رد: بين عصفور ضحا وعصفور الحكيم
(4)
وفي "عصفوران بين الشرق والغرب" لعبد الحميد ضحا 2013م نجد العصفور صار عصفورين ينتميان إلى الشرق والغرب معا، وهذا تطوير وانفتاح؛ فالعصفور مهما كان قويا فهو عصفور ضعيف لا سيما عندما تجتمع عليه الوحدة والغربة واتباع الهوى؛ مما يشير إلى أن ضحا قد قرأ "عصفور الشرق" وتفاعل معه، وجادله واختلف معه لاختلاف موقفه من الإسلام عن توفيق الحكيم فأنتج هذه الرواية ليقول ما كان ينبغي قوله، وليصحح أخطاء عصفور الشرق.
ثم نجد الغلاف يحمل نص الرواية على سطرين وملونا بلونين، الأول يحتوي كلمة "عصفور" بلون أزرق، ثم تأتي لاحقة التثنية "ران" باللون الأحمر تأكيدا للحوار الذي قام بين ضحا 2013م والحكيم 1938م، وأنه حوار اختلاف لا حوار اتفاق.
ثم نجد تصور الفنان المصور الذي لخص أحداث الرواية في صورة الغلاف قد أقام الشرق ممثلا بماض هو الأهرام والقلعة وحاضر هو برج الجزيرة ودائم هو نهر النيل، ونجد الغرب ممثلا بحاضر وماض ليس بعيدا هو برج إيفل. وهذا يبرز ثراء الشرق وغناه وفقر الغرب وجدبه على الرغم من أن برج إيفل أكبر من برج الجزيرة قليلا لئلا يغفل المصور الحاضر الذي يحتوي فيه الغرب الشرق ويسيطر عليه.
ثم نجد المصور قد مثّل نهاية الرواية في تخالف اتجاه العصفورين؛ فالعصفور الشرقي يتجه إلى الشرق والعصفور الغربي يتجه إلى الغرب كما كانت آخر كلمات مارتينا التي تسمت بعائشة. ونجد تأكيدا لواقع تحكم الغرب في الشرق في كون العصفور الغربي أعلى من العصفور الشرقي، وكون ذيل الشرقي أحمر رامزا إلى دماء التضحية وكون ذيل الغربي أخضر رامزا إلى نمو الإسلام في أوروبا؛ مما سيجعل الخير يأتي إليهم.
ثم نجد الإهداء يحمل في طياته براعة استهلال توحي بما ستجده في الرواية.
كيف؟
يقول الإهداء: "إلى كل عصفور يحلق في سماء الهدى؛ ليبذر السعادة في قلوب البشر، ويضيء لهم طريق الحق واليقين". هكذا يكون هذا العصفور عصفور مبدأ وعقيدة لا عصفور هوى وفن كما كان في "عصفور من الشرق"؛ لذا سيختلف المسلك على الرغم من التشابه الظاهري بين محسن عصفور 1938م ويوسف عصفور 2013م؛ فكلاهما ذهب إلى فرنسا، وكلاهما ارتبط بامرأة فرنسية، وكلاهما كان مختلفا مع أبيه الأول في نوع الدراسة والآخرفي سلوك الحياة.
وعندما تتأمل عصفور الشرق 1938م وعصفور 2013م تستحضر أن هناك فرقا كبيرا بين أن تحب إسلامك حبا ميتا أي من دون اهتمام يومي أو لحظي وبين أن تحبه حبا حيا أي باهتمام لحظي أو يومي؛ فالأول مثل الابن الذي يدعي حب والديه على الرغم من انشغاله الدائم بنفسه أو زوجه وولده عنهما، والآخر ينشغل بهما قبل انشغاله بزوجه وولده أو معهم. وتستحضر أيضا ذلك الجالس في غرفته محمكة الإغلاق وهو يرى الأشياء تحركها الرياح فيدرك عقلا أن هناك ريحا لكنه لا يستشعرها عكس من يوجد في الطريق ويعايشها.
وعندما تتأمل عصفور 1938م تستحضر أن ليس علمانيو مصر أولئك الذين يظهرون في وسائل الإعلام متدرجين من فصل الدين عن السياسة والاقتصاد إلى السخرية من الدين مما يقربهم من الرِّدَّة، بل إن عموم الشعب علماني بالتربية واكتساب العرف العلماني الذي يفصل الدين عن الحياة نتيجة اختيار الحكام بدءا من "محمد علي" حصر الإسلام في العبادات فقط. كيف؟ كان الناس قديما يسوسهم علماء الأزهر، فكان الدين فاعلا في عرف الناس وعاداتهم. وبعد أن نقل "محمد علي" التأثير من الأزهر إلى التعليم الذي استحدثه بدأت عادات جديدة تتكون من أعراف غربية، وبدأت هذه الأعراف التي تفصل الدين عن الحياة تدخل حياة الناس. كيف؟ ذلك الأب الذي ينهي صلاته ليضرب ابنته لأنها ارتدت الحجاب أو النقاب علماني من علمانيي السلوك. لماذا؟ لأنه رأى والدته وزوجته ترتدي الملابس العادية، ففصل بين اللباس والدين في عرفه وعاداته. ثم مَنْ؟ ذلك الحاج المصلي الذي يفزع في خصوماته إلى مجالس عرفية تحكم بالعرف، ويرفض أن يحكم شيخ بحكم الشرع- علماني من علمانيي السلوك.
وسيؤدي ذلك الاختلاف بين الروائيين في الفكر إلى اختلاف البناء الفني.
كيف؟
إن عصفور 1938م كان عصفور أدب وهوى وفن؛ لذا كان بناؤه الفني بناء ذكريات لا أحداث؛ لذا جاء الفصلان
الأخيران التاسع عشر والعشرون من ص 168 إلى ص192 ذكرا لآراء إيفانوفتش الروسي عن أوروبا وآسيا وإفريقيا
وكيف أن أوروبا ابنة آسيا وأفريقيا قد عقتهما، ورغبته في السفر إلى الشرق لرداءة اوروبا، وظلت هذه الصفحات الكثيرة خالية من الأحداث الحقيقية.
أما "عصفوران بين الشرق والغرب" فالأحداث تبدأ فيها منذ المقطع الأول ص5، فتعرفنا يوسف العصفور الشرقي ومارتينا العصفور الغربي- تعريفا يوهمنا بأن خط السير سيكون هو خط سير عصفور 1938م حيث الهوى، ثم تبدأ الأحداث من ص10 تشير إلى أن اختلافا سيحدث؛ فقد ذكرت مارتينا ما سبق أن ذكره إيفانوفتش في عصفور الحكيم فلخصت الفصلين الأخيرين في معاناتها في صفحات كان آخرها ص 11 حيث هذا الجزء من الحوار:
"مارتينا: لقد ذهبت لكثير من الأطباء النفسيين وآباء الكنيسة فزادوني رهقا على رهقي.
يوسف: وما الذي عندي وليس عندهم؟
مارتينا: أنت لديك الأمل الأخير الذي لو لم أجده عندك فسأنتحر بلا تردد!
يتعجب يوسف: أنا؟ وما هذا الأمل؟
مارتينا: الإسلام".
هكذا نجد إنسان أوروبا قد ذهبت به المعاناة كل مذهب، ولم يعد يجد إلا الإسلام نجاة. هنا صرح بالإسلام، أما في عصفور الحكيم فقد كان الشرق فقط.
ثم تحكي مارتينا قصتها المتوقعة من تفكك أسرة ومعاناة، وعدم رضى بالكنيسة التي تزيدها حيرة، ثم رحلتها في القراءة عن الإسلام. ثم يلتقط يوسف الكلام فيحكي سبب سفره إلى فرنسا المتمثل في سيطرة الفاسدين على أبيه، وانغماس أبيه في الحرام، وكيف كانت البداية مع تملك أراضي الدولة بما هو معروف من فساد إداري.
إذا، العصفوران هنا مهمومان لكن ليس بسبب الهوى الساقط البهيمي، إنما هما مهمومان بالنقاء والصفاء الذي يدفعهما إليه فساد الواقع حولهما هنا وهناك الذي جعل إنجلينا صديقة مارتينا تتزوج حمارا لا لشيء إلا للنفور من غدر بني الإنسان، وجعل حسن المصري المهاجر يترك أسرته بسبب والد يوسف ونظرائه ممن يسمون رجال الأعمال.
واستعان يوسف بحسن لمعرفة المركز الإسلامي الذي سيمد مارتينا بما يروي غلتها، وذهبت، واستقبلتها فرنسية مسلمة تسمت بـ"فاطمة" صارت فيما بعد الصديقة والمرشدة. ثم برزت كاميليا وبطرس، وجرت المناظرة في ندوة "أوقفوا أسلمة أوروبا" التي تحول يوسف بسببها إلى مسلم داعية لدينه بسمته وعلمه وسلوكه. وتنذر مارتينا نفسها للإسلام بعد إسلامها وتسميها بـ"عائشة"، ويعود يوسف إلى مصر على وعد بقدوم عائشة للزواج، وتأتي عائشة لكن مجتمع المسلمين في مصر الذي يعيش الانتماء الاسمي إلى الإسلام وتصرفه وسمته وسلوكه يصادم حقائقه كما فعلت "حسنية" تلك الشيوعية التي تحارب الإسلام في ديار الإسلام- يصدمها فتتركه عائدة إلى فرنسا، ولا يجدي معها محاولات يوسف بالزواج والعمل معا للإسلام.
وتصف عصفورة الغرب 2013م عصفور الشرق ص184عندما تتحدث عن تلك النسوة اللاتي جالسنها ولم يعجبهن حماستها للإسلام:"إنهن يردن إفهامي أن الإسلام الحقيقي هو ما يفعلن من ملابس فاضحة وخمور وترك الصلاة وباقي شعائر الإسلام، وأن غير ذلك هو إسلام متشدد".
وهذا ما يدل عليه تصور وسلوك "عصفور الشرق" الذي لا يرى فرقا بين الكنيسة والمسجد والمسرح، ولا يرى في عبادته السيدة زينب خروجا عن الإسلام، و... إلخ.
وتختتم الرواية بهذه الحوارية ص85-86 بعد أن صارت مارتنيا عائشة:
عائشة: إن الدعوة إلى الإسلام بالنسبة لي كالماء بالنسبة للسمك.
....
عائشة: إذن، فليحلق كل منا في بلاده ومجتمعه حيث يعرفه جيدا، أنت هنا في الشرق الذي يحتاج إليك، وأنا هناك في بلادي الحبيبة، ولو اجتهدنا فلربما جمعنا الشرق والغرب يوما ما، وعسى أن يكون قريبا".
هذا هو فعل المسلم الذي يعمل لدينه؛ فهو ليس كذلك الجالس في شرفة بيته يتابع شجارا بين من لا يعنيه أمرهم؛ فهو يتأسف ويبدي حزنا مصطنعا سيختلف حتما عن حزن ذلك الأب الذي له ابن داخل هذا الشجار؛ مما سيضطره إلى النزول إلى الطريق مهما كانت العواقب. لماذا؟ لأن الأمر يعنيه حقا.
|