الحجاب (1):الحجاب لباس كل الامم والشعوب واكدت عليه الحضارات والشرائع
التوراة والانجيل نصا على الحجاب وظل شائعا الى ما بعد المسيح عليه السلام
∎ د.
نوال اسعد شرار.
الحجاب في اللغة- الستر، والمنع، حجبه، اي منعه من الدخول.
والحجاب من اهم الامور الاجتماعية التي اكد عليها الاسلام، وقد وقف الاسلام من الحجاب موقفا منسجما مع واقع الحياة الانسانية ومع مواكبة التكامل والرقي الانساني الذي يهدف اليهما الاسلام.
والاسلام لم يخترع الحجاب، بل هو من العادات التي عاشتها امم الشرق والغرب وان كان يأخذ في كل امة وكل مجتمع صفة خاصة وشكلا معينا، وهو بلا شك من تعاليم الشرائع السالفة، ولم تذهب به الطوارئ والاحداث وطول المدة كما ذهبت بغيره من العادات نتيجة لمطابقته للفطرة التي فطر الله الناس عليها وموافقته للغيرة الطبيعية.
ان جذور الحجاب تمتد الى اعماق التاريخ الانساني الطويل وان اختلفت الدوافع من شعب الى شعب ومن جيل الى جيل، غير ان الاسلام اعطى الحجاب صورة اخرى صاغها على اساس قويم يلائم حياة الانسان، ورغم ان الحجاب موضوع من الاهمية بمكان في نظر الاسلام فإنه لم يدرس دراسة موضوعية يوازن فيها بين نظرة الاسلام وغيرها من النظريات بالنسبة الى ستر المرأة وعدم سترها من قبل العلماء والمفكرين المسلمين، مما لم يوضح فكرته امام من يشن على الاسلام الحملات العنيفة بسبب الحجاب.
تاريخ الحجاب من الاوهام الشائعة بين الغربيين ان حجاب النساء نظام وضعه الاسلام، فلم يكن له وجود في الجزيرة العربية ولا في غيرها قبل الاسلام، وكادت كلمة المرأة المحجبة عندهم ان تكون مرادفة للمرأة المسلمة، وهذا وهم من الاوهام الكثيرة التي تشاع عن الاسلام خاصة بين الاجانب، علما ان العلم ببطلانها لا يكلفهم طول البحث والمراجعة ولا يتطلب اكثر من قراءة الكتب الدينية التي يتداولونها واولها كتب العهد القديم وكتب الاناجيل، فمن يقرأ هذه الكتب يعلم ان حجاب المرأة كان معروفا بين العبرانيين من عهد ابراهيم عليه السلام وظل معروفا بينهم في ايام انبيائهم الى ما بعد ظهور المسيحية.
فقد اثبتت النصوص التاريخية ان الحجاب كان مفروضا في الاديان السابقة ومن ذلك ما روي ان شيخ الانبياء ابراهيم عليه السلام لما سافر الى مصر كانت معه زوجته سارة وكانت في منتهى الجمال فجعلها في صندوق خوفا من تطاول الانظار اليها، وذلك يدل على امرين الاول، ان الحجاب مفروض في شريعته، والثاني شدت غيرته وقد شهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «كان ابراهيم غيورا وانا اغير منه».
كما كان الحجاب واجبا في النصرانية الاولى ويظهر ذلك من رسالة (بولص) الى (طيطس) اذ يقول عن النساء: «بأن يكن متعقلات ملازمات بيوتهن صالحات خاضعات لرجالهن» كما كان واجبا عند اليهود كما جاء في التوراة الرائجة، وقد ثبت ذلك في مواضع عديدة من سفر التكوين اصحاح (42: 46-56) ورفعت برقعة عينيها فرأت الحق فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا؟ فقال العبد: هو سيدي فاخذت البرقع وتغطت» وفي اصحاح (74:3) في مقام تهديد المرأة بارتكابها العصيان: «اكشفي نقابك، شمري الذيل، اكشفي الساق، اعبري الانهار.
.
».
وكانت المرأة في الديانات السابقة تضع البرقع على وجهها حين تلقى الغرباء وتخلعه حين تنزوي في الدار، ولا حاجة الى التوسع في قراءة التاريخ لنعلم بأن نظام الحجاب سابق لظهور الاسلام لان الكتب الدينية التي يقرأها غير المسلمين قد ذكرت عن البراقع والعصائب ما لم يذكره القرآن الكريم ولم يكن البرقع مما ذكره القرآن الكريم فيما امر من الحجاب.
اما اذا بحثنا عن تاريخ الحجاب في غير الكتب الدينية السابقة فسنجدها مليئة باخبار الحجاب الذي كان يتخذ لستر العورة او للوقاية من السحر ويشترك فيه الرجال والنساء في بعض الاحيان، واخبار البرقع جزء من الاخبار المستفيضة عن حجاب العزلة في المنازل وخارجها في الطرقات والاسواق فقد كان اليونانيون ممن فرض العزلة على نسائهم، وكان الرومان يسنون القوانين التي تحرم على المرأة الظهور بالزينة في الطرقات قبل الميلاد بمائتي عام ومنها قانون عرف باسم (قانون اوبيا) يحرم على المرأة المغالاة بالزينة حتى في البيوت».
اما عند العرب، فالمعروف ان العرب امة حجابية عريقة في الحجاب فقد ورد في دائرة معارف- محمد فريد وجدي- نقلا عن دائرة معارف لاروس انها عدت العرب من الامم التي كانت عادة الحجاب متأصلة فيها منذ القدم وقالت: وهو الذي يتبادر الى الذهن في امة كان من رجالها من يتلثمون» ولقد كان العرب لشدة اهتمامهم بالحجاب اذا ارادوا السفر حملوا نساءهم في الهوادج ومدوا عليهن الخدور، ويفسر لنا مدى اهتمامهم بالحجاب وتشددهم في امره ما كانوا يتخذون للنساء من ملابس واقية ومتعددة تتكفل بالستر الكامل للمرأة وهي: الازار والقميص، وهما يستران المرأة من الرقبة الى اسفل الرجل، والدرع ويسمى: المقنعة، وهو ثوب قصير دون القميص، والخمار وهو يستر من المرأة الصدر والرأس، والقناع وهو اوسع من الخمار ويستر مواضع الزينة والملحفة والجلباب، وهما يستران من الرأس الى اسفل الرجل واشعار العرب التي تصور حياتهم وعاداتهم ناطقة بالحجاب فمن ذلك قول عمر بن ابي ربيعة: ولما تفاوضنا الحديث واسفرت وجوه زهاها الحسن ان تتقنعا وقال الحماسي: والقت قناعا دونه الشمس واتقتت بأحسن موصولين كف ومعصم حكم الحجاب في الشريعة الاسلامية الحجاب فرض على المرأة المسلمة البالغة العاقلة وقد فرض في السنة الخامسة للهجرة، ويقصد به ستر عورة المرأة وهي كل البدن ما عدا الوجه والكفين والقدمين وهو الرأي الراجح، فقد اثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: لاسماء بنت ابي بكر رضي الله عنها حين رآها في ثياب رقيقة: «يا اسماء: ان المرأة اذا بلغت المحيض لم يصلح لها ان يرى منها الا هذا واشار الى وجهه وكفيه» وهذه الصورة هي التي تقف فيها الانثى لاداء فريضة الصلاة بين يدي الله تعالى.
ويكون ستر العورة عادة باللباس المتعارف عليه والذي يختلف من بلد الى اخر، الا انه يجب ان يراعى فيه جملة شروط حتى يكون شرعيا، وهو ما نسميه اليوم «الزي الشرعي، وهذه الشروط وان شئنا قلنا هذه المواصفات هي: 1- ان يستوعب اللباس جميع بدن المرأة الا ما استثني من عورتها اي عدا الوجه والكفين والقدمين لقوله تعالى: «وليضربن بخمرهن على جيوبهن» وقوله: «يا ايها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن، ذلك ادنى ان يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما».
2- ان يكون اللباس واسعا فضفاضا حتى لا يصف شيئا من بدن المرأة ولا يحدد حجمه ولا يبرزه للناظرين، فقد جاء في الحديث الشريف عن اسامة بن زيد قال «كساني رسول الله صلى الله عليه وسلم قبطية كثيفة كانت مما اهدى له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك لا تلبس القبطية؟ فقلت: يا رسول الله كسوتها امرأتي، فقال: مرها ان تجعل تحتها غلاله فأني اخاف ان تصف حجم عظامها وعليه فإن اللباس الضيق محظور ولو كان كثيفا، لان كثافته لا تمنع من وصف حجم الاعضاء ما دام ضيقا خاصة اذا كان من طبيعته الليونة والانثناء على البدن.
3- ان يكون اللباس كثيفا غير شفاف، كما روي عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من اهل النار لم ارهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وان ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» وكذا حديث اسماء السابق وفيهما دلالة واضحة على تحريم لبس ما يشف ويصف لون بدن المرأة، وجاء في شرح كاسيات عاريات، «ان المرأة تستر بعض بدنها وتكشف بعضه الاخر، وقال اخرون: تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها، وقال ابن عبد البر رحمه الله: «اراد صلى الله عليه وسلم النساء اللواتي يلبسن من الثياب الشيء الخفيف، الذي يصف ولا يستر، فهن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة».
4- ان لا يكون لباس المرأة لباس شهرة، تقصد به صاحبته الترفع على الناس والاختيال عليهم والتمييز بحيث يجلب انتباه الناس وانظارهم اليها وتختال عليهم صاحبته بالعجب والتكبر، فقد روى ابو داود في سننه «عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لبس ثوب شهرة البسه الله يوم القيامة ثوبا مثله، ثم تلهب فيه النار» وفي رواية اخرى لابي داود «البسه الله ثوب مذلة» وقد تكون الشهرة باللباس النفيس او بالخسيس الرديء كما لو لبس الانسان ما يخالف ملبوس العامة من الفقراء ليعتقدوا فيه الزهد والصلاح.
وهذا لا يمنع ان تلبس المرأة اللباس الحسن الجميل ما دامت لا تقصد الشهرة والترفع على الناس فقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله: «من لبس جميل الثياب اظهارا لنعمة الله واستعانة على طاعة الله كان مأجورا».
5- ان لا يكون لباس المرأة شبيها بلباس الرجل، فقد وردت عدة احاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال بوجه عام، وبعضها جاء صريحا في اللباس ومنها: اخرج ابو داود عن ابي هريرة قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل» واخرج عن ابي مليكة قال: «قيل لعائشة رضي الله عنها: ان امرأة تلبس النعل، فقالت: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجلة من النساء».
فاذا توافرت هذه الصفعات يكون اللباس شرعيا، اما الحجاب الشرعي فلا يقتصر على اللباس بل لا بد من البعد عن المغالاة في الزينة الظاهرة والالتزام بالادب الاسلامي في الحديث والمعاملة.
ايات الحجاب: الايات الواردة في سورة النور: قال تعالى: «يا ايها الذين امنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على اهلها، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون» سورة النور، الاية 72.
«فإن لم تجدوا فيها احدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وان قيل لكم: ارجعوا فارجعوا هو ازكى لكم والله بما تعملون عليم» سورة النور، الاية 82.
«ليس عليكم جناح ان تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم بما تبدون وما تكتمون» سورة النور، الاية 92.
«قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم ان الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن الا لبعولتهن او ابائهن او اباء بعولتهن.
.
» سورة النور الاية 03/13.
واما الايات الواردة في سورة الاحزاب فهي: قال تعالى: «يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ان اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى.
.
» الاحزاب الآيتين 13/23.
«يا ايها الذين امنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا ان يؤذن لكم الى طعام غير ناظرين اناه ولكن اذا دعيتم فادخلوا فإذا اطعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ان ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم اطهر لقلوبكم وقلوبهن.
.
» سورة الاحزاب 35.
«يا ايها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ادنى ان يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما» الاحزاب الاية 95.
فقد ذكرت الايات الكريمة من سورة النور الامور التالية: 1- ضرورة الاستئذان فلا يجوز دخول بيوت الاخرين الا بعد الاستئذان وذلك لسببين الاول، فقد يكون اصحاب البيت على حالة من عدم الستر او الوضع لا يجوز رؤيتها، والسبب الثاني، وجود اسرار في كل بيت لا يرغبون اصحابه ان يطلع عليها احد.
2- جواز دخول الاماكن العامة ولو كانت ملكا للاخرين بشرط ان يكون فيها متاع للداخل اليها مثل المدارس والحوانيت والفنادق وامثالها.
3- وجوب غض النظر من الطرفين الذكر والانثى ووجوب ستر العورة عدا على الزوج او الزوجة والاقارب المحرمين.
4- لا يجوز للمرأة ان تبدي زينتها الباطنة للرجال الاجانب فيجب عليها ان تغطي وتستر صدرها وشعرها وساقيها وذراعيها، ويجوز ان تبدي زينتها الظاهرة كالملابس والكحل والخاتم وخضاب الكف، والسوار والوجه والكفين وذلك للاية الكريمة- الا ما ظهر منها- وهذه المواضع مما يبدو غالبا وقهرا عليها، فستر هذه المواضع يستدعي العسر والحرج وهما مرفوعان في الاسلام.
5- لا يجوز للمرأة في حياتها الاجتماعية ان تمارس الاساليب الملفتة للانظار لقوله تعالى: «ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن».
واما الايات الواردة في سورة الاحزاب فقد بينت الامور التالية: 1- لا يجوز للنساء بشكل عام ان يخضعن بالقول كي لا يطمع الذي في قلبه مرض وان لا يتبرجن بطريقة تلفت الانظار، بأن يخرجن من بيوتهن بهدف الاستعراض كما كانت تفعل نساء الجاهلية وان كان الخطاب في الاية موجه الى نساء النبي الا انه يشمل جميع النساء.
2- يجب على المرأة ان تغطي جميع بدنها وتتستر بالجلباب وهو الثوب الذي يستر جميع البدن حتى لا تتعرض للاذى.
ونخلص مما سبق الى النتائج التالية: 1- يجب على المرأة ان تستر جسدها ما عدا الوجه والكفين والقدمين.
2- يجوز للمرأة ان تبدي وجهها وكفيها للاجانب بطريقة لا تلفت النظر اليهن، كما ان عدم وجوب سترهم لا يعني جواز نظر الرجل اليها بل الواجب غض النظر من كلا الطرفين عن الاخر.
3- يجوز للنساء ان تشارك الرجال في النشاطات الحياتية والاجتماعية بشرط الحشمة وعدم التبذل.
__________________
|