31- وأشهر الحج التي ذكر الله تعالى
: شوال ، وذو القعدة وذو الحجة . فمن تمتع في هذه الاشهر فعليه دم أو صوم . رواه البخاري .
1 - وفي هذا الحديث دليل على أن أهل الحرم لا متعة لهم ولا قران (يرى مالك ، والشافعي ، وأحمد : أن للمكي أن يتمتع ويقرن ، بدون كراهة ، ولاشئ عليه) ، وأنهم يحجون حجا مفردا ويعتمرون عمرة مفردة . وهذا مذهب ابن عباس وأبي حنيفة لقول الله تعالى : ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) . واختلفوا في من هم حاضر والمسجد الحرام .
فقال مالك : هم أهل مكة بعينها ، وهو قول الاعرج واختاره الطحاوي ، ورجحه . وقال ابن عباس وطاوس وطائفة : هم أهل الحرم .
قال الحافظ : وهو الظاهر . وقال الشافعي : من كان أهله على أقل مسافة تقصر فيها الصلاة . واختاره ابن جرير . وقالت الاحناف من كان أهله بالميقات أو دونه . والعبرة بالمقام لا بالمنشأ .
2 - وفيه : أن على المتمتع أن يطوف ويسعى للعمرة أولا : ويغني هذا عن طواف القدوم الذي هو طواف التحية ثم يطوف طواف الافاضة بعد الوقوف بعرفة ، ويسعى كذلك بعده .
أما القارن فقد ذهب الجمهور من العلماء : إلى أنه يكفيه عمل الحج ، فيطوف طوافا واحدا (1 ) أي طواف الافاضة بعد الوقوف بعرفة) ويسعى سعيا واحدا للحج والعمرة ، مثل الفرد () والفرق بينهما أنه في حالة القرن يقرن بينهما في نيته عند الاحرام
1 - فعن جابر رضي الله عنه ، قال : قرن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج والعمرة . وطاف لهما طوافا واحدا . رواه الترمذي وقال : حديث حسن .
2 - وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أهل بالحج والعمرة ، أجزأه طواف واحد وسعي واحد " . رواه الترمذي . وقال : حسن صحيح غريب ، وخرجه الدارقطني وزاد : " ولا يحل منهما حتى يحل منهما جميعا " .
3 - وروى مسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة " طوافك بالبيت ، وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك " . وذهب أبو حنيفة : إلى أنه لابد من طوافين وسعيين . والاول أولى لقوة أدلته .
4 - وفي الحديث : أن على التمتع والقارن هديا ، وأقله شاة ، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع إلى أهله والاولى أن يصوم الايام الثلاثة في العشر من ذي الحجة قبل يوم عرفة .
ومن العلماء من جوز صيامها من أول شوال . منهم : طاوس ، ومجاهد . ويرى ابن عمر رضي الله عنهما أن يصوم قبل يوم التروية ويوم التروية ، ويوم عرفة . فلولم يصمها ، أو يصم بعضه قبل العيد ، فله أن يصومها في أيام التشريق لقول عائشة وابن عمر رضي الله عنهما : لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن ، إلا لمن لا يجد الهدي . رواه البخاري
وإذا فاته صيام الايام الثلاثة في الحج ، لزمه قضاؤها .
وأما السبعة الايام .
فقيل : يصومها إذا رجع إلى وطنه . وقيل إذا رجع إلى رحله . وعلى الرأي الاخير يصح صومها في الطريق . هو مذهب مجاهد ، وعطاء . ولا يجب التتابع في صيام هذه الايام العشرة . وإذا نوى وأحرم شرع له أن يلبي .
32-التلبية (التلبية : من " لبيك " بمنزلة التهليل من " لا إله إلا الله)
حكمها : أجمع العلماء على : أن التلبية مشروعة .
فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يا آل محمد ، من حج منكم فليهل (" أي ليرفع صوته بالتلبية) في حجه " أو (أو ( للشك )) " حجته " رواه أحمد ، وابن حبان .
وقد اختلفوا في حكمها ، وفي وقتها ، وفي حكم من أخرها . فذهب الشافعي ، وأحمد : إلى أنها سنة ، وأنه يستحب اتصالها بالاحرام . فلو نوى النسك ولم يلب ، صح نسكه ، دون أن يلزمه شئ لان الاحرام عندهما ينعقد بمجرد النية . ويرى الاحناف : أن التلبية ، أو ما يقوم مقامها - مما هو في معناها كالتسبيح ، وسوق الهدي - شرط من شروط الاحرام ، فلو أحرم ، ولم يلب أو لم يسبح ، أو لم يسق الهدي فلا إحرام له . وهذا مبني : على أن الاحرام عندهم مركب من النية وعمل من أعمال الحج . فإذا نوى الاحرام وعمل عملا من أعمال النسك ، فسبح ، أو هلل ، أو ساق الهدي ولم يلب ، فإن إحرامه ينعقد ، ويلزمه بترك التلبية دم .
ومشهور مذهب مالك : انها واجبة ، يلزم يتركها أو ترك اتصالها بالاحرام مع الطول دم .
لفظها :
روى مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لبيك (( 1 ) قال الزمخشري : معنى لبيك : أي دواما على طاعتك ، وإقامة عليها مرة بعد أخرى ، من " لب " بالمكان ، و " ألب " . إذا أقام به .) اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد لك والنعمة لك والملك ، لا شريك لك "
قال نافع : وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يزيد فيها " لبيك ، لبيك ، لبيك وسعديك (( 2 ) وسعديك : أي إسعاد بعد إسعاد ، من المساعدة والموافقة على الشئ) والخير بيديك ، لبيك والرغباء (الرغباء " أي الطلب والمسألة . والمعنى الرغبة إلى من بيده الخير . وهو المقصود بالعمل ) إليك ، والعمل " ،
وقد استحب العلماء الاقتصار على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلفوا في الزيادة عليها . فذهب الجمهور : إلى أنه لا بأس بالزيادة عليها ، كما زاد ابن عمروكما زاد الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ولا يقول لهم شيئا ، رواه أبو داود ، والبيهقي . وكره مالك ، وأبو يوسف : الزيادة على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم .
33- فضلها :
1 - روى ابن ماجة عن جابر رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مامن محرم يضحي يومه (" أي يظل يومه ) يلبي حتى تغيب الشمس ، إلا غابت ذنوبه فعاد كما ولدته أمه " .
2 - وعن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " منا أهل مهل قط ، إلا بشر ، ولاكبر مكبر قط إلا بشر " . قيل : يا نبي الله : بالجنة ؟ قال : " نعم " . رواه الطبراني ،
.
3 - وعن سهل بن سعد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مسلم يلبي إلا لبي من عن يمينه وشماله ، من حجر ، أو شجر ، أو مدر (" أي الحصى) حتى تنقطع الارض من هاهنا وهاهنا " . رواه ابن ماجه ، والبيهقي ، والترمذي والحاكم ، وصححه .
34- استحباب الجهر بها :
1 - عن زيد بن خالد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " جاءني جبريل عليه السلام فقال : مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية ، فإنها من شعائر الحج " .: صحيح الاسناد .
2 - وعن أبي بكر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الحج أفضل ؟ فقال :
" العح (" رفع الصوت بالتلبية) والثج (نحر الهدي) " . رواه الترمذي ، وابن ماجه .
3 - وعن أبي حازم قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أحرموا ، لم يبلغوا الروحاء حتى تبح (تبح " أي تغلظ وتخش ) أصواتهم . وقد استحب الجمهور رفع الصوت بالتلبية ، لهذه الاحاديث : وقال مالك : لا يرفع ( الملبي ) الصوت في مسجد الجماعات بل يسمع نفسه ومن يليه ، إلا في مسجد منى والمسجد الحرام ، فإنه يرفع صوته فيهما . وهذا بالنسبة للرجال : أما المرأة فتسمع نفسها ومن يليها ، ويكره لها أن ترفع صوتها أكثر من ذلك .
وقال عطاء : يرفع الرجال أصواتهم . وأما المرأة فتسمع نفسها ، ولا ترفع صوتها .
المواطن التي تستحب التلبية فيها :
تستحب التلبية في مواطن : عند الركوب ، أو النزول ، وكلما علا شرفا (المكان المرتفع) أو هبط واديا (المكان المنخفض ) ، أو لفي ركبا ، وفي دبر كل صلاة ، وبالاسحار . قال الشافعي : ونحن نستحبها على كل حال .
35-وقتها :
يبدأ المحرم بالتلبية من وقت الاحرام ، إلى رمي جمرة العقبة يوم النحر ، باول حصاة ثم يقطعها . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة . رواه الجماعة .
وهذا مذهب الثوري ، والاحناف ، والشافعي وجمهور العلماء . وقال أحمد ، وإسحاق : يلبي حتى يرمي الجمرات جميعها ، ثم يقطعها . وقال مالك : يلبي حتى تزول الشمس من يوم عرفة ثم يقطعها . هذا بالنسبة للحج . وأما المعتمر فيلبي حتى يستلم الحجر الاسود . فعن ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر . رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ( 3 ) .
( 3 ) قال إذا أحرم من الميقات قطع التلبية بدخول الحرم . وإن أحرم من الجعرانة أو التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة
36- استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء بعدها
: عن القاسم بن محمد بن أبي بكر ، قال : يستحب للرجل - إذا فرغ من تلبينه - أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم . وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه ، واستعقه من الناس . رواه الطبراني وغيره .
37- ما يباح للمحرم .
1 ) الاغتسال وتغيير الرداء والازار : فعن إبراهيم النخعي قال : كان أصحابنا إذا أتوا بئرا ميمون اغتسلوا ، ولبسوا أحسن ثيابهم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : أنه دخل حمام الجحفة وهو محرم . قيل له : أتدخل الحمام وأنت محرم ؟ فقال : إن الله ما يعبأ (: أي لا يصنع) بأوساخنا شيئا .
وعن جابر رضي الله عنه قال : يغتسل المحرم ، ويغسل ثوبه . وعن عبد الله بن حنين : أن ابن عباس ، والمسور بن مخرمة اختلفا بالابواء (: اسم مكان) فقال ابن عباس : يغسل المحرم رأسه . وقال المسور :
لا يغسل المحرم رأسه ، قال : فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب الانصاري ، فوجدته يغتسل بين القرنين (" قرني البئر) ، وهو يستر بثوب ، فسلمت عليه ، فقال : من هذا ؟ فقلت : أنا عبد الله بن حنين . أرسلني اليك ابن عباس يسألك : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل ، وهو محرم ؟ قال :
فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه (: أي أزاله عن رأسه) حتى بدا لي رأسه ثم قال : الانسان يصب عليه الماء : أصبب ، فصب على رأسه ، ثم حرك رأسه بيده ، فأقبل بهما ، وأدبر فقال : هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل . رواه الجماعة ، إلا الترمذي . وزاد البخاري في رواية : فرجعت اليهما فأخبرتهما ،
فقال المسور لابن عباس : لا أماريك (" أي أجادلك) أبدا .
قال الشوكاني : والحديث يدل على جواز الاغتسال للمحرم ، وتغطية الرأس باليد حاله - أي حال الاغتسال . قال ابن المنذر : أجمعوا : على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة ، واختلفوا فيما عدا ذلك .
وروى مالك في الموطأ عن نافع : أن ابن عمر رضي الله عنهما كان لا يغسل رأسه وهو محرم ، إلا من الاحتلام . وروي عن مالك : أنه كره للمحرم أن يغطي رأسه في الماء . ويجوز استعمال الصابون وغيره من كل ما يزيل الاوساخ ، كالاشنان والسدر (: ورق النبق) والخطمي . وعند الشافعية والحنابلة ، يجوز أن يغتسل بصابون له رائحة ، وكذلك يجوز نقض الشعر وامتشاطه ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة فقال : " انقضي رأسك وامتشطي " . رواه مسلم .
قال النووي : نقض الشعر والامتشاط جائزان عندنا في الاحرام بحيث لا ينتف شعرا ، ولكن يكره الامتشاط إلا لعذر ، ولا بأس بحمل متاعه على رأسه . ( 2 )
( 2 ) " التبان " سروال قصير ، قال الحافظ : هذا رأي رأته عائشة ، والاكثرون على أنه لا فرق بين التبان والسراويل ، في منعه للمحرم .
38-لبس التبان :
وروى البخاري ، وسعيد بن منصور عن عائشة : أنها كانت لا ترى بالتبان بأسا للمحرم ( 2 )
39- ( 3 ) تغطية وجهه :
روى الشافعي ، وسعيد بن منصور ، عن القاسم ، قال : كان عثمان بن عفان ، وزيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم يخمرون (" أي يسترون ) وجوههم وهم محرمون . وعن طاوس : يغطي المحرم وجهه من غبار ، أو رماد . وعن مجاهد قال : كانوا إذا هاجت الريح غطوا وجوههم ، وهم محرمون .
40- ( 4 ) لبس الخفين للمرأة
: لما رواه أبو داود ، والشافعي عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان رخص للنساء في الخفين
41- ( 5 ) تغطية رأسه ناسيا
: قالت الشافعية : لا شئ على من غطى رأسه ناسيا ، أو لبس قميصه ناسيا . وقال عطاء : لاشئ عليه ، ويستغفر الله تعالى . وقالت الاحناف : عليه الفدية . وكذلك الخلاف فيما إذا تطيب ناسيا ، أو جاهلا . وقاعدة الشافعية : أن الجهل والنسيان ، عذر يمنع وجوب الفدية في كل محظور ، ما لم يكن إتلافا كالصيد ، وكذلك الحق والقلم (: أي قص الاظافر) ، على الاصح عندهم . وسيأتي ذلك في موضعه .
42-( 6 ) الحجامة ، وفق ء الدمل ، ونزع الضرس ، وقطع العرق :
قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم وسط رأسه (قال ابن تيمية : لا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر) وقال مالك : لا بأس للمحرم أن يفقأ الدمل ، ويربط الجرح ، ويقطع العرق إذا احتاج . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : المحرم ينزع ضرسه ، ويفقأ القرحة .
قال النووي : إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة ، فإن تضمنت قطع شعر فهي حرام ، لقطع الشعر ، وإن لم تتضمنه جازت عند الجمهور ، وكرهها مالك . وعن الحسن : فيها الفدية ، وإن لم يقطع شعرا . وإن كان لضرورة جاز قطع الشعر وتجب الفدية . وخص أهل الظاهر الفدية بشعر الرأس .
43- ( 7 ) حك الرأس والجسد
: فعن عائشة رضي الله عنها : أنها سئلت عن المحرم يحك جسده ؟ قالت : نعم ، فليحككه وليشدد . رواه البخاري ، ومسلم ، ومالك . وزاد : ولو ربطت يداي ولم أجد إلا رجلي لحككت . وروي مثل ذلك عن ابن عباس ، وجابر وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وإبراهيم النخعي .