يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"> أخرجه الإمام
أي: أن المعاصي قد تغريك، ولكن العاقل هو من يملك زمام نفسه، ويقدر العواقب البعيدة، ولا ينظر إلى اللذة العارضة الوقتية؛ إلا إذا نظر معها إلى الغاية التي توصله إليها تلك اللذة؛ لأن شيئاً قد تستلذ به لحظة قد تشقى به زمناً طويلاً.
ولذلك قلنا: إن الذي يسرف على نفسه غافل عن ثواب الطاعة وعن عذاب العقوبة، ولو استحضر الثواب على الطاعة، والعذاب على المعصية؛ لامتنع عن الإسراف عن نفسه.
<ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"> متفق عليه .أخرجه البخارى
إذن: فلحظة ارتكاب المعصية نجد الإنسان وهو يستر إيمانه؛ ولا يضع في باله أنه قد يموت قبل أن يتوب عن معصيته، أو قبل أن يكفر عنها. ويخطئ الإنسان في حساب عمره؛ لأن أحداً لا يعلم ميعاد أجله؛ أو الوقت الذي يفصل بينه وبين حساب المولى ـ عز وجل ـ له على المعاصي.
<وكل منا مطالب بأن يضع في حسبانه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "الموت القيامة، فمن مات فقد قامت قيامته"> ذكره العجلونى فى كشف الخفاء عن انس بن مالك رضى الله عنه وتمامه"اكثروا ذكر الموت فانكم ان ذكرتموه فى غنى كدره عليكم وان ذكرتموه فى ضيق وسعه عليكم"الحديث
<ولنا أسوة طيبة في عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وهو الخليفة الثالث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته، فسئل عن ذلك؛ وقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفت على قبر؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد"> أخرجه احمد فى مسنده وابن ماجه فى سننه والترمذى فى سننه وقال "حديث حسن غريب من حديث عثمان بن عفان رضى الله عنه
لذلك فلا يستبعد أحد ميعاد لقائه بالموت. وتستمر الآية:
.... إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)
(سورة يوسف)
ونعلم أن هناك ما يشفي من الداء، وهناك ما يحصن الإنسان، ويعطيه مناعة أن يصيبه الداء، والحق سبحانه غفور، بمعنى أنه يغفر الذنوب، ويمحوها، والحق سبحانه رحيم، بمعنى أنه يمنح الإنسان مناعة، فلا يصيبه الداء، فلا يقع في زلة أخرى. والحق سبحانه هو القائل:
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ .... (82)
(سورة الإسراء)
فساعة تسمع القرآن فهو يشفيك من الداء الذي تعاني منه نفسياً ويقوي قدرتك على مقاومة الداء؛ ويفجر طاقات الشفاء الكامنة في أعماقك. وهو رحمة لك حين تتخذه منهجاً، وتطبقه في حياتك؛ فيمنحك مناعة تحميك من المرض، فهو طب علاجي وطب وقائي في آنٍ واحد.