هدايات سورة الأنعام
الكاتب : د. أحمد ولد محمد ذو النورين
- المحور التاسع: في ختام السورة كان النبز شديدا والوعيد مخيفا لرعاة الفرقة ودعاة اتخاذ الدين أشلاء تفاريق {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}، لتبي أن المؤمن الحق هو ذلك يكون عبدا لله في حياته كلها، وتقدم السورة لذلك نموذجا فريدا تمحض لله تعالى عبادة ونصحاً ودعوة، إنه محمد صلى الله عليه وسلم بمنهجه الناجع وسيرته العطرة وسنته الشافية من كل أمراض الشبهات والشهوات، ذلك المنهج القائم على نقاء العقيدة {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}� � وإخلاص العبادة {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}� � والعمل بعدالة الجزاء {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}.
من هدايات السورة:
- هكذا سميت سورة الأنعام لقيام عقائد المشركين في تقربهم لأصنامهم على تلك الأنعام حية وميتة؛ وهذا يتطابق مع تمحورها حول كشف جهالات المشركين وإظهار زيف ما شاع بينهم من ضلالات، لتجلية الحق، وإبراز نعمة الله تعالى على عباده بالرسالة، القائمة على كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إن الحقيقة التي يدركها كل عاقل أن تلك الرسالة ضرورة للخروج من براثين الجاهلية في صورها كافة، ذلك أن النجاة من السفه الأخلاقي والسخف العقدي لا تكون إلا بالتوحيد الخالص لله الواحد القهار، ولقد بينت السورة بالحجة القاطعة والبرهان الساطع والدلائل الدامغة القواعد الكبرى لذلك التوحيد، لإقناع أهل مكة ومن على شاكلتهم من المشركين بالإيمان بهذا القرآن ونهج سبيله، عبر أسلوبي التقرير والتلقين في ترتيب متقن وتسلسل محكم، فتكرر في طياتها فعل الأمر {قل} اثنتين وأربعين مرة، كما تكرر في ثناياها الضمير {هو} ثمانا وثلاثين مرة، إشعارا بأن تلك التقريرات لا تقبل المجادلة ولا الطعن لأنها ثابتة حسا ومعنى.
- سورة الأنعام هي أول سورة مكية في ترتيب المصحف، وهي أول سورة ابتدأت بالحمد {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}، فجاءت مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين، يقول الإمام القرطبي: "إن هذه السورة أصلُ في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذّب بالبعث والنشور" [23]، وهذا ما اقتضى إنزالها جملة واحدة، ونزولها ليلاً لما في هدوء الليل من سكينة للقلب ومناسبة للتأمل وداع للتفكر في قدرة الله تعالى وإعجاز هذا القرآن وعظمته، ولهذا اشتملت السورة على كافة القضايا الأساسية للعقيدة وكامل القواعد الكبرى لأصول الإيمان، فعرضت الأدلة المتعلقة بتوحيد الله تعالى، والحجج المقنعة على وجوده، والبراهين المظهرة لقدرته، والوقائع المبينة لعظمة سلطانه وبينات خضوع الكون كله لقهره، أوردت السورة ذلك على شكل مسلمات لا يماري فيها قلب سليم ولا يعارضها أو يعرض عنها عقل راشد، فلا أحد ينازع أنه تعالى المبدع للكائنات، وأنه جل شأنه وحده صاحب الفضل والإنعام، وأنه جلت عظمته وحده الخالق المدبر الحكيم، لقد تواردت تلك المسلمات في تصوير قرآني فني بديع، يستشعر القارئ معه عظمة الله وقدرته، كأن الآيات مشاهد حية تعرض أمام عينيه. تلقنه حجة الإيمان بالله تعالى ليقذف بها في وجه خصمه المشرك، فيحاصر بها سمعه ويملك عليه بها قلبه فلا يستطيع التخلص من الإذعان لها ولا يجد مناصا من الإيمان بها، ذلك ما قدمته السورة في أسلوب استقرائي رصين، يرافق كل سؤال فيه جوابه، تربية للمسلمين على أرقى أساليب مناقشة المشركين وإفحامهم بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة التي ترفع أعلام الحق وتقصم ظهر الباطل.
- ما فتئت سورة الأنعام تبين منهاج الدعوة الإسلامية، وتقرر حقائقها وتثبت دعائمها وتحاجج المعارضين لها بطريقة المناظرة والمجادلة، داعية إلى توحيد الله جلّ وعلا في الخلق والإيجاد، وتأليهه في التشريع والعبادة، مذكرة بمواقف المكذبين للرسل عليهم الصلاة والسلام، قاصة عليهم ما حاق بأمثالهم السابقين، ومذكرة بمآلاتهم يوم البعث والجزاء، هكذا تتدرج آيات السورة في متتالية عجيبة؛ فحين تسرد أنماطا من الإعجاز الكوني تدليلا على قدرة الله تعالى، ما تلبث أن تتبعه بفصول من صور الحجاج والمجادلة، لتردف الجميع بفواصل تثبت للمتلقي وضوح آيات الله تعالى في الكون وأنها مرئية معاينة ولكن القلوب إذا عميت لم تر الشمس؛ بل تجحدها وتكفر بها {قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظْ}، وفي هذا الإطار تقدم السورة قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع قومه مثالا حيا يناسب تثبيت أسلوب الحجة وإقامة البرهان وعرض الأدلة عند مواجهة المشركين والملحدين {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ...}، وتمشيا مع نفس السياق درجت السورة حتى نهايتها على إقناع المتلقي بتطابق أسباب الهداية والسعادة في كل الرسالات الربانية، مبرهنة على ذلك بالوصايا العشر التي نزلت في سائر كتب المرسلين ودعوا إليها جميعا {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.......... .ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وهكذا تختتم بالكشف عن مهمة الإنسان في هذه الحياة؛ إنها خلافة الله تعالى في أرضه لعمارتها عبر أجياله المتعاقبة، المؤهلة بما أودع الله تعالى فيها من تفاوت المواهب لتلك المهمة، إن مهمة الاستخلاف هذه إنما رتبت لغاية سامية وحكمة عظيمة، تتأسس على ابتلاء البشر في مستوى العزم للوفاء بمقتضيات العبودية واختبارهم في مدى القيام بتبعات المسؤولية {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ}.
- لم تك تسمية السورة بالأنعام لمجرد ورود كلمة الأنعام فيها، وإنما لذلك أسباب أخرى تتبوؤها مكانة الأنعام عند قريش والعرب جميعا؛ حيث كانت مصدر أكلهم وشربهم وسائر دروب رزقهم ومواصلاتهم وثرواتهم، فهي عصب حياتهم وكل شيء بالنسبة لهم، ولم يكونوا مستعدين لدمجها ضمن مضمار العبودية؛ بل كانوا يرون أن حرية التصرف في الأموال لا تتنافى مع التأله والعبادة، لكن لوازم العبودية ومقتضيات البيعة المأخوذة في الذر تطال كل حياة الإنسان عقيدة وعبادة وخلقا ومعاملة. لم توجه السورة هذا الكلام لكفار قريش وحدهم، وإنما قدمته توجيها عاما لسائر الناس الذين تأتي تطبيقاتهم منافية لمعتقداتهم في سائر العصور، فكلمة "لا إله إلا الله" لها مقتضى اعتقاديا كما لها مقتضى تطبيقيا، يستلزمان معا أخذ الدين كاملاً دون اجتزاء، فذلك هو متطلب الإيمان بالله تعالى خالق السماوات والأرض, وجاعل الظلمات والنور, المكون للإنسان من طين, المحدد لأجل كل مخلوق, الباعث لجميع الخلائق بعد إفنائهم, المستأثر وحده بعلم الغيب. فمن هذه صفاته حري بأن يؤله وحده، فهو الخالق العظيم للسماوات والأرض ومن فيهن, يعلم السر والجهر, ويعلم ما تكسب كل نفس, {وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم}, إنه( سبحانه) يطعم ولا يطعم, وهو (سبحانه) {فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ....}، هكذا جمعت السورة الكريمة من صفات كمال الله تعالى ما لا مزيد عليه، فقد أبلغت القول في كمال عظمته وكمال قدرته {وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}. لقد ذكر سبحانه في هذه السورة الكريمة خلقه لسائر المخلوقات؛ فهو سبحانه من خلق الحيوان، وخلق النوم واليقظة، وخلق الموت والحياة، وخلق الشمس والقمر والنجوم، وهو سبحانه من فلق الإصباح، وفلق الحب والنوى، وهو سبحانه من أنزل الماء، وهو سبحانه من أخرج النبات والثمار بأنواعها، وهو سبحانه من أنشأ الجنات المعروشات، وغير المعروشات، وهو سبحانه من جعل الأنعام حمولة وفرشًا.
- ما أقبح الجاهلية وأشنع أفعال الجاهلية وما أقسى قلوب أهل الشرك، ذلك ما تبينه السورة الكريم من خلال نقل بعض مجريات أحداث ذلك الواقع الأليم، فعن عكرمة في تفسير قوله تعالى " {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ} قال: نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر وربيعة، كان الرجل يشترط على امرأته أنك تئدين جارية وتستحيين أخرى، فإذا كانت الجارية التي توءد غدا من عند أهله أو راح وقال: أنت علي كأمي إن رجعت إليك لم تئديها، فترسل إلى نسوتها فيحفرن لها حفرة فيتداولنها بينهن، فإذا بصرن به مقبلا دسسنها في حفرتها وسوين عليها التراب" [24]. إن فعلهم هذا "سفه محض، أي سفه أعظم من إضاعة مصالح جمة وارتكاب أضرار عظيمة وجناية شنيعة، لأجل التخلص من أضرار طفيفة قد تحصل وقد لا تحصل" [25]. لكن ذلك على فظاعته غير مستغرب ممن استهونوا أبشع الظلم الذي هو الشرك بالله تعالى, فحين يظلم الإنسان خالقه ورازقه والمتفضل عليه بكل الآلاء والنعم ويجعل له شركاء من الجن أو الإنس, أو ينسب إليه الزوجة أو الولد، فإن مثل هذا لا تستغرب منه فظاعة ولا تستنكر منه شناعة، لكن المذهل من أمر هؤلاء المشركين أنهم سوف يسألون عن شركهم يوم القيامة فيتنصلون منه ويحاولون إنكاره، ومع هذا لا يرعوون رغم نصاعة الحق وظهوره؛ بل يستمرئون الافتراء والكذب على الله, و التكذيب بآياته، فلا تنفعهم معجزة ولا تردعهم نذارة.
- لقد توعد الله تعالى المشركين بما ينتظرهم من عذاب شديد, جراء ما كانوا يقولون عليه جل وعز من غير الحق, وجزاء استكبارهم عن آياته, وفي إطار ذلك تذكرهم السورة الكريمة بمعادهم إلى الله فرادى كما خلقهم أول مرة, تاركين وراءهم ما كان الله تعالى قد وهبهم من متاع الحياة الدنيا, مفصولين عن شركائهم الذين كانوا يجعلونهم لله تعالى أندادا, مننقطعين عن أي نوع من الاتصال بهم { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}، فما أقبح عاقبة الكذب على الله تعالى وما أظلم الكاذبين، وما أقبح الاستكبار وما أعظم جرم المستكبرين، وما أشد ما ينتظرهم من عذاب القبر وخزي المبتعث يوم الجزاء على الكسب، حين ينعدم الشفعاء وتتطاير الصحف، وقبل ذلك في الدنيا عند معالجة سكرات الموت وشدتها، ""إن للموت سكرات"" [26]. إنه الخسران المبين الملازم لكل كافر بربه غير مؤمن به {الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، وقد تبين أن سبب هذا الخسران التكذيب بلقاء الله تعالى وعدم الإيمان برسالاته، فكل من أدمنوا الشرك، ولم يستسلموا لرب العالمين كان حليفهم ذلك الخسران، إذ لم تنقذهم عقولهم المزعومة ولم ينفعهم ما كانوا يشاهدونه ويلحظونه من آيات تدل على العليم الخبير، فالناظر بعقل وتدبر لتقلبات نفسه في هذه الحياة يدرك بسهولة ما يجره إلى الإيمان، ففي النوم بوصفه صورة مقربة للوفاة, وفي اليقظة بوصفها صورة مقربة للبعث ما فيه كفاية للدلالة على مدبر هذا الكون وخالقه. وما فيه مقنع للإيمان بالبعث والنشور.
- {قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ }، بهذا التلقين الهادئ والتعليم المستمر يسهل على محمد صلى الله عليه وسلم أداء رسالته، بهذا التسديد الرباني والتوجيه الإلهي تخف أعباء وتنزاح صعوبات، فيسير النبي صلى الله عليه وسلم بخطى ثابتة ودعوة على بصيرة وجلد وصبر على تعنت المشركين وجلافتهم، ويقدم رسالته معززة بحقائق تتراءى بوضوح من خلال التقريرات والتوجيهات المباركة لهذا القرآن الكريم؛ إذ تتعالى مظاهر قدرة الله تعالى ومعالم علمه وكمال حكمته جل وعلا، فهو جل شأنه المستأثر بعلم الغيب، وكتابة المقادير حتى سقوط الورقة من الشجرة، وهو مع ذلك المنجي من الكروب، الواقي من المهالك، الذي لا أمل حتى للمشركين في أحد غيره، فعند ركوب البحر وغشيان ظلمة السحاب والليل الداجي والبحر المتموج واضطراب النفوس واشتداد الخوف، لا يسألون سواه؟ {قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، فلا برهان أعظم على بطلان الشرك من أن المشركين يخلصون الدعاء لله تعالى في الشدة، لكنهم يستنكفون عن الإيمان ويتناسون ما كانوا فيه من كرب، وهنا تواجههم الآيات ببأس الله الذي قد يأخذهم بعد النجاة! فما هي مرة وتنتهي، ثم يفلتون من القبضة كما يتصورون {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}، ومع ذلك فلا يظن أولئك الكفار أنه جلت عظمته حين يمهلهم ويفتح عليهم أبواب كل شيء قد غفل عنهم أو رضي بشركهم، كلا إنما هو الابتلاء والاستدراج ثم الهلكة {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، فلما أنذرهم بتوقع العذاب أعقبه بالاستشهاد على وقوع العذاب بأمم سابقة، ليعلم هؤلاء أن تلك سنة الله في الذين أشركوا، ويواكب المؤمن ذلك الإهلاك بحمد ربه جل شأنه على تطهيره للأرض من المفسدين.
قصة وهدف:
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)}.
إنها قصة رائعة باهرة رسمها السياق القرآني في هذه الآيات لتبين حقيقة الفطرة وهي تستنكر - للوهلة الأولى - عقائد الجاهلية في الأصنام وتستصغرها. ثم تنطلق بعد أن نفضت عنها غبار الخرافة في شوق عميق ووله دافق بحثا عن إلهها الحق، الذي تجده في ضميرها، ويتعلق به وجدانها في لهفة مكنونة، وعزم مشبوب يحدوه كل ما يمكن أن يوصل إلى هذا الإله! إنه مشهد رائع باهر يتجلى في قلب إبراهيم - عليه السلام – وهو يجتاز التجربة الكبرى في قصة الفطرة مع امتحان الاختيار بين الحق والباطل، إنها قصة المؤمن وهو يصدع بعقيدته ولا يخشى فيها لومة لائم؛ ولا يجامل على حسابها أباً ولا أسرة ولا عشيرة ولا قوماً، إنه الانسجام المطلق بين الوحي والفطرة السليمة، والبصيرة المفتوحة؛ الذي به يتم الخلوص إلى الحق، وإنكار الباطل، والذي بمستوى القوة التي تدفعه يكون انتهاج مسلك إبراهيم عليه السلام [27] ، لقد أدرك إبراهيم حقيقة ملك السماوات والأرض واضطلع على كثير من الأسرار المكنونة في صميم الكون، واكتشف كثيرا من الآيات المبثوثة في صحائف الوجود، وأقام الصلة بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب.ذلك هو المسلك النجاء الذي ينجو سالكه، وتلك هي المحجة البيضاء التي يسعد بها كل من التزمها.
وبالجملة فقد احتوت القصة ضغثا من الأهداف، نذكر منها:
الاولى: قوله: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً}، إنه السؤال الاستنكاري التقريعي عن كيفية استساغة اتخاذ الجماد إلها، مع أن الإله هو المعبود بحق، وتلك هي أعلى الغايات عند البشر؟؟؟ وهذا أعجب وأبعد عن العقل من جعل الحمار قاضياً؛ لأن الحيوان أكمل من الجماد.
الثانية: القدح في هذا المعتقد وإظهار بطلانه بكل المقاييس من جهة احتقارهذه المعبودات، ومن جهة الاستخفاف بعقول تجعل من مثل تلك الجمادات آلهة. وكذلك ينبغي أن يكون المؤمنون في وضوح التصور، ولزوم الصدع بالحق، وعدم الاكتفاء بالمخالفة: {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
الثالثة : استقراء البراهين واستخلاصها من المشاهد الكونية الدالة على حتمية خالق للخلق من غير جنسه متصف بصفات الكمال، {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} فإن ذلك من أعظم الأ دلة بديهة على وجود الله تعالى وبديع صنعه وكمال قدرته.
الرابعة : أن إقامة حجة تهافت الباطل دالة على صدق الحق مورثة لليقين به {وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}.
الخامسة: أن المعبود لا بد أن يكون حيا باقيا بلا زوال {فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ}.
السادسة: تعلق إبراهيم بربه لنيل الهداية والتوفيق لها، وإيمانه أنه لا ترجى الهداية من سواه. بل المتعلق بغيره منتهاه إلى ضلال {قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}.
السادسة: إعلانه براءته من الشرك ومعتقدات المشركين {قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. وكذلك أتباع ملته من هذه الأمة المباركة.
السابعة: تأليهه وتوجهه إلى خالق السماوات والأرض المستحق وحده للعبادة والتعظيم، وتأكيده ميلانه عن الشرك، والبراءة من صف المشركين {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
الثامنة: شجاعته في ذات الله تعالى وبعده عن المداهنة؛ إذ صرح لقومه بما يعتقد من الحق ولم يدارهم مع كثرتهم ووحدته {إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ}، وكذلك منهج المرسلين وأتباعهم.
التاسعة: وجوب مجادلة المبطلين والمشركين وتعرية ضلالهم لإقامة الحجة عليهم لعلهم يهتدون، ولنفي مخاطر شبههم عن الناس. {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}.
العاشرة: بيان ضلال أهل الشرك وزيغ عقولهم وتشابه نحلهم وجراءتهم على الله جل وعز وأمنهم لعقوبته في كل زمان ومكان {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}..
الحادية عشرة: الطمأنينة والسعادة إنما تكون لأهل التوحيد والإيمان، فهم أحق العباد بالأمن، وكذلك كل من آمن بالله ولم يشرك به شيئاً {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
الثانية عشرة: علو منزلة إبراهيم عند الله تعلى وتعظيمه سبحانه لما وهبه من الحجة، التي أضافها جل شأنه إلى نفسه إضافة تعظيم وتشريف وتنويه، فهو المنعم بها على إبراهيم وناصره بها على قومه {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ}. وكذلك يرفع الله درجات المؤمنين العالمين بدلائل التوحيد الداعين إليه، النافين للشبه عنه المقيمين لحججه المدركين لحكمة الله تعالى المعتقدين لكمال صفاته جلت عظمته.
من الآيات الكونية في سورة الأنعام:
لقد أرسل الله تعالى الرسل وأنزل الكتب لهداية الناس، وكذلك ذكر الحقائق العلمية في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لا للتسلي ولا للتفكه، وإنما للاستدلال على عظيم قدرة الله تعالى وجميل صنعه في خلقه، وواسع رحمته بعباده، إضافة إلى نصب الآيات على وجوده تعالى ووحدانيته، الأمر الذي تحتاجه البشرية لاستنتاج البراهين المقنعة والدلائل الجلية المثبتة لضرورة الإيمان به جلت عظمته، تلك الدلائل والبرهين التي تتناغم مع الفطرة البشرية الأصيلة، والتي فطر الله تعالى عليها هذا الوجود لاستنقاذهم من إضلال إبليس لأكثرهم حتى صاروا مضلين {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّه}، قد ضلوا لأنهم يتدبروا تلك الآيات، فلم يعرفوا الله تعالى حق معرفته، ولم يعظموه تعالى حق تعظيمه {وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}، فجاء هذا الإعجاز الهائل في الآيات المقروءة ليبرهن على تطابقها مع الآيات المنظورة، وليبين بالمعاينة أن الله جلت عظمته هو الإله الحق الذي أقام السماوات والأرض بالحق.
ومن أبرز ما ورد في السورة من ذلك:
- لقد خلق الله تعالى السماوات والأرض بالحق, وفطر الخلائق وأنعم عليها بجعل الظلمات والنور {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}، فالظلمات تستركم وترتاح فيها أبدانكم وقلوبكم، وفي النور تقيمون معاشكم وقوام أبدانكم وأنعامكم، فهو جل شأنه المستوجب للثناء على نعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، لإنشائه السموات والأرض وما فيهن، وخلقه الظلمات والنور، وما ينشأ عنهما من تعاقب الليل والنهار؛ مما يكفي دلالة على عظمة الله تعالى، واستحقاقه وحده العبادة.
- أن الله تعالى خلق الإنسان من طين، فآدم الذي هو أصل البشر ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب خلقه الله تعالى من طين، فباعتبار أصلهم فإنهم مخلوقون من طين، وكذلك الغذاء الذي هو عنصر حياتهم كله من الأرض {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ}، وفي هذا تذكير للمشركين إذ أنكروا البعث، فإن الله تعالى هو الذي خلقهم أولا، والعجيب من حال كثير منهم جمعهم بين الاعتراف بأن الله هو خالقهم الخلق الأول وامتراؤهم في خلقهم الثاني.
- الله جل جلاله مالك ما استقر في الليل والنهار من المخلوقات، أي له كل شيء، فلا بد أن يتيقن العبد أن الخلق كلهم في قبضة الله عز وجل، وأمورهم كلها بيده، أحاط بهم علمًا وسمعًا وبصرًا، فلا يتلكأ فيما أمرت به الشريعةُ وحيا من رب الأرباب {وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، وهذا تذكير بأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمال عباده.
- إن الله تعالى هو فالق الإصباح بقدرته نعمة منه بالخلائق، إذ لم يجعل النور مستمرا في الأفق، بل جعله عارضا في أوقات محددة لتعود الظلمة إلى الأفق رحمة منه بالموجودات ليسكنوا بعد النصب والعمل فيستجمعوا راحتهم، إشارة منه تعالى إلى الحركة الدائبة والحياة السيارة لهذا الكون {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}
- لقد امتن الله تعالى على البشر بهذه النجوم والكواكب وجعلها لهم بواصل يهتدون بها في ظلمات البر والبحر، حتى لا يضلوا طريقهم فيهلكوا {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}، وليرتبوا بها مواقيت حياتهم، فهذه منة تنضاف إلى سابغ آلائه ووافر مننه على الناس، كما تمثل مظهراً من مظاهر قدرته، فهي نعمة لا يقدر على الإنعام بها سواه، فلم إذاً يكفر به ويعبد غيره؟
- بعد أن بلغ التطور التقني شأوا وصل إلى ما كانت بعض آيات هذه السورة قد صرحت به {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} إشارة إلى تناقص كل من الضغط وتركيز الأكسيجين مع الارتفاع، مما يؤدي إلي ضيق الصدر وحرجه، ذلك أن الإرادة الإلهية هي مصدر أي حركة ومحور أي تغيير في هذا الكون من الذرة إلى أعظم النجوم السابحة.
- التأكيد عل أن بالكون غيوبا مطلقة لايعلمها إلا الله تعالى {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}، وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية" [28].
وهناك آيات كونية أخرى أختصر البحث في الحديث عنها، على الإشارة إلى بعضها، مثل:
خلق وتصنيف الحيوانات. والتشابه القائم بين النوم والموت وبين اليقظة من النوم والبعث بعد الموت. وأن الله تعالى هو فالق الحب والنوى لحظة الإنبات, وأنه تعالى هو الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي. والتأكيد على أن الله تعالى أنشأ الناس من نفس واحدة فمستقر ومستودع. وأنه تعالى هو الذي أنزل من السماء ماء فأخرج به نبات كل شيء, فأخرج منه خضرا يخرج منه حبا متراكبا. وأنه جل شأنه هو الذي خلق النخيل, وخلق طلعها وهو أول ما يبدو ويخرج من ثمرها كالكيزان, وخلق قنوانها, وخلق جنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها, وغير متشابه وجعل بعض هذه الجنات معروشات وبعضها الآخر غير معروشات.وقد أكدت كثير من آيات السورة على حقيقة الخلق, وعلى أن الله تعالى هو خالق كل شيء.
الخاتمة:
تعتبر سورة الأنعام ممثلة بحق للقرآن المكي الذي يعرض العقيدة ناصعة ممارسة ومحاجة، فهي أولى سورة في هذا المنهج وأوفاها، حيث بسطت الحُجّة على عظمة الله تعالى وبديع صنعه وكامل قدرته، وأقامت الدليل على وحدانيته عز وجل وألوهيته، فهي من نوادر السور الطويلة التي نزلت جملة واحدة، وقد احتضنت جملة من الرموز والإشارات للدلالة على أن العقيدة محورها الشامل، من ذلك:
- تكرار لفظ الجلالة فيها نصف مرات عدد آياتها، يعني 87 مرة في حين أن عدد آياتها يناهز 165آية.
- تعدد فعل الأمر {قُل} في ثناياها؛ حيث ذكر فيها 44 مرة، فكانت أكثر سورة في القرآن تردد فيها هذا اللفظ {قُل} ، أمرا للرسول صلى الله عليه وسلم وأمته من بعده أن يبلّغوا ما فيها من عقائد وحِكَم وأحكام.
- ورود كلمة "الرب" فيها عدة مرات؛ حيث تكررت فيها أكثر من 50 مرة.
- تكرر مشتقات مادة النظر والإبصار والرؤية فيها مرات عديدة؛ حيث جاءت متكررة في ثناياها أكثر من 44 مرة.
فهذا الكم الهائل من الكلمات المكررة بأعداد تجاوزت العشرات ينبئ عن رمي حثيث إلى إثبات مصطلحات عقدية، وترسيخ مفاهيم إيمانية، وإعداد بيئة منهجية لايكاد قارئ السورة أن ينهيها حتى تترسخ لديه مفاهيم جديدة ويتكون عنده معجم مصطلحات ويتضح له سبيل المحجة، وقد تعززت هذه الجوانب في السورة برديء من القصص التي طفقت السورة تسرد بعضها، كما هو الشأن في محاجة إبراهيم لقومه، وتشير إلى بعضها الآخر إشارات عابرة، متبعة إياه بكوكبة من المرسلين تثمينا للاقتداء والائتساء. وتنويها بعظمة منة الله تعالى بهم لهداية البشرية قبل بعثة خاتمهم صلى الله عليه وسلم.
لكن تركيز السورة الأكبر كان على الحياة الدينية في العهد الجاهلي، حيث تعرضت لطرق الجاهليين في التقرب إلى آلهتهم، وما يرافق ذلك من تحريم وتحليل غير خاضع لمنطق عقل ولا دين، كما هو حالهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
كما لم تهمل الجانب التشريعي، حيث ذكرت أعظم جانب منه في الوصايا العشر، كالنهي عن الشرك جملة وتفصيلا والنهي عن عقوق الوالدين. وعن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. وأكل مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده. والوفاء بالكيل, والميزان بالقسط, واجتناب المحرمات. ووجوب الصدق في القول, والإخلاص في العمل, والوفاء بعهود الله تعالى. ولزوم الابتعاد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ووجوب التزام صراط الله المستقيم، وقبل ذلك ذكرت تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه, وما أهل لغير الله به, والميتة, والدم المسفوح, ولحم الخنزير, إلا لمن اضطر غير باغ ولا متجاوز حدود الاضطرار.
كما حثت على إقام الصلاة, وإيتاء الزكاة، وأمرت بتقوى الله تعالى في كل الأحوال. واختتمت بتعريف موجز يبين طبيعة الحياة الدنيا من النشأة إلى النهاية وما يتخلل ذلك من ابتلاء، تقوم حيثياته على امتحان استخلاف الله تعالى لعباده في أرضه، وتنتهي وقائعه بالمعاد إلى الله جل شأنه {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.
[1] التحرير والتنوير، الأنعام (6|5)
[2] روح المعاني للآلوسي (7|76)
[3] نفس المرجع (7|75)
[4] اللباب في علوم الكتاب (8|3)، والسراج المنير للشربيني (1|326)
[5] التحرير والتنوير، سورة الأنعام (6|7)
[6] رواه الحاكم في مستدركه (3226)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم فإن إسماعيل هذا هو السدي و لم يخرجه البخاري"، أما
تعليق الذهبي قي التلخيص فكان مغايرا لذلك حيث قال: "لا والله لم يدرك جعفر السدي وأظن هذا موضوعا"، وأخرجه البيهقي في الشعب (2431).
[7] أخرجه البيهقي في السنن الصغرى (981)، وفي الشعب (2433)، وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6|292)، قال الهيثمي: ((رواه الطبراني عن شيخه محمد بن عبد الله بن عرس عن أحمد بن محمد بن أبي بكر السالمي، ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات)). انظر: ((مجمع الزوائد)) (7/20). والزجل ـ بفتح الزاي والجيم: الصوت الرفيع العالي، انظر: اللسان (6|23)، مادة (ز ج ل).
[8] انظر: ((المعجم الكبير))(12/215)، ((فضائل القرآن)) لأبي عبيد (ص128)، ولابن الضريس (ص94)، ((عمدة التفسير))(5/11)، ((موسوعة الفضائل))(1/257).
[9] السراج المنير للشربيني (1|326)
[10] أخرجه الإمام أحمد في المسند(24575) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: "إسناده حسن"، وأخرجه الحاكم في مستدركه (2070)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه".
والحبر: العالم، ومعناه العالم بتحبير الكلام، والأحبار: هم العلماء، انظر: النهاية (1/328)، واللسان مادة (ح ب ر)
[11] أخرجه الإمام أحمد في المسند(17023)، وقال عنه شعيب الأرنؤوط في تعليقه عليه: "إسناده حسن"، وأخرجه البيهقي في الشعب(2415)، وكذلك في سننه الصغرى(978)، والطبراني في معجمه الكبير(186)، وقال الشيخ الألباني: "الحديث بمجموع طرقه صحيح"، السلسلة الصحيحة (3|469).
[12] الأحاديث الثابتة في فضائل السور، ص: 29
[13] المحرر الوجيز لابن عطية (2|311)
[14] أخرجه الدارمي (3402)، قال حسين سليم أسد: "إسناده صحيح إلى كعب وهو موقوف عليه".
[15] السطة: هي المنزلة الرفيعة والمكانة المهيبة
[16] انظر: سيرة ابن هشام (1|293-294)
[17] القرطبي (6|383)
[18] مفاتيح الغيب (26|212)
[19] التحرير والتنوير سورة الأنعام (6|8)
[20] البخاري|كتاب المناقب|باب قصة زمزم وجهل العرب|ح (3524)
[21] البخاري|كتاب المغازي|باب غزوة أحد|ح (4043)
[22] انظر: الدر المنثور (3|348)، والتحرير والتنوير الباب 111 | (5|171)
[23] القرطبي (6|383)
[24] الدر المنثور (3|366)
[25] التحرير والتنوير سورة الأنعام (7|85)
[26] البخاري|كتاب المغازي|باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته|ح (4449).
[27] انظر: الظلال (3|86)، المكتبة الشاملة.
[28] انظر: صحيح البخاري|كتاب التفسير|باب|ح (4855)، ومسلم|كتاب الإيمان|باب معنى قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى}، وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء؟|ح (177)