عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 15-03-2013, 11:18 PM
الصورة الرمزية ام ايمن
ام ايمن ام ايمن غير متصل
مشرفة ملتقى السيرة وعلوم الحديث
 
تاريخ التسجيل: Apr 2006
مكان الإقامة: العراق / الموصل
الجنس :
المشاركات: 2,056
افتراضي رد: الحديث الثامن والعشرون / ألأربعين النووية

"وَإيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمور" لما حث على التمسك بالسنة حذر من البدعة. "إياكم" تحذير ونهي، ومن الصيغ التي يفهم منها النهي أو يعبر بها عن النهي صيغة إياك، وكذا كما قرره علماء الأصول، فقوله: وإياكم ومحدثات الأمور هذا في معنى قوله: لا تقربوا أو لا تأتوا محدثات الأمور، فهو نهي عن محدثات الأمور. أي اجتنبوها،والمراد بالأمور هنا الشؤون، والمراد بالشؤون شؤون الدين،لا المحدثات في أمور الدنيا،لأن المحدثات في أمور الدنيا منها ما هو نافع فهو خير،ومنها ما هو ضار فهو شر،لكن المحدثات في أمور الدين كلها شر، ولهذا قال: "فَإِنَّ كُلَّ مُحدَثَةٍ بِدعَة" لأنها ابتدعت وأنشئت من جديد.
والمحدثات جمع محدثة، وهي: كل ما أحدث بعده -عليه الصلاة والسلام- وهذه المحدثات التي أحدثت على قسمين: منها محدثات من قبيل المصالح المرسلة فهذه لا تدخل في المحدثات المذمومة لأنها محدثة لغة، ولكنها ليست بمحدثة شرعا لأن لها الدليل في الشرع الذي دل على اعتبارها، وهو كونها من المصالح المرسلة.
والقسم الثاني: المحدثات التي هي في الدين هي البدع. "كُل بِدعَةٍ ضَلالَة" أي كل بدعة في دين الله عزّ وجل فهي ضلالة.وهذا لفظ عام يشمل البدع كلها التي أحدثت في الدين لأنها مخالفة لما كان عليه رسول الله r وأصحابه, ولا يستثنى من ذلك شيء، ولا يقال: إن في الإسلام بدعة حسنة، فالرسول r يقول: (كل بدعة ضلالة) وقد ثبت أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة. وجاء عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال: من زعم أن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا[المائدة:3]، ثم قال: ما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون اليوم ديناً.
جاء عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه جاء إلى أناس متحلقين في المسجد وفي أيديهم حصى وفيهم شخص يقول: هللوا مائة، كبروا مائة، سبحوا مائة، احمدوا مائة.فيعدون بالحصى, فوقف على رءوسهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود فقال: إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب رسول الله r أو أنكم مستفتحو باب ضلالة.أي: هذا ما كان الصحابة يعرفونه, وما كان هذا من هدي الصحابة، وما كان من عمل الصحابة، فأنتم بين واحدة من اثنتين: إما أنكم أحسن من الصحابة، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة.فهموا أن الأولى منتفية، ولا يمكن أن يكونوا أحسن من الصحابة، ولا يمكن أن يكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول r وإنما بقيت الثانية، وهي أنهم مفتتحو باب ضلالة, فقالوا: سبحان الله يا أبا عبد الرحمن ! ما أردنا إلا الخير.قال: وكم من مريد للخير لم يصبه. فليست القضية في كون الإنسان يقول: أنا قصدي طيب وأنا قصدي حسن، وما دام قصدي طيباً حسناً فليس هناك بأس ولو كان الذي أعمله ما جاء عن الرسول r.فلابد أن يعبد الله وفقاً لما جاء عن رسول الله r وهذا هو معنى شهادة أن محمداً رسول الله لأن شهادة أن محمداً رسول الله معناها طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع, ولا يعبد بالبدع والمحدثات والمنكرات التي ما أنزل الله بها من سلطان, وإنما يعبد بالسنن وبما جاء في الكتاب والسنة، فشريعة الله عز وجل كاملة لا نقص فيها, ولا تحتاج إلى إضافات، ولا تحتاج إلى بدع محدثة.
من فوائد هذا الحديث : 1- مشروعيـــة الموعظـــة . والموعظة فيها مباحث :
أولاً : مشروعيتها :لقوله تعالى } وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً { .وقوله تعالى } ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظــة الحسنــة { .
وعن جابر قال ( شهدت مع رسول الله e العيد ، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، ثم قام متوكئاً على بلال ، فأمر بتقوى الله ، وأمر بطاعته ، ووعظ الناس وذكرهــم ) متفق عليه .
ثانياً : أن لا يديم الموعظة بل يتخولهم .
ثالثاً : أن لا يطيل في الموعظة .قال e ( إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ) رواه مسلم .
وعند أبي داود ( كان رسول الله e لا يطيل الموعظــة يوم الجمعة ، إنما هي كلمات يسيرات ) .مئنة : دليل وعلامة .
رابعاً : أن تكون بليغــة .لقوله في الحديث ( وعظنا موعظة بليغــة .. ) .
قال ابن رجب : والبلاغة هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة ، واتصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها وأفصحها وأحلاها للأسماع وأوقعها في القلوب .
2- أنه ينبغي للواعظ أن تكون موعظته مؤثرة باختيار الألفاظ الجزلة المثيرة،وهذا على حسب الموضوع،فإن كان يريد أن يعظ الناس لمشاركة في جهاد أو نحوه فالموعظة تكون حماسية،وإن كان لعمل الآخرة فإن الموعظة تكون مرققة للقلوب.
3- أن من صفات المؤمنين عند سماع المواعظ ، البكاء والخوف والدليل تأثر الصحابة بالموعظة وشدة خوفهم من الله.
قال ابن رجب رحمه الله : ” هذان الوصفان بهما مدح الله المؤمنين عند سماع الذكر “ . كما قال تعالى } إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهــم وإذا تليت عليهم آياتــه زادتهم إيماناً { . وقال سبحانه } ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق { .
وقال تعالى } وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرســــــول ترى أعينهــم تفيض من الدمــع مما عرفـــوا من الحق { .
4- فيه بيان لعلاقة القلب مع الجوارح فمتى تأثر القلب وخاف وخشع تأثرت العيون فذرفت وبكت من خشية الله وإذا كان قاسياً، نسأل الله عزّ وجل أن يبعدنا وإياكم من قسوة القلب،لم تدمع العين.. 5- فضل البكاء من خشية الله . وللبكاء من خشية الله فضائل :
أولاً : سبب للنجاة من النار .قال e ( لن يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ) رواه الترمذي .
وقال e ( عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية الله ، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) رواه الترمذي .
ثانياً : البكاء مع الذكر سبب لإظلال الله للعبد .قال e ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : .. ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) متفق عليه .
ثالثاً : أن البكاء من خشية الله سمة من سمات الصحابة .كما في حديث أنس قال : قال رسول الله e ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ، قال : فغطى أصحاب رسول الله e وجوههم ولهم خنين ) متفق عليه .
أمثلة على بكاء الصحابة :
ثبت في ترجمة عمر بن الخطاب أنه كان في وجهه خطان أسودان .
وكان عثمان إذا وقف على قبر يبكي حتى تبتل لحيته من البكاء .
ثبت عن ابن عمر أنه ما قرأ قول الله } ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله { إلا بكى حتى يغلبـــه البكاء 6- فقه الصحابي العرباض بن سارية رضي الله عنه حيث قدم قوله " وجلت منها القلوب " على قوله "ذرفت منها العيون" لأن القلب هو الأصل.
7- البكاء في مجالس الوعظ والذكر إذا غلب على الإنسان لا يكون رياءً، كما بكى الصحابة رضي الله عنهم في حديث الباب.
8- أن وصية المودع غالباً تكون بليغة مؤثرة،لأن المودع لن يبقى عند قومه حتى يكرر عليهم الموعظة فيأتي بموعظة مؤثرة يُذَكر بها بعد ذلك لقولهم: "كَأَنَّهَا مَوعِظَةُ موَدِِّعٍ" .
قال ابن رجب رحمه الله : ” فإن المودِّع يستقصي ما لم يستقص غيره في القول والفعل ، ولذلك أمر النبي e أن يصلي صلاة مودع ، لأنه من استشعر أنه مودِع بصلاته أتقنها على أكمل وجوهها .
9- طلب الإنسان من العالم أن يوصيه،لقولهم رضي الله عنهم "فَأَوصِنَا". 10 فضيلة التقوى حيث كانت أهم وأولى وأول ما يوصى به العبد تقوى الله عزّ وجل لقوله: "أُوصيكُم بِتَقوَى الله". لأنه هي سبب سعادة الدنيا والآخرة . وقال e لمعاذ ( اتق الله حيثما كنت ).
11- وصية النبي r بالسمع والطاعة لولاة الأمور،والسمع والطاعة لهم واجب بالكتاب والسنة،قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )(النساء: الآية59) فجعل طاعة أولي الأمر في المرتبة الثالثة ولكنه لم يأت بالفعل (أطيعوا ) لأن طاعة ولاة الأمور تابعة لطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولهذا لو أمر ولاة الأمور بمعصية الله عزّ وجل فلا سمع ولا طاعة.
وقال e ( من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصا أميري فقد عصاني ) رواه البخاري .
وعن أبي ذر قال ( إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف ) متفق عليه .
وفي الصحيحين قال e ( على المرء المسلم السمع والطاعــة فيما أحب وكره ، إلا أن يؤمر بمعصيــة ، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعــة ) .
وقال e ( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر ، فإنه من فارق الجماعــة شبراً فمات ، فميتــة جاهليــة ) .
قال شارح الطحاوية : ” أما لزوم طاعتهم وإن جاروا ، فلأنــه يترتب على الخروج عن طاعتهم من المفاســـد أضعاف ما يحصل من جورهــم ، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ، ومضاعفة الأجور ، فإن الله تعالى ما سلطهــم علينا إلا لفساد أعمالنا ، والجزاء من جنس العمل “ .
وقال ابن رجب : ” وأما الســمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ، ففيها سعادة الدنيا ، وبها تنتظــم مصالح العباد في معاشهم ، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم “
12- ثبوت إمرة العبد،لقوله: "وَإِن تَأَمرَ عَلَيكُم عَبدٌ". 13- ظهور آية من آيات النبي r في قوله: "فَإِنَّهُ مَن يَعِش مِنكُم. حيث وقع ما أخبر به من الاختلاف والفرقــة .وهذا مصداق لقوله e ( ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ) رواه أبو داود .
14-وجوب التمسك بسنة النبي r عند الاختلاف، لقوله: "فَعَلَيكُم بِسنَّتي" والتمسك بها واجب في كل حال لكن يتأكد عند وجود الاختلاف.وعدم الإنتماء الى الأحزاب الظاهرة.
15- أن للخلفاء الراشدين سنة متبعــة .لقوله ( وسنة الخلفاء الراشدين ) .ولقوله e أيضاً ( اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ) رواه الترمذي . وعلى هذا فما سنه الخلفاء الراشدون أُعتبر سنة للرسول r بإقراره إياهم، ووجه كونه أقره أنه أوصى باتباع سنة الخلفاء الراشدين.
والخلفاء الراشدون الذين أمرنا بالاقتداء بهم هم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي .
16- ذكر في الحديث علاجاً للفتن والافتراق والاختلاف بين المسلمين، ويتلخص العلاج في أمور:-
الأولى: تقوى الله "أوصيكم بتقوى الله"
الثانية: السمع والطاعة " والسمع والطاعة"
الثالثة: التمسك بالسنة " فعليكم بسنتي".
الرابع: هجر البدع " وإياكم ومحدثات الأمور".


قال ابن رجب رحمه الله : ” هذا من جوامع الكلم ، لا يخرج عنه شيء ، وهو أصل عظيم من أصول الدين ، وهو شبيه بقوله e ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) ، فكل من أحدث شيئاً ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة والدين برىء منه ، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات ، أو الأعمال ، أو الأقوال الظاهرة والباطنة “ .
17- التحذير من البدع، أي من محدثات الأمور، لأن (إيَّا) في قوله "وَإيَّاكم" معناها التحذير من محدثات الأمور في الدين لأن جميع البدع ضلالة ليس فيها هدى، بل هي شر محض لا تجوز حتى وإن استحسنها من ابتدعها فإنها ليست حسنى،بل ولا حسنة لقول النبي r "كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالَة" ولم يستثنِ النبي r شيئاً . أماالمحدثات في أمور الدنيا إما مطلوب وإما مذموم حسب ما يؤدي إليه من النتائج. فمثلاً: أساليب الحرب وأساليب الاتصالات،وأساليب المواصلات كلها محدثة، لم يوجد لها نوع فيما سبق، ولكن منها صالح ومنها فاسد حسب ما تؤدي إليه، فالمُحَذَّر منه المحدث في الدين عقيدة،أو قولاً،أو عملاً،فكل محدثة في الدين صغرت أو كبرت فإنها بدعة، هكذا قال النبي r فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الكلية العامة الواضحة البينة: "كُلَّ مُحدَثَةٍ بدعَةٌ" وبين قوله r"مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجرُها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوم القِيامَةِ" فالجواب من وجهين:
الوجه الأول:أن معنى قوله r "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي من ابتدأ العمل بالسنة، ويدل لهذا أن النبي r ذكره بعد أن حث على الصدقة للقوم الذين وفدوا إلى المدينة ورغب فيها، فجاء الصحابة كلٌّ بما تيسر له، وجاء رجل من الأنصار بصرة قد أثقلت يده فوضعها في حجر النبي r فقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ فَلَهُ أَجرَها وَأَجرُ مَن عَمِلَ بِهَا إِلَى يَومِ القِيامَةِ" أي ابتدأ العمل سنة ثابتة، وليس أنه يأتي هو بسنة جديدة، بل يبتدئ العمل لأنه إذا ابتدأ العمل سن الطريق للناس وتأسوا به وأخذوا بما فعل. إذاً يُحمَل قوله: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةَ" على الوسائل إلى أمور ثابتة شرعاً، ووجه هذا أننا نعلم أن كلام النبي r لا يتناقض، ونعلم أنه لو فُتِحَ الباب لكل شخص أو لكل طائفة أن تبتدع في الدين ما ليس منه لتمزقت الأمة وتفرقت،وقد قال الله عزّ وجل: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام:159)
الوجه الثاني:أن يقال: "مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حَسَنَةً" أي سن الوصول إلى شيء مشروع من قبل كجمع الصحابة المصاحف على مصحف واحد، فهذا سنة حسنة لاشك، لأن المقصود من ذلك منع التفرق بين المسلمين وتضليل بعضهم بعضاً. كذلك أيضاً جمع السنة وتبويبها وترتيبها، فهذه سنة حسنة يتوصل بها إلى حفظ السنة. وبناءً على هذا يتبين خطأ من قسم البدع إلى خمسة أقسام أو إلى ثلاثة أقسام،وأنه ليس على صواب، لأننا نعلم علم اليقين أن أعلم الناس بشريعة الله رسول الله r وأن أنصح الخلق لعباد الله رسول الله r وأن أفصح الخلق نطقاً محمد r وأن أصدق الخلق خبراً رسول الله r أربعة أوصاف كلها مجتمعة على الأكمل في قول النبي r ثم يأتي مَنْ بعده ويقول: البدعة ليست ضلالة، بل هي أقسام: حسنة ،ومباحة،ومكروهة، ومحرمة،وواجبة. مثال ذلك: قالوا من البدع الحسنة جمع المصاحف في مصحف واحد، ومن البدع الحسنة كتابة الحديث، ومن البدع الحسنة إنشاء الدور لطلاب العلم وهكذا.فنقول هذه ليست بدعة، وهي حسنة لا شك لكن ليست بدعة،هذه وسيلة إلى أمر مقصود شرعاً، نحن لم نبتدع عبادة من عندنا لكن أمرنا بشيء ورأينا أقرب طريق إليه هذا العمل فعملناه وهناك فرق بين الوسائل والذرائع وبين المقاصد، لأن جميع الأمثلة التي قالوا: إنها حسنة تنطبق على هذا، أي أنها وسائل إلى أمر مشروع مقصود. ومثال آخر قول جماعة: إن الميكرفون الذي يؤدي الصوت إلى البعيد بدعة ولا يجوز العمل به؟ فنقول: هو وسيلة حسنة ، لأنه يوصل إلى المقصود، وقد اختار النبي r للأذان مَنْ هو أندى صوتاً لأنه يبلغ أكثر، وقال للعباس رضي الله عنه في غزوة حنين: نادى يا عباس لأنه كان صيتاً رضي الله عنه . إذاً رفع الصوت مطلوب، وهذه وسيلة من وسائله،وهو من النعمة لأنه وسيلة إلى أمر مقصود. كذلك أيضاً الاتصالات، الآن نتصل عن طريق الهاتف إلى أقصى العالم، فهل نقول استعمال هذا الهاتف بدعة لا تجوز؟ الجواب:لا نقول هذا، لأنه وسيلة، وقد يكون إلى خير أو إلى شر. أما في قول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد، وخرج ليلة من الليالي فوجد الناس يصلون بإمام واحد فقال: نعمت البدعة هذه فسماها بدعة فقد وصفها العلماء بالبدعة اللغوية لاالشرعية.أو بدعة نسبية بالنسبة لهجران هذا القيام بإمام واحد، وذلك لأن النبي r أول من سن القيام بإمام واحد - أي التراويح - فقد صلى بأصحابه ثلاث ليال في رمضان ثم تخلف خشية أن تفرض ، وتُرِكَت، وأصبح الناس يأتون للمسجد يصلي الرجل وحده ، والرجلان جميعاً،والثلاثة أوزاعاً، فرأى عمر رضي الله عنه بثاقب سياسته أن يردهم إلى السنة الأولى وهي الاجتماع على إمام واحد فجمعهم على تميم الداري وأُبي بن كعب رضي الله عنهما وأمرهما أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة كما كان النبي r لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة . فيكون قوله: نعمت البدعة يعني بالبدعة النسبية، أي بالنسبة إلى أنها هجرت في آخر عهد النبي r وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي أول خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ،وإلا فنحن نؤمن بأن كل بدعة ضلالة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
سبحانك الله وبحمدك نشهد أن لاإله إلا أنت نستغفرك ونتوب اليك
إن أصبت فمن فضل اللهوحده
وإن أخطأت فمن نفسي ومنالشيطان
والحمد لله الذي هدانا لهذا وماكنا لنهتدي لولا أن هداناالله
والحمد لله الذي بنعمته تتمالصالحات
اللهم اجعل عملي خالصا لوجهكالكريم
ولاتجعل لأحد شيئا منه سواك
------------------------------------------
(1)أخرجه مسلم كتاب: الأمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج على الطاعة ومفارقة الجماعة، (1847)،(52).
(2) أخرجه البخاري – كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذاً خليلاً، (3659). ومسلم – كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق، (2386)، (10).
(3) أخرجه البخاري – كتاب: المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، (5666).ومسلم – كتاب: فضائل الصحابة، من فضائل أبي بكر الصديق، (2387)،(11).
(4) أخرجه البخاري- كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، (466) ومسلم – كتاب: فضائل الصحابة، من فضائل أبي بكر الصديق، (2382)،(2).
(5) أخرجه مسلم – كتاب التوبة، باب: الحض على التوبة والفرح بها، (2747)،(7)

















__________________
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.79 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.65%)]