عقيدة التجانيين في صلاة الفاتح
«القرآن كلام الله نزل به جبريل عليه السلام على محمَّدٍ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، المتعبَّد بتلاوته، منه بدأ وإليه ويعود، ليس بمخلوقٍ ولا يشبه كلام المخلوقين، وفضلُ القرآن على غيره من سائر الكلام كفضل الله على خلقه»، هذا هو المعتقد الذي كان عليه صحابة النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأجمع عليه أهل القرون المفضَّلة، بينما للتجانيين في كلام الله معتقَدٌ مبايِنٌ لِما عليه الحقُّ، فقد هَوَّنوا من القرآن وجعلوا لكلام شيخهم مرتبةً تفوق مرتبة كلام الله، وأعطوا قارئ وِرْدهم من الفضل ما لم ينله حافظ القرآن، حيث يعتقد كثيرٌ من التجانيين بأنَّ «صلاة الفاتح لِما أُغلق»(٤٤) أفضل من القرآن الكريم، وأنها من كلام الله.
جاء في جواهر المعاني: «..ثمَّ أمرني بالرجوع صلَّى الله عليه وسلَّم إلى صلاة «الفاتح لِما أُغلق»، فلمَّا أمرني بالرجوع إليها سألتُه صلَّى الله عليه وسلَّم عن فضلها، فأخبرني أوَّلاً بأنَّ المرَّة الواحدة منها تعدل من القرآن ستَّ مراتٍ، ثمَّ أخبرني ثانيًا أنَّ المرَّة الواحدة منها تعدل من كلِّ تسبيحٍ وقع في الكون ومن كلِّ ذكرٍ ومن كلِّ دعاءٍ كبيرٍ أو صغيرٍ ومن القرآن ستَّة آلاف مرَّةٍ لأنه من الأذكار»(٤٥).
وقال مؤلِّف «الدرَّة الخريدة»: «..واعتقاد المصلِّي بها أنها في صحيفةٍ من نورٍ أُنزلت بأقلام قدرةٍ إلهيةٍ وليست من تأليف زيدٍ ولا عمرٍو، بل هي من كلامه سبحانه، وأنها لم تكن من تأليف البكري، وفي «جع»(٤٦): والفضل الذي فيها لا يحصل إلاَّ بشرطين: الأوَّل: الإذن، الثاني: أن يعتقد الذاكر أنَّ هذه الصلاة من كلام الله تعالى كالأحاديث القدسية وليست من تأليف مؤلِّفٍ»(٤٧).
التعليق:
- تفضيل التجانيِّين صلاة الفاتح على القرآن من أبشع منكراتهم، وأقبح مساوئهم، فكيف يُعقل أن يكون كلامٌ لم يُرْوَ في كتابٍ من كتب الحديث ولا سندَ له ولو ضعيف، يساوي كلام من لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، سبحانك هذا بهتان عظيم!! وقد قال الله تعالى في محكم تَنْزِيله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، فمجرَّد الإتيان بمثل كلام الله من المستحيلات، فكيف بالإتيان بما هو أفضل منه بمرَّاتٍ!!
- هذا الاعتقاد المدوَّن في كتب القوم ومراجعهم -ولو حاولوا تأويله- صدٌّ عن كتاب الله تلاوةً وتدبُّرًا، فعملاً وتحاكمًا، فإنَّ من يعتقد أنَّ صلاة الفاتح التي لا تتجاوز ثلاثة أسطرٍ تعدل ستَّة آلاف ختمةٍ من القرآن سينصرف -لا محالة- عنه إلى كلماتٍ لا تتطلَّب منه وقتًا وجُهدًا، فيكون مستحقًّا للذمِّ الوارد في قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠].
- ادِّعاء التجاني أنه تلقَّى صلاة الفاتح من النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقظةً بعد الالتقاء به لقاءً حسِّيًّا مادِّيًّا: شطحةٌ صوفيةٌ سيأتي الردُّ عليها في بابها إن شاء الله.
وما يزيدها قبحًا وشناعةً اعتقاد التجانيِّين أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم خصَّ زعيمهم بفضل الوِرد المزعوم، قال: «ومن أخذ عنِّي الورد المعلوم الذي هو لازمٌ للطريقة، أو عمَّن أذنته يدخل الجنَّة هو ووالداه وأزواجه، وذرِّيَّاته المنفصلة عنه لا الحفدة بلا حسابٍ ولا عقابٍ، بشرط أن لا يصدر منهم سبٌّ ولا بغضٌ ولا عداوةٌ وبدوام محبَّة الشيخ بلا انقطاعٍ إلى الممات، وكذلك مداومة الورد إلى الممات»(٤٨).
وقال: «فلمَّا تأمَّلتُ هذه الصلاة وجدتُها لا تزنها عبادة جميع الجنِّ والإنس والملائكة»(٤٩).
- إذا كانت هذه الصلاة من كلام الله فكيف يصحُّ للتجاني أن يزيد فيها لفظ «سيِّدنا» ويزعم أنَّ الله يقول: «اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّد..» أفلا يدري أنَّ الرسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ليس سيِّدًا لله بل الله هو السيِّد، فعن مطرِّف بن عبد الله بن الشخِّير يحدِّث عن أبيه قال: «جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: أنت سيِّد قريشٍ، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «السَّيِّدُ اللهُ»، قال: أنت أفضلها فيها قولاً وأعظمها فيها طَوْلاً، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لِيَقُلْ أَحَدُكُمْ بِقَوْلِهِ، وَلا يَسْتَجِرُّهُ الشَّيْطَانُ»»(٥٠).
- كلام الله صفةٌ من صفاته، والكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، فكما أنَّ ذات الله لا يشبهها ذوات المخلوقين فإنَّ كلام الله لا يشبهه كلام المخلوقين، ومن اعتقد أنَّ كلام البشر ككلام الله فقد كفر، فكيف بمن فضَّل كلامهم على كلامه سبحانه.