أثر التقنية الحديثة في الطهارة[5-4]
د. هشام بن عبدالملك ال الشيخ
الدليل الرابع:
ما روي عن عائشة – رضي الله عنها - قالت: "فِي الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ أَنَّهَا تَدَعُ الصَّلَاةَ[67]، وفي رواية (إنَّهُ حَيْضٌ).[68]
وروي عـن الإمام مـالك بن أنـس[69]:"أَنَّهُ سَـأَلَ ابْنَ شِـهَابٍ الزُّهْرِي[70]
عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ تَرَى الدَّمَ، فَقَالَ: تَكُفُّ عَن الصَّلَاةِ".[71]
وروي عن عكرمة أنه قال في قوله تعالى:{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ }[72]، قال: "هُو حَيْضٌ عَلى الحَبْلِ".[73]
وجه الاستدلال من الآثار:
أن هذه الآثار تدلُّ على وجود الحيض من الحامل، وأنه يمنع الصلاة وغيرها من العبادات التي تمنع الحائض.
الجواب عن هذا الاستدلال:
الأثر عن عائشة - رضي الله عنها - معارض بأثر آخر يدل على عدم حيض الحامل، قالت :"إِنَّ الحُبْلَى لاَ تَحِيض، فَإِذَا رَأَت الدَّمَ فَلْتَغْتَسِل، وَتُصَلِي".[74]
ويمكن الجمع بين الأثرين، بما رواه الموفق ابن قدامة عن الإمام أحمد أنه قال: "قَوْلُ عَائِشَةَ يُحْمَلُ عَلَى الْحُبْلَى الَّتِي قَارَبَتْ الْوَضْعَ , جَمْعاً بَيْنَ قَوْلَيْهَا".[75]
ويحمل كذلك أثر الزهري وعكرمة – رحمهم الله – على الحامل التي قاربت الوضع، فإنها تأخذ حكم الحائض، وهو النفاس، ويؤيد ذلك ما روي عن الحسن البصري أنه قال: "فِي المَرْأَةِ الحَامِلِ إِذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ، وَرَأَت الدَّمَ عَلَى الوَلَد فَلتُمْسِك عَن الصَّلاَة".[76]
الدليل الخامس:
أن الدم الذي تراه الحامل في أثناء الحمل، إن وافق العادة وكان على صفة دم الحيض فهو حيض؛ لأن الحمل لا يمنع نزول الحيض، كما لا يمنع الرضاع من نزول الحيض، وإن كانت المرضعة لا تحيض غالباً، وكذلك الحكم في الحامل.[77]
الجواب عن هذا الدليل:
هناك فرق بين نزول دم الحيض من المرضعة ونزوله من الحامل، فالمرأة إذا حملت انسد فم رحمها، فلا يخرج منه شيء، بل يتحول دم الحيض غذاءً للجنين في البطن، وما ينزل من المرأة الحامل يقيناً ليس من الرحم، فلا يسمى حيضاً، أما المرضعة فلا يوجد مانع من نزول دم الحيض منها.[78]
الفرع الثاني: الأثر الفقهي لإثبات الحيض للحامل
هذه المسألة من المسائل الخلافية الكبيرة عند العلماء – رحمهم الله –، والتي أنتجت أثراً فقهياً في العبادات والمعاملات، فالقائلون بحيض الحامل يرون ترتب أحكام الحيض على الحامل التي ترى الدم في وقت العادة، على صفة دم العادة، فتدع الصلاة والصيام، ولا يجامعها زوجها، ولا تمس المصحف، ولا تطوف بالبيت.
إلا أن هذا الدم الذي تراه الحامل لا تنقضي به العدة، ولا يحصل به الاستبراء؛ إذ انقضاء العدة وحصول الاستبراء يكونان بوضع الحمل، فقد اتفق الفقهاء – رحمهم الله – على أن عدة الحامل بوضع الحمل لا بالحيض ولا بغيره[79]، وقد جاء النص القرآني بذلك قال الله تعالى:{وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }.[80]
أما على القول بعدم اعتبار الدم النازل من الحامل حيضاً، فإن المرأة الحامل عندهم التي رأت الدم في زمن العادة على صفة دم العادة، يحكم عليه بأنه دم فساد وعلة، فلا تدع الصلاة ولا الصيام، ويجامعها زوجها، بل هي في حكم الطاهرات، تتوضأ لكل صلاة.
والطلاق في زمن الدم للمرأة الحامل ليس ببدعي، بل هو طلاق السنة عند أصحاب هذا القول[81]، معتمدين في ذلك على حديث ابن عمر- رضي الله عنهما: "أَنَّهُ طَلَّقَ - امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ - فَسَأَلَ عُمَرُ – رضي الله عنه - النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا, ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِراً، أَوْ حَامِلاً" متفق عليه.[82]
أما الذين يثبتون الحيض للحامل، فإن طلاقها زمن نزول الحيض ليس ببدعي أيضاً؛ لأن عدة الحامل بالوضع كما عند أصحاب القول الأول.[83]
قال الإمام الشافعي في كتابه الأم: "وَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ عَلَى الْحَمْلِ تَرَكَت الصَّلَاةَ، وَاجْتَنَبَهَا زَوْجُهَا، وَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِالْحَيْضِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ، إنَّمَا أَجَلُهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا".[84]
فيكون الأثر المترتب على الخلاف في هذه المسألة منحصراً في الصلاة، والصيام، والجماع، ومس المصحف، والطواف، والمكث في السجد، لا في العدة والاستبراء؛ لأن الفقهاء – رحمهم الله – متفقون على أن عدة الحامل بوضع الحمل لا بغيره.[85]
يتبع