الضرر يزال دراسة تأصيلية مقارنة بين السيوطي وابن نجيم
د/ فريدة صادق زوزو
الضرورات تبيح المحظورات:
والضرورة هي العذر الذي يجوز بسببه إجراء الشيء، الممنوع وارتكاب المحظور، فهي ظرف قاهر يلجئ الإنسان إلى فعل المحرم[29]، وهى أيضا الحالة الملجئة لتناول الممنوع شرعا[30]، وعرفها الزركشي بقوله: "فالضرورة بلوغه حدَّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب كالمضطر للأكل واللبس لو بحيث لو جائعا أو عرياناً لمات أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم[31].
أما هذه القاعدة فمستفادة من استثناء القرآن الكريم في حالات الاضطرار الطارئة في ظروف استثنائية بقوله تعالى: { وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ...} (الأنعام: 119)، وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (المائدة:3)، وقوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 178)، لذا يرى الفقهاء أنه جاز للطبيب الكشف على عورات الأشخاص إذا توقفت عليها مداواتهم، وجاز أكل الميتة وشرب الدم والبول إذا أخبره الطبيب المسلم أن شفاءه فيه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه، والتلفظ بكلمة الكفر والإكراه، وكذا إتلاف المال وأخذ مال الممتنع من أداء الدين بغير إذنه، ودفع الصائل ولو أدى إلى قتله[32].
ويضع الفقهاء للعمل بهذه القاعدة شرطًا، أنهم اشترطوا عدم نقصان الضرورة في نظر الشرع عن المحظور الذي اقتضت إباحته، وهو ما ذهب إليه السيوطي وابن نجيم والزرقا وغيرهم[33]، كما لو دفن الميت بلا تكفين فلا ينبش منه؛ لأن مفسدة هتك حرمته أشد من عدم تكفينه، الذي قام التراب بالستر مقامه. ويرى الشيخ أحمد الزرقا أن هذه القاعدة من فروع القاعدتين السابقة عشرة والثامنة عشرة من قواعد المجلة، وهما إذا "ضاق الأمر اتسع"، و"لا ضرار ولا ضرار" ؛لأن ما تفرع عليها يمكن أن يتفرع على تينك، فإن من فروعها: جواز إتلاف مال الغير إذا أكره عليه بملجئ، وجواز أخذ الدائن مال المديون الممتنع عن الأداء إذ ظفر، وان كان من خلاف جنس حقه في زماننا[34].
الضرورات تقدر بقدرها:
ويعبر بعض العلماء عن عذه القاعدة بقولهم: "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها"[35]، وهذه القاعدة تعد قيدا لسابقتها، فالاضطرار إنما يبيح المحظورات مقدار ما يدفع الخطر، فلا يجوز الاسترسال، ومتى زال الخطر عاد الحظر، كما أن ما تدعو إليه الضرورة من المحظورات إنما يرخص منه القدر الذي تتدفع به الضروة فحسب، فإذا اضطر الإنسان لمحظور فليس له أن يتوسع في المحظور، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط[36] فالطبيب يكشف من العورة لمداواتها بالقدر الذي يحتاج إليه كشفه فقط، وكذلك لا يأكل من الميتة إلا قدر إمساك الرمق[37]،وكذاك المضطر لأكل مال الغير، فإن الضرورة تقتصر على إباحة إقدامه على أكل ما يدفع به الضرورة بلا إثم فقط ، ولكن لا تدفع عنه الضمان[38].
يستثنى منه العرايا واللعان والخلع كما ذهب إلى ذلك الشافعية، فإن العرايا أبيحت للفقراء، ثم جازت للأغنياء في الأصح، واللعان جوز حيث تعسر إقامة البينة على زناها، ثم جاز حيث يمكن، والخلع فإنه أبيح على سبيل الرخصة[39].
الضرر لا يزال بمثله:
هذه القاعدة تعد قيدا لقاعدة "الضرر يزال"، التي أوجبت إزالة الضرر قبل وقوعه ودفعه بعد وقوعه، فإن إزالة الضرر لا يجوز أن تكون بإحداث ضرر مثله؛ لأن هذا ليس إزالة، مثلما كان الضرر لا تتيسر إزالته إلا بإدخال ضرر مثله على الغير، ولا يمكن جبره فيترك على حالة، كما إذا لم يجد المضطر لدفع الهلاك جوعا إلا طعام مضطر مثله، أو بدن آدمي حي، فإنه لا يباح تناولهما[40]، وكذلك ما لو أكره على قتل المسلم بالقتل مثلا لا يجوز؛ لأن هذه إزالة الضرر بضرر مثله، بخلا ف أكل ماله فإنه إزالة الضرر بما هو أخف منه[41].
ومن باب أولى أن لا يزال الضرر بضرر أعظم منه، فالشرط أن يزال الضرر بلا إضرار بالغير، فإن أمكن وإلا بأخف منه. وعلى ذلك لا يجوز لإنسان محتاج إلى دفع الهلاك عن نفسه جوعا أن يأخذ مال محتاج مثله، كما لا يجوز لمن أكره على القتل أن يقتل إذا كان المراد قتله بغير وجه حق. وإذا ظهر في المبيع عيب قديم، وحدث عند المشتري عيب جديد، امتنع رد المبيع بالعيب القديم لتضرر البائع بالعيب الجديد إلا أن يرضى[42]. وإذا طلب أحد الشركاء قسمة الملك المشترك، الذي لا يقل القسمة، لا يجاب طلبه؛ لأنه يترتب على هذه القسمة ضرر، فلا يدفع ضرر الشركة بإحداث ضرر القسمة، وإنما يدفع بقسمة المهايأة[43]، أو يبيع الملك المشترك وقسمة ثمنه.
الضرو الأشد بزال بالضرر الأخف:
يعني أن الضرر تجوز إزالته بضرر يكون أخف منه، ولا يجوز أن يزال بمثله أو بأشد منه[44]، وهذه القاعدة متداخلة مع القاعدة التي قبلها، وإذا كانت قاعدة (الضرر لا يزال بمثله) تعمل في حال إزالة ضرر ما؛ لكي لا نحدث ضررا آخر مثله، فيكون عملنا عبثا، ولا لنحل مكانه ضررا أشد منه، فتكون قد وقعنا في المحظور، فإن القاعدة الثانية (الضرر الأشد يزال بالضرر أخف) كأنها شارحة أو مبينة للقاعدة الأولى. بأننا عند إزالة الضرر ينبغي الحرص على عدم الإضرار، وعدم إحداث ضرر يفوق الضرر المراد إزالته.
ومثاله: إذ ا أحدث المشتري في العقار المشفوع أبنية، فلو أجبر المشتري والحالة هذه على قلعها وتسليم العقار المشفوع للشفيع يتضرر المشتري، كما أنه إذا أجبر الشفيع على أخذ المشفوع، مع دفع قيمة البناء الذي أحدثه المشتري يتضرر أيضا بإجباره على دفع نقود ثمنا للبناء المحدث زيادة عن قيمة المشفوع إلا أن هذا الضرر أخف من ضرر المشتري فيما لوأجبرناه على قلع البنا، إذ يضيع ما أنفقه على البناء بلا مقابل، بخلاف الشفيع فإنه يأخذ مقابل الثمن الذي يدفعه البناء أو الشجر. ولهذا يكلف الشفيع بأخذ الأبنية ودفع القيمة للمشتري؛ لأن ضرره أخف عن ضرر المشتري.
ومثاله أيضا: حبس من وجبت عليه النفقة إذا امتنع عن أدائها ولو نفقة ابنة، وجواز ضربه في الحبس إذ امتنع عن الإنفاق، وكذلك وجوب النفقات في مال الموسرين لأصولهم وفروعهم ، وأرحامهم المحارم من النسب المحتاجين[45].
إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما:
هذه القاعدة محكومة بقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)[46]، فإذا وجدت محظورات أو أضرار، وكان من الضروري ارتكاب أحد الضررين أو المحظورين لدفع الآخر، فإنه يلزم ارتكاب أخفهما وأهونهما وأقلهما مفسدة وضرراً. وذكر صاحب: القواعد الكلية والضوابط الفقهية، في القاعدة الثامنة والثمانين تحت عنوان: في ارتكاب إحدى المفسدتين لدفع أعلاهما، أن الفقهاء قالوا: يجوز ارتكاب إحدى المفسدتين لدفع أعلاهما، وذلك في مواضع متعددة، يطرد فيها أكثر من ألف فرع من الفروع الفقه[47].
ويذهب شيخ أحمد الزرقا في شرحه للقواعد الفقهية إلى أن مراعاة أعظمهما تكون بإزالته؛ لأن المفاسد تراعى نفياً، كما أن المصالح تراعى إثباتاً، وإذا كان البعض يرى أن هذه القاعدة هي عين القاعدة السابقة (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف)، فإنه يمكن عدها تخصيصاً لها بما إذا كان الضرر الأشد واقعاً، وأمكن إزالته بالأخف، وتخصيص هذه بما إذا تعارض الضرران ولم يقع أحدهما بعد. وما ذهب إليه الشيخ الزرقا أحسن من دعوى التكرار؛ إذ التأسيس أولى من التأكيد إذا أمكن. كما أن هذا التخصيص يشير إليه التعبير بيزال في الأولى، وبتعارض في الثانية[48].
فالإزالة تكون بعد الوقوع، فيزال الضرر الواقع بضرر أخف منه، أما التعارض فيكون بين أمرين يتدافعان في الوقوع، فنحاول دفع أعظمهما بارتكاب أخفهما، إذا تعذر دفعهما معاً.
ومن الأمثلة على ذلك: أجاز العلماء أخذ الأجرة على ما دعت إليه الضرورة من الطاعات، كالأذان والإمامة وتعليم القرآن والفقه والفتيا وغيرها، بعد أن لم تكن يؤخذ عليها أجرة من قبل. وجواز شق بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين إذا كانت ترجى حياته، وجواز السكوت عن إنكار المنكرات إذا ترتب على إنكارها خطر أعظم[49]. وهي نفسها قاعدة (يختار أهون الشرين)، كما ذهب إلى ذلك الشيخ أحمد الزرقا، وابنه مصطفى الزرقاء وغيرهما[50].
يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام:
هذه القاعدة مبنية على المقاصد الشرعية في مصالح العباد. فإذا كانت قاعدة (الضرر يزال) تفيد إزالة الضرر مطلقا، وإذا كانت قاعدة (الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف) تفيد أن الضرر الأعلى يزال بالضرر الأدنى، فإن هذه القاعدة مفسرة أو مخصصة للقاعدة السابقة، حيت إن التفاوت بين الضررين إما أن يكون من جهة العموم والخصوص، وإما من جهة الشدة والضعف، فمن جهة العموم والخصوص أن الضرر إذا كان عاماً فإنه يزال بالضرر الخاص، إذ العام أقوى من الخاص، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ولهذا قال الفقهاء: "يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام"[51].
ولهذه القاعدة تطبيقات كثيرة لا تحصى، منها؟ المنع في اتخاذ حانوت للطبخ أو للحدادة مثلاً بين البزازين، وجواز الحجر على الطبيب الجاهل، والمكاري المفلس[52].
ومنه جواز التسعير إذا تعدى أرباب القوت في ييعه بالغبن الفاحش، ومنه بيع الفاضل من طعام المحتكرعن قوته وقوت عياله إلى وقت السعة، وغيرها. ومثالها أيضا ما لو كان لأحد جدار على الطريق العام ومال بحيث يخشى إنهدامه، فإنه يجبر على هدمه دفعا للضرر العام، وهدم الدور الملاصقة للحريق منعاً لتجاوزه إذا خيف سريانه[53].
درء المفاسد أولى من جلب المصالح:
القصد من تشريع الأحكام دفع المفاسد عن الناس وجلب المصالح لهم، والمصالح المحضة قليلة وكذا المفاسد المحضة قليلة أيضا، والغالب منها اشتمل على المصالح والمفاسد[54]، وعلى هذا فهذه القاعدة يعمل بها عند التعارض بين مصلحة وبين مفسدة، وهي غير القاعدة التي يعمل بها عند تعارض مفسدتين (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما)، لا عند تعارض شرين (يختار أهون الشرين). ولا عند تعارض الضرر العام والضرر الخاص، فدرء، المفاسد أولى من جلب المصالح، فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالبا؛ لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات[55]. قال عليه الصلاة والسلام: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم"[56].
ومن تطبيقات هذه القاعدة: أنه ليس للإنسان أن يفتح مثلا كوة تشرف على مقر نساء جاره، بل يكلف أن يتخذ فيها ما يقطع النظر. وكذلك ليس له أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره ضرراً بيناً. كاتخاذه بجانب دار جاره طاحوناً مثلأ يوهن البناء، أومعصرة أو فرناً يمنع السكنى بالرائحة والدخان[57]. وكذا لو اتخذ بجانب داره كنيفا أو بالوعة أو ملقى قمامات يضر بالجدار، فلصاحب الجدار أن يكلفه إزالة الضرر، وإذا كان الضرر لا يزال إلا برفعه بالمرة فإنه يرفع، وإن كان لمحدثه منفعة في إبقائه؛ لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح[58]. كما أنه تطبيقاً لهذه القاعدة تمنع التجارة بالمحرمات من خمر ومخدرات وغيرها، ولو أن فيها أرباحاً ومنافع اقتصادية بزعم من يدعي ذلك[59]. وهذه القاعدة مع غيرها أصلاً لنظرية: (استعمال الحق بالنظر إلى ما يؤول إليه من أضرار )، أو ما يسمى في عرف القانونيين اليوم (نظرية التعسف في استعمال الحق)، التي سنشير إليها لاحقاً.
الضرر يدفع بقدر الإمكان:
هذه القاعدة تعبر عن وجوب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل الكافية الكافلة، وفقاً لقاعدة المصالح المرسلة والسياسة الشرعية، وذلك بقدر الإمكان، لأن التكليف الشرعي على حسب الاستطاعة، فإن أمكن دفعه بالكلية فبها، وإلا فبقدر المكان، فإن كان مما يقابل بعوض جبر به، أما إذا لم يمكن دفع الضرر بالكلية ولا جبره فإنه يترك على حاله، ويدفع بقدر ما يمكن[60].
ومن تطبيقات ذلك: شرع الجهاد لدفع شر الأعداء، وجبت العقوبات لقمع اللإجرام وصيانة الأمن الداخلي، ووجب سد ذرائع الفساد وأبوابه من جميع أنواعه، إلى غير ذلك من التدابير اللازمة لدفع الشر والحيلولة دونه. كما شرع حق الشفعة؛ لدفع ضرر سوء الجوار، وشرع الحجر على السفيه؛ لدفع ضرر سوء تصرفاته عن نفسه وأسرته، وشرع الحجر على المدين المفلس منعاً لضرر الدائنين من تصرفاته، وشرع الإجبار القضائي على قسمة المال المشترك القابل للقسمة بناء على طلب أحد الشركاء دفعاً لضرر شركة الملك، وشرعت بعض الخيارات في العقود لدفع الضرر كما في خيار الشرط والرؤية وخيار التعيين في البيوع لحاجة بعض المشترين إلى التروي والاستشارة قبل البت وغيرها[61].
يتبع