أدب طالب الفقه مع شيخه (2)
صالح بن صبحي القيم
يجب على طالب الفقه أن يعرف لشيخه حقه ولا ينسى له فضله، فعن أبي إمامة الباهلي مرفوعاً: "من علًم عبداً آية من كتاب الله فهو مولاه"[أخرجه الهيثمى في المجمع (1/153) طبعة دار الفكر وقال: فيه عبيد بن رزين اللاذقي ولم أر من ذكره].
ومن ذلك، أن يعظم حضرته ويرد غيبته ويغضب لها، فإن عجز عن ذلك قام وفارق ذلك المجلس، قال محمد بن سيرين: "جلست إلى عبدالرحمن بن أبي ليلى، وأصحابه يعظمونه كأنه أمير" [سير أعلام النبلاء - (4 / 263)].
وعليه أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه، أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته وحسن مجالسته، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل، ويبدأ هو عند جفوة الشيخ بالاعتذار، والتوبة مما وقع والاستغفار، فإن ذلك أبقى لمودة شيخه وأحفظ لقلبه، وأنفع للطالب في دنياه وآخرته.
وعن بعض السلف: "من لم يصبر على ذل التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عز الدنيا والآخرة".
ولبعضهم:
اصبر لدائك إن جفوت طبيبه ..... واصبر لجهلك إن جفوت معلمًا
وعن ابن عباس: "ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا" [رواه الدينوري في المجالسة برقم "1635" 4/ 439 وفيه انقطاع. وانظر عيون الأخبار 2/ 137].
وقال الشافعي رضي الله عنه: "قيل لسفيان بن عيينة: إن قومًا يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا أو يتركوك، فقال للقائل: هم حمقى إذًا مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي".
وقال أبو يوسف رحمه الله: "خمسة يجب على الإنسان مُدَاراتهم، وعد منهم العالم ليقتبس من علمه".
ومن الآداب التي على طالب الفقه التحلي بها مع شيخه شكره له على توفيقه على ما فيه فضيلة، وعلى توبيخه على ما فيه نقيصة، أو على كسل يعتريه، أو قصور يعانيه، أو غير ذلك مما في إيقافه عليه وتوبيخه وإرشاده وإصلاحه، ويعد ذلك من الشيخ من نعم الله تعالى عليه، باعتناء الشيخ به ونظره إليه، فإن ذلك أميل لقلب الشيخ وأبعث على الاعتناء بمصالحه، وإذا أوقفه الشيخ على دقيقة من أدب، أو نقيصة صدرت منه، وكان يعرفه من قبل، فلا يظهر أنه كان له في ذلك عذر وكان إعلام الشيخ به أصلح فلا بأس به، وإلا تركه.
وعلى طالب الفقه أن لا يدخل على الشيخ في غير المجلس العام إلا بالاستئذان، سواء كان الشيخ وحده أو كان معه غيره. ولا يكرر الاستئذان، وإن شك في علم الشيخ به، فلا يزيد في الاستئذان فوق ثلاث مرات أو ثلاث طرقات بالباب أو الحلقة، وليكن طرق الباب خفيفاً.
ومتى دخل على الشيخ في غير المجلس العام، وعنده من يتحدث معه فيسكتوا من الحديث، أو دخل والشيخ وحده يصلي، أو يذكر، أو يكتب أو يطالع، فترك ذلك أو سكت ولم يبدأه بكلام أو بسط حديث، فيسلم ويخرج سريعاً، إلا أن يحثه الشيخ على المكث، وإذا مكث فلا يطيل إلا أن يأمره بذلك.
وإذا حضر مكان الشيخ فلم يجده جالساً، انتظره كي لا يفوت على نفسه درسه، ولا يطلب من الشيخ قراءة في وقت يشق عليه فيه، أو لم تجر عادته بالإقراء فيه، ولا يخترع عليه وقتاً خاصاً به دون غيره، وإن كان رئيساً أو كبيراً، لما فيه من الترفع والحمق على الشيخ والطلبة والعلم، فإن بدأه الشيخ بوقت معين أو خاص لعذر عائق له عن الحضور مع الجماعة أو لمصلحة رآها الشيخ فلا بأس بذلك.
يراجع:
[تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم].
[آداب العلماء والمتعلمين (الحسين ابن المنصور اليمني) بتصرف].
[سير أعلام النبلاء (الذهبي)].
[إتحاف النبلاء بسيرة العلامة عبد الرزاق عفيفى رحمه الله].
[جامع بيان العلم وفضله].