
06-05-2013, 02:32 PM
|
 |
مشرفة ملتقى السيرة وعلوم الحديث
|
|
تاريخ التسجيل: Apr 2006
مكان الإقامة: العراق / الموصل
الجنس :
المشاركات: 2,056
|
|
رد: شرح الحديث التاسع والعشرون
ثم قال: "أَلاَ أُخبِرُكَ بِرَأَسِ الأَمرِ،وَعَمودِهِ،وذِروَةِ سِنَامِهِ" وهذا مثل الذي قبله، فالاستفهام فيه تنبيه المخاطب إلى الاستعداد والتهيؤ لما سيلقى عليه .قُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: رَأَسُ الأَمرِ الإِسلام " الأمر: هو الدين الذي جاء به r وهو الشأن، وهو أعظم الشئون،والذي من أجله خُلِقَ، رأسه الإسلام ، أي أن يسلم لله تعالى ظاهراً وباطناً بقلبه وجوارحه.رأس الأمر الإسلام لأن الجسم بلا رأس لا قيمة له، فهو جثة هامدة، وكذلك كل الأعمال بدون الإسلام وإعلان الشهادتين لا قيمة لها . وعموده الصلاة) يؤكد rعلى أمر الصلاة ثلاث مرات، الأولى عند قوله: (تقيم الصلاة)، والثانية عند قوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) أي: من النوافل.
والثالثة: )وعموده الصلاة) .ولذا جاء في الحديث (إن أولَ ما يحاسبُ به العبدُ بصلاتِه، فإن صَلَحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدتْ فقد خاب وخسِرَ.) (19).وليس هنا تعارض بين هذا الحديث وحديث: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء)(20) فأول ما يسأل عنه العبد من حقوق الله عليه الصلاة، وأول ما يسأل عنه من حقوق الخلق الدماء، وهذا إن لم يقض فيها في الدنيا. يدلنا على عظم شأن الصلاة لأنها عمود الإسلام، ومعلوم أن الأعمدة يقوم عليها البنيان، وتقوم عليها الخيام، وإذا نُزع عمود الخيمة سقطت على الأرض، وإذا كُسرت أعمدة البنيان هبطت العمارة المكونة من طوابق كثيرة بعضها على بعض . ثم قال: (وذروة سنامه الجهاد)، السَّنام: هو أعلى الشيء، وسنام البعير: أعلاه، والذروة: أعلى السنام ، وأطلق على الجهاد أنه ذروة سنام الإسلام لأن فيه علو الإسلام وظهوره وقوة المسلمين وتفوقهم على الكفار وغلبتهم لهم.ويكون ظهور الإسلام وقوته وتفوق المسلمين على أعدائهم الكافرين بقوة الإيمان وقوة اليقين. وقوله: "الجهاد" يعني في سبيل الله عزّ وجل والجهاد في سبيل الله بينه النبي r أتم بيان، فقد سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "مَن قَاتَلَ لِتَكونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُليَا فَهوَ في سَبيلِ اللهِ"(21) فهو لم يجب عن الثلاثة التي سئل عنها بل ذكر عبارة عامة،فقال:"مَن قَاتَلَ لِتَكونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُليَا فَهوَ في سَبيلِ اللهِ" ولا يحصل جهاد الأعداء إلا إذا حصلت مجاهدة النفس، فالمسلم إذا لم يجاهد نفسه فإنه لا يستطيع أن يجاهد غيره، وجهاد النفس هو أهم شيء لأن الإنسان إذا لم يكن عنده قوة إيمان ومجاهدة للنفس لا يكون عنده صبر، ولا يكون عنده جَلَد، ولا تكون عنده رغبة، ولا يكون عنده حرص على مجاهدة الكفار، فمجاهدة النفس هي الأساس الذي تقوم عليه قوة المجاهدين والمقاتلين للكفار، ولهذا تفوق أصحاب رسول الله r وسلف هذه الأمة على أعدائهم مع قلة عدد المسلمين وقلة عتادهم وكثرة أعداد الكفار وكثرة عتادهم بقوة الإيمان وقوة البصيرة وقوة الدين، هذا هو الذي مكنهم من التغلب على أعدائهم، فإن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، وذلك بقوة الإيمان وقوة اليقين، فالجهاد أولاً جهاد النفس، ثم جهاد المنافقين وجهاد الكفار، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73 ثم قال: "أَلاَ أُخبِرُكَ بِمَلاك ذَلكَ كُله" ملاك الأمر: هو جماع الأمر، ملاك ذلك وامتلاك ذلك: هو الشيء الذي يجمع أطراف الشيء وما يملك أطرافه وصلبه وحواشيه، كأنه يقول: ما تمتلك به كل ما تقدم.ملاك الشيء ما يُملك به، والمعنى ما تملك به كل هذا ، قُلتُ:بَلَى يَا رَسُول الله، قَالَ: فَأَخذ بِلِسانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَليكَ هَذا" أخذ النبي r بلسان نفسه وقال: "كُفَّ عَليكَ هَذا" أي لاتطلقه في القيل والقال، كما في قوله: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيرَاً أَو ليَصمُت" (22) فلا تتكلم إلا بخير،وهذا يبين لنا خطورة شأن اللسان، وأن أمره خطير، وأنه ليس بالأمر الهيّن، بل شأنه خطير، وأنه هو الذي يوقع الإنسان في المهالك ، ولهذا لما قال النبي r ذلك لـمعاذ قال له معاذ : وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (ثكلتك أمك يا معاذ ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم-) وهو شك من الراوي في كونه ذكر الوجوه أو المناخر- : (إلا حصائد ألسنتهم).يعني: جزاء وعقوبة ما يحصل من الألسنة من الكلام السيء في هذه الحياة الدنيا، فهذا هو الذي يوصلهم إلى النار، وهو الذي يوقعهم فيها، لأن الناس في هذه الحياة الدنيا يزرعون، فالحياة الدنيا هي دار الزرع ودار العمل، والآخرة دار الحصاد، فالناس يحصدون ويحصلون أجر ما قدموا، إن قدموا خيراً وجدوه، وإن قدموا شراً وجدوه، كما قال الله عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، وجاء في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)(23) وفي الحديث المتفق على صحته: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)(24) والذي بين اللحيين هو اللسان والذي بين الرجلين هو الفرج. قُلتُ: يَا نَبيَّ الله وَإِنَّا لَمؤاخِذونَ بِما نَتَكَلّم بِه" أي: بالصغير والكبير!! الجملة خبرية لكنها استفهامية والمعنى:أإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني أن معاذاً رضي الله عنه تعجب كيف يؤاخذ الإنسان بما يتكلم به، فقال النبي r حثاً على أن يفهم: "ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذ" الثكل هو: إذهاب الأولاد حتى لم يبق إلا واحد أي فقدتك، وهذه الكلمة يقولها العرب للإغراء والحث،ولا يقصدون بها المعنى الظاهر، وهو أن تفقده أمه، لكن المقصود بها الحث والإغراء ، (ثكلتك أمك يا معاذ) يعني: فقدتك حتى صارت ثكلى! وليس الدعاء مُراداً هنا، وإنما المراد هو الاهتمام بما يخاطب به، بل إنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنّه سأل ربه أن يجعل كل دعوة دعا بها على أحد ليس أهلاً لها طُهراً وزكاءً وقربة من الله عز وجل لذلك المدعو عليه، فتكون الصيغة دعاءً عليه وهي دعاءٌ له. فقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أمه أم سليم رضي الله تعالى عنها كان لها يتيمة، فأرسلتها إلى النبي r في حاجة، وكان النبي r رآها وهي صغيرة جداً ثم رآها قد كبرت، فقال: أنت هي كبرت، لا كبرت سنك ،فرجعتتلك اليتيمة تبكي، فلما جاءت إلى أم سليم تبكي قالت: إن الرسول دعا علي وقال: كذا وكذا، فجاءت أم سليم مسرعة إلى رسول الله r فقال: (ما لك يا أم سليم ، قالت: إنك دعوت على يتيمتي ،فقال: أما علمت -يا أم سليم - أنني اشترطت على ربي أن كل من دعوت عليه دعوة ليس هو لها بأهل أن يجعل الله له زكاءً وطُهراً)(25) وروى ابن عباس أن النبي r أرسله إلى معاوية فرجع فأخبره أنه وجده يأكل، ثم أمره أن يذهب مرة أخرى، فرجع فأخبره أنه وجده يأكل، فقال r : (لا أشبع الله بطنك) (26) فصار دعاء له بناءً على ذلك الحديث الذي رواه أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فصار منقبة لـمعاوية وفضلاً له، وليس فيه ذم لـمعاوية كما يحرص على ذكره من يعادون أصحاب رسول الله r ويزعمون أن هذا من مثالبه، وأنه دعاء عليه.والله تعالى أعلى وأعلم. وقال بعض العلماء: إن هذه الجملة على تقدير شرط والمعنى:ثكلتك أمك يا معاذ إن لم تكف لسانك، ولكن المعنى الأول أوضح وأظهر، وأنها تدل على الإغراء والحث ، ولهذا خاطبه بالنداء فقال : يا معاذ. وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النارِ عَلى وجُوهِهم، أَو قَالَ: عَلَى منَاخِرهِم" هذا شك من الراوي "إِلا حَصائدُ أَلسِنَتِهم" أي ما يحصدون بألسنتهم من الأقوال (حصائد ألسنتهم)، لم يقل: حصاد، بل: حصائد، كأن اللسان يزرع أنواعاً، ومن زرع الشوك يجني شوكاً، ومن زرع الورد يجني ورداً وفلاً.ومن زرع الخير يجده، ومن زرع غير ذلك يجد ما زرع، لا ظلم اليوم.إذاً: الكلمة هي من أخطر ما يكون، ولا يمكن أن يوفي إنسان حصاد اللسان في لحظات، ولكن لنعلم أن أخطر حصاد اللسان الصدق والكذب، (وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)(27) والكذاب مآله إلى النار.
|