسدد خطاكم، ونفع بكم الإسلام والمسلمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
مسألة الرمل بقيت المشروعية فيه في حجة الوداع مع زوال السبب، بل زيد في ذلك ما بين الركنين اليماني والأسود، حيث كان قبل ذلك لا رمل فيما بينهما، وقد صح في البخاري أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- أنه قال: "مالنا وللرمل إنما كنا راءينا به المشركيين، وقد أهلكهم الله " ثم قال: "شيء صنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا نحب أن نتركه " ثم إن من حكمة بقاء هذه السنة أن يتذكر المسلمون أن إغاظة الكفار من الأمور المقصودة شرعاً، وأن الكفار أعداء للمسلمين يحبون لهم الضعف والعجز، ويظهرون الشماتة فيهم، نسأل الله أن يخذلهم وينصرنا عليهم.
أما من جهة صفوف النساء فلم تتغير الحال في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا فهمنا الحكمة من حثهن على التأخر بعدهن عن الرجال كما كن يصلين مع الرجال في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا صلين وحدهن عادت فضيلة الصف الأول كما لو صلين جماعة فإن الصف الأول في حقهن أفضل، هذا ما تبين لي والعلم عند الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتبه
محمد الصالح العثيمين
في 19/ 11/1410 هـ
س 846: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ذكرتم أن الطائف يشرع له في طوافه أن يقبل الركن الأسود إن أمكن وإلا يلمس أو يكبر وهذا في الشوط الأول فما حكم بقية الأشواط؟ وما الحكم لو لم يفعل؟
فأجاب فضيلته بقوله: جميع الأشواط حكمها واحد، وإن لم يفعل فليس عليه شيء، لأن التكبير والتقبيل والمسح سنة، والمقصود الطواف.
س 847: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا انتهى الإنسان من الشوط السابع في الطواف فهل يسن له استلام الحجر والتكبير؟
فأجاب فضيلته بقوله: لا يسن له استلام الحجر، ولا التكبير في نهاية الشوط الأخير، لأن الطواف انتهى، والاستلام والتكبير إنما هما في أول الشوط لا في آخره.
س 848: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك ذكر مشروع عند مسح الركن اليماني؟
فأجاب فضيلته بقوله: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستلمه ولم يكن يكبر كما ثبت ذلك من حديث جابر- رضي الله عنه- وعلى هذا فلا يسن التكبير عند استلامه.
س 849: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الدعاء المشروع للطائف بين الركن اليماني والحجر الأسود؟
فأجاب فضيلته بقوله: المشروع: أن يقول: {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أما تكملة الدعاء (وأدخلنا الجنة مع الأبرار). فهذا لا أصل له، وبعضهم يزيد: (يا عزيز يا غفار يارب العالمين) وهذا لا أصل له.
ولكن إذا قدر أن الإنسان قال هذا الدعاء ولم يصل إلى الحجر بأن كان المطاف مزحوماً مثلاً، فإنه يكرر هذا الدعاء مرة بعد أخرى حتى يصل إلى الحجر الأسود.
س 850: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: بالنسبة للركن اليماني كثير من الناس وخاصة أيام الزحام لا يستطيعون أن يمسحوه فيكبرون إذا حاذوه فما حكم التكبير والإشارة إليه؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا التكبير لا أعلم له أصلاً، ولا أعلم للإشارة أصلاً أيضاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا لم يعلم لذلك أصل لا لأشارة ولا لتكبير، فإن الأولى أن لا يكبر الإنسان ولا يشير.
وأما الحجر الأسود فقد ثبت فيه التكبير والإشارة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبما أننا نتحدث عن الطواف فإن من البدع أيضاً ما يوجد في هذه الكتيبات التي تجعل لكل شوط دعاء خاصاً، فإن هذا ليس وارداً عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولا ينبغي للمسلم التزامه ولا العمل به أيضاً؛ لأن كل شيء لم يرد عن الرسول عليه الصلاة والسلام مما يتعبد لله به فإنه بدعة ينهى عنها، وهو كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "كل بدعة ضلالة" ولو أن الإنسان اتخذ دعاء عاماً مما وردت به السنة غير مخصص بكل شوط، لقلنا: إن هذا لا بأس به، بشرط أن لا يعتقد مشروعيته في الطواف، ولو أن الإنسان دعا لنفسه بما يريد وذكر الله تعالى بما يحضره من الأذكار المشروعة لكان هذا أولى فالوجوه إذن ثلاثة: تارة يذكر الإنسان ربه بما تيسر ويدعوه بما يحب، هذا خير الأقسام، وتارة يذكر الله تعالى بما ورد ويدعوه بما ورد غير مقيد بشوط معين فهذا لا بأس به إذا لم يعتقد الإنسان أنه سنة في الطواف، والقسم الثالث: أن يدعو الله سبحانه وتعالى في كل شوط بدعاء مخصص له فهذا بدعة، ولا ينبغي للإنسان أن يتخذه ديناً يتقرب به إلى الله عز وجل، وهذه الطريقة يحصل بها في الحقيقة مفسدة من الناحية العملية- غير الناحية الاعتقادية والمشروعية- وهي أن كثيراً ممن يأتون بهذا الدعاء لا يفهمون معناه ولا يدرون، ولهذا نسمعهم أحياناً يأتون بالعبارة على وجه تكون دعاءً عليهم لا دعاءً لهم، لأنهم لا يفهمون ولا يعرفون، وأحياناً يكونون غير عرب فلا يعرفون الحروف العربية فيكسرونها ويغيرون معناها، ولهذا لو أن علماء المسلمين وجهوا إلى الطريق السليم، وقالوا: إن هذا الطواف لا حاجة إلى أن تدعو بهذه الطريقة التي ليست من السنة، وإنما تدعون الله تعالى بما تحبون أنتم، ولكل إنسان رغبة خاصة ومطلب خاص يسأله ربه، لكان هذا أولى وأحسن، وأسلم أيضاً من هذا التهويش الذي يحصل
برفع الأصوات، وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه وهم يصلون ويجهرون فقال - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة" أو قال: "في القرآن " والحديث رواه مالك في الموطأ، وهو صحيح كما قاله ابن عبد البر، وعلى هذه فنسلم إذا تجنبنا هذه الطريقة التي عليها كثير من الحجاج اليوم نسلم من التشويش، ويكون الطواف هادئاً، ويكون خاشعاً، وكل إنسان يدعو ربه بما يريد، وأسأل الله تعالى أن يحقق ذلك للأمة الإسلامية.
س 851: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: هل هناك دعاء خاص لمناسك الحج والعمرة من طواف وسعي وغيرهما؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك دعاء خاص بالحج والعمرة بل يقول الإنسان ما شاء من دعاء، ولكن إذا أخذ بما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو أكمل، مثل الدعاء بين الركن اليماني والحجر الأسود: {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} وكذلك ما ورد من الدعاء في يوم عرفة، وما ورد من الذكر على الصفا والمروة وما أشبه ذلك، فالشيء الذي يعلمه من السنة ينبغي أن يقوله، والشيء الذي لا يعلمه، يكفي عنه ما كان في ذهنه مما يعمله، وهذا ليس على سبيل الوجوب أيضاً، بل هو على سبيل الاستحباب.
وبهذه المناسبة أود أن أقول: إنما يكتب في المناسك الصغيره التي تقع في أيدي الحجاج والعمار من الأدعية المخصصة لكل شوط، أقول: إن هذا من البدع، وفيها من المفاسد ما هو معلوم فإن هؤلاء الذين يقرؤنها يظنون إنها أمر وارد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يعتقدون التعبد بتلك الألفاظ المعينة، ثم إنهم يقرؤنها ولا يعلمون المراد بها، ثم إنهم يخصون هذا الدعاء بكل شوط، فإذا انتهى الدعاء قبل تمام الشوط كما يكون في الزحام سكتوا في نهاية الشوط، وإذا انتهى الشوط قبل انتهاء هذا الدعاء قطعوا الدعاء وتركوه، حتى لو أنه قد وقف على قوله (اللهم) ولم يأتِ بما يريد قطعه وتركه، وكل هذا من الأضرار التي تترتب على هذه البدعة، وكذلك ما يوجد في هذه المناسك من الدعاء عند مقام إبراهيم، فإن هذا لم يرد عن النبي عليه السلام والسلام أنه دعا عند مقام إبراهيم وإنما قرأ حين أقبل عليه (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وصلى خلفه ركعتين، وأما هذا الدعاء الذي يدعون به يشوشون به على المصلين عند المقام فإنه منكر من جهتين:
الأولى: أنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهو بدعة.
الثانية: أنهم يؤذون به هؤلاء المصلين الذين يصلون خلف المقام.
وغالب ما يوجد في هذه المناسك مبتدع: إما في كيفيته، وإما في وقته، وإما في موضعه. نسأل الله الهداية.
س 852: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما حكم التزام دعاء معين لكل شوط من أشواط الطواف أو السعي؟ وما حكم ترديد بعض الأدعية وراء المطوف بصوت مرتفع إذا حصل من رفع الصوت تشويش على المصلين والطائفين وغيرهم؟
فأجاب فضيلته بقوله: ليس هناك دعاء معين لكل شوط، بل تخصيص كل شوط بدعاء معين من البدع؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وغاية ما ورد التكبير عند استلامِ الحجر الأسود وقول: {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} بين الركن اليماني والحجر الأسود، وأما الباقي فهو ذكر مطلق وقرآن ودعاء لا يخصص به شوط دون آخر.
وأما الدعاء من شخص يتبعه فيه نفر خلفه، أو عن يمينه، أو عن شماله فلا أصل له أيضاً من عمل الصحابة- رضي الله عنهم-.
وأما رفع الصوت به فإن كان فيه تشويش على الطائفين وإزعاج لهم فيكون منهياً عنه، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه وقد سمعهم يقرأون جهراً وهم يصلون في المسجد فقال- عليه الصلاة والسلام- "لا يجهر بعضكم على بعض في القرآن " أو قال: "في القراءة" فهكذا نقول لهؤلاء الطائفين لا تجهروا على الناس فتؤذوهم، ولكن كل يدعو بما يحب، ولهذا لو أن هؤلاء
المطوفين وجِّهوا إلى أن يقولوا للناس: طوفو فكبروا عند الحجر الأسود وقولوا: {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} وادعوا بما شئتم في بقية الطواف، واذكروا الله، واقرأوا القرآن وصاروا يتابعونهم على هذا، لكان هذا أحسن، وأفيد للناس، لأن كل إنسان يدعو ربه بما يحتاج إليه، وهو يعرف المعنى الذي يتكلم به بخلاف ما يفعله المطوفون الآن بالدعاء الذي لا يعرفه الداعي خلفه، فلو سألت هذا الداعي خلف المطوّف ما معنى ما يقول؟ لم يفدك -في الغالب- فكون الناس يدعون ربهم دعاء يعرفون معناه ويستفيدون منه خير من هذا.
س 853: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما الحكم في القراءة من كتاب المناسك التي تخصص لكل شوط دعاءً؟
فأجاب فضيلته بقوله: القراءة من الكتيبات التي توزع كل شوط له دعاء معين هذا بدعة بلا شك، وهو إشغال للمسلمين عما أتوا من أجله وهو دعاء الله عز وجل، فالإنسان يقرأ الكتيب وربما لا يدري ما معناه لا يدري وهو كذلك، وسمع بعضهم وهو يقول: (اللهم أغنني بجلالك- بالجيم- وعن جرامك) ولا يدري ما معنى ما يقول، وسمع بعضهم وهو يقول: اللهم أعطنا في الدنيا حسنتوا، وفي الآخرة حسنتوا من أجل حرف العطف ولا يدري، صد المسلمين عن دعائهم الذي يريدون بلية، وهل من المعقول أن تقرأ دعاء لا تدري ما معناه، أو أن تدعو الله بشيء في قلبك تريده من أمور الدنيا والدين، إن الثاني أولى ادع الله بما تريد، كل إنسان يريد حاجة، الفقير يريد غنى والمريض يريد صحة، والشاب يريد زوجة، وهكذا كل إنسان له غرض، والعجيب أنه إذا وصل إلى حد الحجر لو باقي كلمة واحدة من الدعاء وقف لو قال (ربنا آتنا) ووصل الحجر فلا يقول (في الدنيا حسنة) لأنه انتهى الشوط، وربما ينتهي الدعاء قبل تمام الشوط فيسكت، وهذا شيء نسمعه ونسمع به أيضاً، فوصيتي لكم أن تنهوا عن هذه الكتيبات وان تناصحوا عباد الله فإن ذلك من باب النصيحة لله ولكتابه، ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - وللأئمة المسلمين وعامتهم.
س 854: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى: ما حكم هذا الكتاب الذي يستخدمه الناس للقراءة منه أثناء الأشواط في العمرة أو الحج ولم يرد هذا الدعاء الذي فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟
فأجاب فضيلته بقوله: السائل يشير إلى مناسك صغيرة يقوم بها بعض الحجاج والعمار مكتوب فيها لكل شوط: دعاء: الشوط الأول، دعاء الشوط الثاني، دعاء الشوط الثالث .. الخ، وهذه بدعة باتفاق الفقهاء، بدعة لا تزيدك من الله إلا بعداً، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
ولذلك أقول للأخ السائل: إن استعمال هذه الأدعية لا تزيد الإنسان من الله إلا بعداً ولا تزيده إلا ضلالة، لكن قد يقول الطائف ماذا أقول؟ فنقول: اسأل ربك تبارك وتعالى ما تريد فلك حاجات في نفسك تريد الدعاء بها لأهلك، ولأخوانك المسلمين فادع ما شئت، ليسأل أحدكم ربه حتى شراك نعله. وإذا كان نفد ما عندك فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سئمت اقرأ القرآن فالأمر واسع، أما أن تحمل هذه البدعة تتقرب بها إلى الله فهذا خطأ. ثم إن في هذه الكتيبات من الأدعية ما ليس بمشروع أصلاً، ومنها ما لا يعرف معناه من قرأه، حتى ما يعرف معناه، حتى نسمع في بعض الأحيان أناسا يقلبون الكلمات، وأنا سمعت رجلاً يريد أن يقول: (اللهم اغنني بحلالك عن حرامك) فقال: (اللهم اغنني بجلالك) ولا أدري هل قال عن حرامك أو قال عن جرامك المهم أنه أخطأ؛ لأنه لا يدري ما يقول ولا يعرف معناه.
س 855: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: إذا كان المعتمر أو الحاج لا يعرف إلا القليل من الأدعية فهل يقرأ من كتب الأدعية في طوافه وسعيه وغير ذلك من المناسك؟
فأجاب فضيلته بقوله: إن الحاج أو المعتمر يكفيه من الأدعية ما يعرفه، لأن الأدعية التي يعرفها يدعو بها وهو يعرف معناها يسأل الله حاجته فيها، وأما إذا أخذ كتاباً أو مطوفاً يلقنه ما لا يدري عنه فإن ذلك لا ينفعه، وكثير من الناس يتبعون المطوف بما يقول وهم لا يدرون معنى ما يقول:- وكثير من الناس يأخذ هذه الكتيبات ويقرؤها وهو لا يدري ما معناها، وهذه الكتيبات التي فيها لكل شوط دعاء معين هي من البدع التي لا يجوز للمسلم أن يستعملها؛ لأنها ضلالة؛ والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يوقت لأمته دعاءً لكل شوط وإنما قال - صلى الله عليه وسلم - "إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله " إذا كان كذلك فإن الواجب على المؤمن الحذر من هذه الكتيبات، وأن يسأل الله حاجته التي يريدها، وأن يذكر الله بما يستطيع وبما يعرف فذلك خير له من أن يستعمل هذه الكتيبات التي قد لا يعرف معناها، بل قد لا يعرف لفظها فضلاً عن معناها.
س 856: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: لو قال قائل سأحمل كتيباً لأتذكر الأدعية ولا أجعلها ديدناً لي بل مجرد التذكر أو أحمل ورقة مكتوب فيها بعض الأدعية المأثورة للتذكر فقط فما حكم ذلك؟
فأجاب فضيلته بقوله: هذا لا بأس فيه، فإذا كان الإنسان لا يعرف دعاء مأثورا، وأراد أن يحمل أدعية مأثورة يقرأ بها يكون مقصوداً له ولم يخصص كل شوط بدعاء معين فهذا لا بأس به، ولا حرج فيه.
س 857: سئل فضيلة الشيخ- رحمه الله تعالى-: ما رأيكم في استئجار مطوف يطوف بالمعتمر والحاج؟
فأجاب فضيلته بقوله: المطوف هادي ودال؛ لأنه يهدي الناس كيف يصنعون، ويدلهم ماذا يقولون وماذا يعملون، ولهذا ينبغي أن يكون على جانب من الفقه، وعلى جانب من الأمانة، ليس كل من هب ودب يصح أن يكون مطوفاً، بل لابد أن يكون على جانب من الفقه والأمانة، لكي لا يغرهم جهلاً أو عمدا، وينبغي أن لا يشارط على العمل، يعنى لا يقول لا أطوفك إلا بكذا وكذا، بل يطوف وأن أعطى أخذ، وأن لم يعط لم يطلب؛ لأنه هادي و دليل ومعلم.
وبهذه المناسبة أرى كثيراً من الحجاج بأيديهم كتيبات بها أدعية ما أنزل الله بها من سلطان: دعاء للشوط الأول، ودعاء للثاني، ودعاء للثالث، والرابع إلى آخره، وحتى إني سمعت معتمرًا يقول (اللهم اجعله حجاً مبروراً) فأمسكته وقلت له (أنت حاج وإلا معتمر) فأنبهر وقال: لا أنا معتمر. فقلت أما الآن حاج؛ لأنك تقول: اللهم اجعله حجاً مبروراً. فعدل العبارة، فقال: أنا أردد خلف المطوف فقلت للمطوف: كيف تقول للناس اللهم اجعله حجاً مبروراً وهم لم يحجوا؛ قال: سيحجون إن شاء الله. قلت: إذا حجوا فقل لهم حجاً مبروراً، أما الآن لا تقل حجاً مبروراً هذا خطأ، قل: اللهم اجعلها عمرة مقبولة، فالحمد لله فعل وتابع، فهذه مشكلة إذا كان المطوف جاهلاً لا يدري، وهذه الكتيبات فيها أدعية لكل شوط ولهذا تجد بعضهم إذا صار المطاف ضيقاً ينتهون من الدعاء قبل أن يصلوا إلى الركن اليماني فماذا يصنعون، إن كانوا فقهاء أعادوا من جديد، وإن كانوا غير فقهاء سكتوا يبقى يطوف بلا دعاء وإذا وصل الحجر الأسود قبل أن ينتهي الشوط قطع الكلمة، وإذا قال (اللهم ارزقني الجنة) ووصل الحجر على حد قوله (اللهم ارزقني) حذف كلمة (الجنة) لأنه انتهى الشوط ولا يمكن أن يأتي بالدعاء زائداً على الشوط، ولهذا أرى من واجب طلبة العلم أن ينبهوا الناس على هذا الشيء، ويقال: يا أخي أنت تقرأ الآن في كتاب لا تدري معناه ربما يحرف فيه الكلام وهذا ليس قرآناً نتعبد بتلاوته ادع الله بما شئت، لكن يجيبك بكل سهولة: أنا لا أجيد الدعاء. فنقول: قل ما تعرف، قل اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار وكلنا يعرف هذا لو تكررها مئة في الشوط فلا مانع. وكل الناس الذين يدعون الله ويعبدون الله يريدون دخول الجنة والنجاة من النار، - نسأل الله أن يحقق هذا لنا جميعاً- كل الناس في عباداتهم يريدون الجنة والنجاة من النار، فلو أن الناس نبهوا لهذا الأمر لكان حسناً، في المسعى أيضاً نسمع بعِض الناس إذا صعد إلى الصفا قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} وإذا صعد المروة قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} وإذا جاء الصفا المرة الثانية قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} وإذا جاء الثانية إلى المروة قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} هكذا سبع مرات، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قرأها على الصفا وعلى المروة ولا مرة واحدة، يقول جابر - رضي الله عنه- فلما دنا من الصفا قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ابدأ بما بدأ الله به .
. لم يقل: فلما صعد الصفا، والدنو من الشيء ليس صعوداً علِي الشيء، لما دنا يعني قرب قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ليبين للناس لماذا تقدم إلى الصفا دون المروة، ليبين أنه فعل ذلك امتثالاً لأمر الله فقط، ولهذا قال: (أبدأ بما بدأ الله به) أذن لا يشرع أن أقرأ هذه الآية وأنا فوق الصفا، وإن إذا دنوت من الصفا، ولا تشرع في كل مرة بل في أول مرة فقط. وهناك غلط آخر يقول: (حجر إسماعيل) ويعتقد أن هذا الحجر حجره إسماعيل عليه الصلاة والسلام، والذي يسمع هذه العبارة يظن أن إسماعيل هو الذي بناه، وليس كذلك والذي بنته قريش، فإن قريشاً لما بنت الكعبة قصرت النفقة ما كان عندهم نفقة فقالوا: ماذا نصنع وقرروا أن يقطعوا بعض الكعبة ويبنون البقية التي قدروا عليها، والباقي أحاطوه بجدار حجر، وبجدار فسمي الحجر ولهذا لا تجد لا في السنة ولا في كلام السلف تسمية هذا بحجر إسماعيل، لكن الخطأ من العامة فإسماعيل عليه الصلاة والسلام لا يدري عنه ولا عرف الكعبة إلا كلها مبنية؛ لأن قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام تشمل أكثر الحجر، فهذه من الغلطات أيضاً، فينبغي لطلبة العلم أن يبينوا للناس مثل هذه الأمور ولكن باللطف واللين.
يتبع