حكم اشتراط المحرم في حج المرأة وأثره في الفقه الإسلامي 3
د.عبود بن علي بن درع
الدليل الثاني: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: « لا يخلوّنّ رجل بامرأة، ولا تسافرنّ امرأة إلا ومعها محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجةً، قال: اذهب فحجّ مع امرأتك»[40]، وفي لفظ : « لا تحجّنّ امرأة إلاّ ومعها ذو محرم »[41].
وجه الاستدلال من وجهين:
الأول: كسابقة من الأحاديث، فقد منع من سفر المرأة من دون محرم، وهو يشمل السفر القريب والبعيد، والواجب والمستحبّ، بل إنه يشمل كلّ ما يطلق عليه سفر؛ لأنه لم يقرنه بأي مدة.
الثاني:أنه أمره أن يسافر محرماً لزوجته؛ مع أنّه قد وجب عليه الجهاد بالاستنفار، ولولا وجوب المحرم لم يأمره بترك الواجب، ولم يستفصل منه هل معها نساء ثقات أو لا ، وفي اللفظ الآخر: « لا تحجّنّ»، فكيف يستثنى سفر الحجّ من بين الأسفار وقد نصّ عليه[42].
ونوقش من أوجه:
الأوّل: بأن هذا الحديث يدلّ على أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعب على هذه المرأة خروجها للحجّ الواجب دون محرم، ولا أمر بردّها ولو كان فعلها حراماً لعابها على ذلك.
الثاني : أنّ الرجل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يختار له، فاختار له أن يذهب مع امرأته، فغاية دلالته أنّه أفضل فحسب؛ لأنّ غيره يقوم مقامه في الجهاد.
الثالث : أنه ليس في الحديث ما يدلّ على أنّ أمره كان أمر وجوب؛ لأنّ المحرميّة تثبت للزوج و غيره، فليست واجباً متعيّناً ليقال بالوجوب، ولو لم يكن لها محرم إلاّ هو، فإنّ جمهور أهل العلم لا يوجبون عليه الخروج، وإذا لم يكن للوجوب فمعنى ذلك أنّ المرأة قد تسافر بلا محرم، ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بردّها ولا عابها.
الرابع: أنّ لفظ « لا تحجَنّ» قد شكّ فيه راويه فهو غير محفوظ، فلا يصلح حجّة[43].
وأجيب عن ذلك من أوجه:
الأول : أن ذمً النبي - صلى الله عليه وسلم - لفعلها عُرف من نهيه عن خروج المرأة دون محرم، ولم يأمر بردّها؛ لأنّه أمر زوجها بالخروج معها[44].
الوجه الثاني: أنّ المحرم لو لم يكن شرطاً؛ لما أمر زوجها بالسّفر معها، وترك الغزو الذي اكتتب فيه؛ لا سيمّا أنّه ورد في بعض ألفاظ الحديث: «إنّي نذرت أن أخرج في جيش كذا وكذا»، فلو لم يكن شرطاً ما رخص في ترك نذره[45].
الوجه الثالث: وأمّا لفظ « لا تحجَنّ امرأة» فقد صحّحه بعض أهل العلم فلا يدفع بشكّ الرّاوي فيه؛ لأنّه ورد من غير شك[46].
4-عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : « لا تسافر امرأة سفراً ثلاثة أيام أو تحج إلا ومعها زوجها»[47].
وجه الاستدلال:دل الحديث على أن المرأة إذا أرادت السفر أو السفر للحج إلا ومعها زوجها. والنهي يقتضي التحريم.
ونوقش:بأن الحديث ضعيف لعلتين.
الأول: ضعف جابر وهو ابن يزيد الجعفي[48].
والثانية: الانقطاع بين سالم بن أبي الجعد وأبي أمامه[49].
5-الأحاديث الواردة في النهي عن عموم سفر المرأة، وقد وردت عن عدد من الصحابة رضي الله عنهما، وإن كانت مختلفة الألفاظ لكنها متفقة المعنى والمراد، هو وجود المحرم أو الزوج يصاحبها في السفر، وبيان هذه الأحاديث:
1- حديث ابن عمر رضي الله عنهما:
2- عن ابن عمر؛ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: « لا تسافر المرأة ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم»[50].
3-حديث أبي هريرة رضي الله عنه:
عن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « لا يحل لامرأة أن تسافر ثلاثاً إلا ومعها ذو محرم منها »[51].
وجه الاستدلال بهذا الحديث: أن سفرها للحج من جملة الأسفار الداخلة تحت الحديث، فيمتنع إلا مع المحرم[52].
في الخبر دليلٌ على أنّ المرأة إذا لم تجد ذا محرم لم يلزمها الخروج إلى الحج»[53]. وقال البغوي: « وهذا الحديث يدلُّ على أنّ المرأة لا يلزمها الحج إذا لم تجد رجلاً ذا محرم يخرج معها»[54]
6-حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه":
وقد روي عنه من طريقين:
الأول: عن قزعة مولى زياد قال: سمعت أبا سعيد – وقد غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثنتي عشرة غزوة – قال: أربع سمعتهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - أو قال: يُحَدِّثهُنَّ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - - فأعجبنني وآنقْنَني[55]: « أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم، ولا صوم يومين: الفطر والأضحى، ولا صلاة بعد صلاتين: بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الأقصى»[56].
الثاني: عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعداً إلا معها أبوها أو ابنها أو زوجها أو أخوها أو ذو محرم منها»[57].
فالحاصل: أنّ كل ما يسمى سفراً تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم[58].
وقال التهانوي العثماني: « دلالتها على معنى الباب – اشتراط المحرم أو الزوج لوجوب أداء الحج على المرأة – ظاهرة ، فلا يجوز لأمرأة بالغة – ولو عجوزاً ولو معها غيرها من النساء الثقات والرجال الصالحين – أن تخرج للحج مسيرة سفر بغير محرم أو زوج»[59].
ونوقش: بأن أحاديث النهي ليست كافية في إخراج النساء من عموم قوله تعالى: ﴿ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾[60]، فالأمر يحتاج إلى الترجيح من خارج.
قال ابن دقيق العيد: « وذكر بعض الظاهرية أنه يذهب إلى دليل من خارج، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا تمنعوا إماء الله مساجد الله [61]»[62].
والمراد ببعض الظاهرية: ابن حزم، حيث قال: « فجاء النص كما ترى في النساء بأنه لا يحل منعهن عن المساجد ، ومكة من المساجد، فكان هذا النص أقل معاني من حديث النهي عن سفر النساء جملة، فوجب أن يكون مستثنى منه ضرورة، وخرجنا إلى القسم الذي ذكرنا أولا، وإلا صار المانع لهن عاصياً لهذا الحديث، تاركاً له بلا دليل»[63].
وأجيب من وجهين:
أحدهما: القول بأنه يحتاج إلى الترجيح من خارج مردود بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم ». فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا وامرأتي تريد الحج، فقال: « أخرج معها»[64].
قال الصنعاني: « أقول: المرجِّح هنا قائم، وهو قول ذلك الصحابي: إنّ امرأته خرجت حاجَّة، وأمره - صلى الله عليه وسلم - بأن يخرج معها ويترك الجهاد الذي قد تعيَّن عليه، ولولا وجوب ذلك لم يجز، ولم يستفصل - صلى الله عليه وسلم - هل خرجت مع رجال مأمونين أو نساء ثقات، فسفرها للحج لا يجوز أن يخرج من العموم، وكيف يخرج سفر الحج من هذه الأحاديث وهو أغلب أسفار النساء؟ فإنّ المرأة لا تسافر في الجهاد ولا في التجارة غالباً، وإنما تسافر في الحج»[65].
وقد سبقه إلى ذلك ابن تيمية حيث قال: « فهذه نصوص من النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحريم سفر المرأة بغير محرم، ولم يخصِّص سفراً من سفر، مع أنّ سفر الحج من أشهرها وأكثرها، فلا يجوز أن يغفله ويهمله ويستثنيه بالنية من غير لفظ، بل قد فهم الصحابة منه دخول سفر الحج في ذلك لَمَّا سأله ذلك الرجل عن سفر الحج، وأقرَّهم على ذلك، وأمره أن يسافر مع امرأته ويترك الجهاد الذي قد تعيَّن عليه بالاستنفار فيه، ولولا وجوب ذلك لم يَجُز أن يخرج سفر الحج من هذا الكلام، وهو أغلب أسفار النساء، فإنّ المرأة لا تسافر في الجهاد ولا في التجارة غالباً، وإنما تسافر في الحج، ولهذا جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - جهادهن[66]، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز لها السفر إلا على وجه يؤمن فيه البلاء، ثم بعض الفقهاء ذكر كل منهم ما اعتقده حافظاً لها وصائناً، كنسوة ثقات ورجال مأمونين، ومنعها أن تسافر بدون ذلك. فاشتراط ما اشترطه الله ورسوله أحق وأوثق، وحكمته ظاهرة، فإنّ النساء لحم على وضم[67]إلا ما ذبَّ عنه، والمرأة معرَّضة في السفر للصعود والنزول والبروز، محتاجة إلى من يعالجها ويمسُّ بدنها، تحتاج هي ومن معها من النساء إلى قيِّم[68]يقوم عليهنّ، وغير المحرم لا يؤمّن ولو كان أتقى الناس، فإنّ القلوب سريعة التقلب، والشيطان بالمرصاد، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: « ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»[69]... وأمر النساء صعبٌ جدّاً ، لأنّ النساء بمنزلة الشيء الذي يذبّ عنه، وكيف تستطيع المرأة أن تحجّ بغير مَحْرَم؟!»[70].
يتبع