احفظوا الله بطاعته يحفظكم في دنياكم وأخراكم
الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد
الخطبة الآخرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:
إن أمة الإسلام اليوم متشوقة إلى النصر، فهل نصرْنا الله حتى ينصرَنا الله سبحانه؟ فقد قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾. [محمد: 7]، فانصر الله بإقامة دينه في نفسك بتنفيذ أوامره واجتناب نواهيه، والصبر على ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْر". [47] فيشمل النصر في الجهادين، جهاد العدو الظاهر، (وهو جهاد الكفار)، وجهاد العدو الباطن (وهو جهاد النفس والهوى) -والشيطان-، فمن صبر فيهما، نُصِر وظَفِر بعدوهِ، ومن لم يصبر فيهما وجَزع، قُهِرَ وصار أسيراً لعدوِّه أو قتيلاً له، قال سبحانه وتعالى: ﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾. [البقرة: 249].
قال عمر -رضي الله عنه- لأشياخ -أي لكبار في السن- من بني عبس: (بم قاتلتم الناس؟) -أي في الجهاد والقتال- قالوا: (بالصبر، لم نلق قوماً إلا صبرنا لهم كما صبروا لنا).
وقال بعض السلف: (كلنا يكره الموت، وألمَ الجراح، ولكن نتفاضلُ بالصبر).
وقال بعض العلماء: (الشجاعة صبر ساعة).
قال أبو الطيب المكي: اعلم أن الصبر سبب دخول الجنة، وسبب النجاة من النار؛ لأنه جاء في الخبر: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات". [48] فيحتاج المؤمن إلى صبر على المكاره ليدخل الجنة، وإلى صبر عن الشهوات لينجو من النار.
وقال في مقام آخر: واعلم أن كثرة معاصي العباد في شيئين: قلة الصبر عما يحبون، وقلة الصبر على ما يكرهون، وقد ورد في الحديث: "والصبر ضياء". [49]
يا من اكتنفتكم الهموم والغموم، وتكالبت عليكم الكروب، أيقنوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا". [50] هذا الحديث فيه البشارة العظيمة بأن تفريج الكربات، وإزالة الشدائد مقرون بالكرب، فكلما كُرب الإنسان فرَّج الله عنه.
ويشهد لهذا قولُه سبحانه وتعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ﴾. [الشورى: 28]، وقولُه تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾. [يوسف: 110]، وقوله تعالى: ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾. [البقرة: 214].
قال ابن رجب رحمه الله: وكم قصَّ سبحانه وتعالى من قَصصِ تفريجِ الكربات، كتفريج كرباتِ أنبيائه عند تناهي الكرب؛ كإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاءِ إبراهيم من النار، وفدائِه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاءِ موسى وقومِه من اليم، وإغراق عدوِّهم.
وقال ابن رجب رحمه الله: ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب واليُسر بالعسر؛ أن الكربَ إذا اشتد وعظُمَ وتناهي، حصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تُطلبُ بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾. [الطلاق: 3].
قال الفضيل: (لو يئستَ من الخلق حتى لا تريد منهم شيئاً؛ لأعطاك مولاك كلَّ ما تريد). [51]
أيها الإخوة في الدين! ألا تعلمون أن في البلايا والمصائب فوائد؟!
منها: تكفير الخطايا بها، والثواب على الصبر عليها.
ومنها: تذكر العبد بذنوبه، فربما تاب ورجع منها.
ومنها: انكسارُ العبد لله عز وجل وذلُّه له.
ومنها: أنها -أي المصائب- توجب للعبد الرجوع بقلبه إلى الله تعالى، والوقوف ببابه والتضرع له والاستكانة.
ومنها: أن البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى مخلوق ويوجب له الإقبال على الخالق وحده.
حكى الله عن المشركين إخلاص الدعاء له عند الشدائد ففرج عنهم-، فكيف بالمؤمن يا عباد الله؟
فالبلاء يوجب للعبد تحقيق التوحيد بقلبه، وذلك أعلى المقامات وأشرف الدرجات.
فاللهم اجعلنا من المحققين للتوحيد الخالص بقلوبنا وجوارحنا، وبلغنا اللهم أعلى الدرجات وأشرف المقامات.
اللهم صلى وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وسائر العشرة المبشرين وباقي الصحابة أجمعين.
اللهم احفظنا بحفظك، اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهْرَ مِنْهَا وَمَا بَطْنَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَأَزْوَاجِنَا، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ، قَابِلِينَ بِهَا، فَأَتْمِمْهَا عَلَيْنَا.
وأقم الصلاة ﴿... إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾. [العنكبوت: 45].
بتصرف من (تحفة الأحوذي) للمبارك فوري، و(تذكير العابدين بشرح رياض الصالحين للإمام النووي رحمه الله) (ت 676). من الباب (1- 10) (فضائل- منوعات- أقوال- فوائد) لسليمان بن محمد اللهيميد.
[1] (ت) (2516)، (حم) (2669)، وقال الأرناءوط: إسناده قوي، (حم) (2804)، (ك) (6304)، انظر ظلال الجنة (315)، (318)، وصححه الألباني في ظلال الجنة وصَحِيح الْجَامِع (2961)، (6806)، (7957)، والصَّحِيحَة (2382).
[2] انظر موارد الظمآن لدروس الزمان للسلمان (4/ 450).
[3] [شَيبَان الرَّاعِي من عباد أهل مرو يروي عَن سُفْيَان الثَّوْريّ روى عَنهُ أهل بَلَده وَكَانَ من الأمارين بِالْمَعْرُوفِ وسكة شَيبَان بمرو تعرف بِهِ وَهُوَ صَاحب حكايات عَجِيبَة مروية وَكَانَ بن الْمُبَارك لَا يمِيل إِلَيْهِ لميله إِلَى مَذْهَب الرَّأْي]. الثقات لابن حبان (6/ 448) ترجمة رقم (8528).
[4] قال الذهبي في (تاريخ الإسلام) ت بشار (4/ 410- 411) ترجمة رقم (174): [شَيْبَانُ الرَّاعِي؛ عَابِدٌ صَالِحٌ زَاهِدٌ قَانِتٌ لِلَّهِ، لا أَعْلَمُ مَتَى تُوُفِّيَ، وَلا مَنْ حَمَلَ عَنْهُ، وَلا ذَكَرَ لَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي "الْحِلْيَةِ" سِوَى حِكَايَةٍ وَاحِدَةٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الرَّبَضِيِّ قَالَ: (كَانَ شَيْبَانُ الرَّاعِي إِذَا أَجْنَبَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ دَعَا، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَأَظَلَّتْهُ، فَاغْتَسَلَ مِنْهَا، وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَيَخُطُّ على غنمه، فيجيء فيجدها على حالتها)، وقال صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي (المتوفى: 764هـ): [شَيبَان الرَّاعِي العَبْد الصَّالح الزَّاهِد القانت لله كَانَ يذهب إِلَى الْجُمُعَة فيخط على غنمه ثمَّ يَجِيء فيجدها بِحَالِهَا، وَتُوفِّي فِي حُدُود السّبْعين وَمِائَة]. الوافي بالوفيات (16/ 118).
[5] الإصابة في تمييز الصحابة (8/ 8).
[6] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 555).
[7] تفسير ابن أبي حاتم- محققا (10/ 3360).
[8] تفسير ابن رجب الحنبلي (1/ 578).
[9] مجموع رسائل ابن رجب (3/ 103).
[10] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 556).
[11] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 556).
[12] ذم الهوى (ص: 145).
[13] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 554).
[14] (خ) (6320)، (م) 64- (2714).
[15] (حب) (934) وضعفه في (الضعيفة) (6003)، ورمز له في الجامع (ك) عن ابن مسعود، فحسنه الألباني انظر حديث رقم (1260) في صحيح الجامع، والصحيحة (1540)، فلعله تراجع عن تحسينه.
[16] (ت) (3443)، (د) (2600)، (جة) (2826)، والصحيحة: (14، 16).
[17] موارد الظمآن لدروس الزمان للسلمان (4/ 454).
[18] المرجع السابق.
[19] المرجع السابق.
[20] موارد الظمآن لدروس الزمان للسلمان (4/ 455).
[21] موارد الظمآن لدروس الزمان (4/ 455).
[22] تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 270).
[23] تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 312).
[24] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 560).
[25] (ت) (3373)، (خد) (658)، (جة) (3827)، (حم) (9717)، الصَّحِيحَة (2654).
[26] تفسير ابن رجب الحنبلي (1/ 72).
[27] ونصه الحديث: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». (خ) (1474)، (م) 103- (1040) نحوه.
[28] هذا قول منسوب لرابعة العدوية انظر (صفة الصفوة) (2/ 244)، ونحوه لسقيان الثوري في (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء) (7/ 9).
[29] (ت) (1105)، (س) (3277).
[30] (د) (1522).
[31] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 562).
[32] (خ) (6502).
[33] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 564).
[34] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 563).
[35] (ت) (3382).
[36] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 564).
[37] جامع العلوم والحكم ت ماهر الفحل (2/ 564).
[38] (جة) (277)، (حم) (22432)، (ك) (450)، (طب) (1444)، انظر صحيح الجامع (952)، والصحيحة (115)، الإرواء (412).
[39] (ت) (2458).
[40] (م) 38- (2699).
[41] (م) 24- (533).
[42] (حم) (15592)، (ك) (7562)، صَحِيح الْجَامِع (7055)، والصحيحة (26).
[43] (خ) (1284)، (م) 11- (923).
[44] (د) (666)، (س) (819).
[45] (د) (4941)، (ت) (1924).
[46] (د) (4873).
[47] (حم) (2803).
[48] (م) (2822).
[49] (م) (223).
[50] (ك) (6304)، وصححه الألباني في ظلال الجنة (315)، وصَحِيح الْجَامِع (6806)، والصَّحِيحَة (2382)
[51] تفسير ابن رجب الحنبلي (2/ 595).