رد: قواعد قرآنية مفسرة وضرورية لكل مسلم
الدرس الثالث عشر
الحمد لله ، والصلاة و السلام على رسول صلى الله عليه و سلم .. أما بعد : فهذه حلقة جديدة من برنامجكم المُتجدد : (قواعد قرآنية ) ، نقف فيها مع قاعدة من القواعد المُهمة في بناء المجتمع ، وإصلاحه ، وتدارك أسباب تفككه ، إنها قول ربنا العليم الحكيم سبحانه : { ... وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ... } .النساء : 128
وهذه القاعدة القرآنية الكريمة جاءت في سياق الحديث عما قد يقع بين الأزواج من أحوال ربما تُؤدي إلى الاختلاف والتفرق ، وأن الصلح بينهما على أي شيء يرضيانه خير من تفرقهما ، يقول سبحانه : {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .. النساء : 128
ويُمكننا القول : إن جميع الآيات التي ورد فيها ذكر الإصلاح بين الناس هي من التفسير العملي لهذه القاعدة القرآنية المتينة . ومن المناسبات اللطيفة أن ترد هذه الآية في سورة النساء ، وهي نفس السورة التي ورد فيها قوله تعالى : {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} النساء : 35
يقول ابن عطية ( رحمه الله ) مُؤكداً اضطراد هذه القاعدة : ( وقوله تعالى : { والصلح خير } لفظٌ عام مُطلق ، يقتضي أن الصلح الحقيقي ـ الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف ـ خيرٌ على الإطلاق ، ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ذكرنا خير من الفُرقة ) ، المحرر الوجيز ـ موافق للمطبوع - (2/141 ) .
ومعنى الآية باختصار.. (هذا التوضيح مُختصر من كلام العلامة السعدي ) .
أن المرأة "إذا خافت المرأة نُشوز زوجها (( أي : تَرّفَعه عنها ، وعدمِ رغبتِه فيها وإعراضه عنها )) ، فالأحسن ـ في هذه الحالة ـ أن يُصلحا بينهما صُلحا ، بأن تسمح وتتنازل المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها على وجه تبقى مع زوجها : إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة أو الكُسوة أو المسكن ، أو القسم بأن تُسقط حقها منه ، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها ، فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح ولا بأس عليهما فيها ، لا عليها ولا على الزوج ، فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها على هذه الحال ، وهي بلا شك خير من الفُرقة ، ولهذا قال سبحانه : {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ..} " ،،
يقول العلامة السعدي ( رحمه الله ) :
"ويُؤخذ من عموم هذا اللفظ والمعنى : أن الصُلح بين من بينهما حقٌ أو مُنازعة ـ في جميع الأشياء ـ أنه خيرٌ من استقصاء كل منهما على كل حقه ، لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح . وهو ـ أي الصلح ـ جائزٌ في جميع الأشياء إلا إذا أحل حراماً أو حرم حلالاً ، فإنه لا يكون صلحاً ، وإنما يكون جوراً . واعلم أن كل حكم من الأحكام لا يتم ولا يكمل إلا بوجود مقتضيه وانتفاء موانعه ، فمن ذلك هذا الحكم الكبير الذي هو الصُلح ، فذكر تعالى المقتضي لذلك ونبه على أنه خير ، والخيرُ كلُّ عاقلٍ يطلبه ويرغب فيه ، فإن كان - مع ذلك- قد أمر الله به وحث عليه ازداد المؤمن طلبا له ورغبة فيه .
وقد ذكر سبحانه المانع بقوله : {وأُحضرت الأنفس الشُح} أي : جُبلت النفوس على الشُح ، وهو : عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان ، والحرص على الحق الذي له ، فالنفوس مجبولة على ذلك طبعاً ، أي : فينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخُلق الدنيء من نفوسكم ، وتستبدلوا به ضده وهو السماحة ، وهو بذل الحق الذي عليك ؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك . فمتى وُفق الإنسان لهذا الخلق الحسن ، سهل حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومُعامله ، وتسهلت الطريق للوصول إلى المطلوب ، بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشُح من نفسه ، فإنه يعسر عليه الصلح والمُوافقة ، لأنه لا يُرضيه إلا جميع ماله ، ولا يرضى أن يُؤدي ما عليه ، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر" .. تفسير السعدي ..
ومن تأمل القرآن ، رأى سعة هذه القاعدة من جهة التطبيق ، فبالإضافة إلى ما سبق ذكره من الإصلاح بين الأزواج ، فإننا نجد في القرآن حثا واضحا على الإصلاح بين الفئتين المُتقاتلتين ، ونجده سبحانه و تعالى يثُني ثناء ظاهراعلى الساعين في الإصلاح بين الناس : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } .. النساء : 114
بل تأمل ـ أخي القارئ ـ في افتتاح سورة الأنفال ، فإنك واجدا عجباً ، فإن الله تعالى افتتح هذه السورة بقوله : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين} [الأنفال :1] .. فلم يأت الجوابُ عن الأنفال مُباشرة ، بل جاء الأمر بالتقوى وإصلاحِ ذاتِ البين ، وطاعةِ الله ورسوله ؛ لأن إغفال هذه الأصول الكبار سببٌ عظيم في شر عريض ، لا يعلم مداه إلا الله عز و جل ..
ولعل من أسرار إرجاء الجواب عن هذا التساؤل : لبيان أن التقاتل على الدنيا ـ ومنها الأنفال (وهي الغنائم) ـ سببٌ من أسباب فسادِ ذات البين ، ولهذا جاء الجواب عن سؤال الأنفال بعد أربعين آية من هذا السؤال . ولأهمية هذا الموضوع ـ أعني الإصلاح ـ : أجازت الشريعة أخذ الزكاة لمن غرم بسبب الإصلاح بين الناس . بل جاءت السُنة بإباحة الكذب في هذا الباب العظيم ..
وإذا تقرر هذا المعنى المتين والشامل لهذه القاعدة القرآنية العظيمة : (والصلح خير) ، فمن المهم ـ حتى نستفيد من هذه القاعدة القرآنية ـ أن نسعى لتوسيع مفهومها في حياتنا العملية ، وأصدق شاهد على ذلك سيرة نبينا صلى الله عليه و سلم الذي طبق هذه القاعدة في حياته ، وهل كانت حياته إلا صلاحاً وإصلاحا ؟ وكما قال شوقي :
المصلحون أصابعٌ جمعت يداً *** هي أنت ، بل أنت اليدُ البيضاءُ
1) وبخصوص هذا الموضع الذي وردت فيه هذه القاعدة القرآنية العظيمة ، فقد طبق النبي صلى الله عليه و سلم هذه القاعدة وأجراها حينما كبرت زوجه أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضى الله عنها ، فقد وقع في نفسه أن يُفارقها ، فكانت تلك المرأة عاقلة رشيدة بحق ، فصالحته على أن يُمسكها وتترك يومها لعائشة ، فقبل ذلك منها ، وأبقاها على ذلك .ولعلك ندرك شيئا عظيما من آثار هذا العقل والرُشد في تصرف سودة رضى الله عنها فلقد أبقاها الله عز و جل زوجة لنبيه عليه الصلاة و السلام ؛ و هي أم المؤمنين ؛ و في الوقت ذاته هي زوجة من زوجاته في الدار الآخرة .. فلله درها ما أعقلها و ما أرشدها ..
و إذا خرجنا إلى ميدان سيرته الفسيح صلى الله عليه و سلم فإنا واجدون جملةً من الأمثلة ، منها :
2) أنموذج آخر في قصة بريرة ـ وهي أَمَةٌ قد أعتقتها عائشة رضى الله عنها ـ فكرهت أن تبقى مع زوجها ، وكان زوجها شديد التعلق بها ، حتى قال ابن عباس رضى الله عنها ـ كما في الترمذي ـ وهو يصف حب مغيث لبريرة : وكان يُحبها ، يقول ابن عباس : و كان يُحبها ؛ وكان يمشي في طرق المدينة ـ وهو يبكي ـ واستشفع إليها برسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقالت يا رسول الله أتأمرني ؟ ( أي : أتأمرني أن أعود إليه و أتزوجه ؛ أو أن أبقى على عقد الزوجية ؟ ) قال : لا بل أشفع ، قالت : لا أريده ! فانظر كيف حاول صلى الله عليه و سلم أن يكون واسطة خير بين زوجين انفصلا ، وشفع لأحد الطرفين لعله يقبل ، فلم يشأ أن يُجبر ؛ لأن من أركان الحياة الزوجية الحب ، والرغبة !
3) موقف ثالث نجده تطبيقا عمليا لتلك القاعدة : فلقد خرج مرة صلى الله عليه و سلم ـ كما في الصحيحين ـ من حديث سهل بن سعد رضى الله عنهما ..خرج إلى أهل قباء حين اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة ، فأُخْبِرَ رسول الله صلى الله عليه و سلم بذلك ، فقال لمن حوله : اذهبوا بنا نصلح بينهم ..
4) وعلى هذه الجادة النبوية سار تلاميذه النجباء من أصحابه الكرام وغيرهم من أتباعهم بإحسان رضى الله عنهم أجمعين : فهذا ابن عباس رضى الله عنه يخرج بعد استشارة أمير المُؤمنين على رضى الله عنه لمُناظرة الخوارج ـ الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضى الله عنه ـ فلما ناظرهم ابن عباس ( و كان هذا نوع من الإصلاح ) رجع منهم عدد كبير .
ومن قلّب كتب السير وجد نماذج مشرقة لجهود فردية في الإصلاح بين الناس على مستويات شتى ، بل حتى على مستوى الدول ؛ ولعل مما يُبشر بخير ما نراه من لجان إصلاح ذات البين ، والتي هي في الحقيقة ترجمة عملية لهذه القاعدة القرآنية العظيمة : {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } .. هنيئاً لمن جعله الله من خيار الناس ، الساعين في الإصلاح بينهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم .
والله هو الموفق و الهادي إلى الصراط المستقيم.
__________________
الحمد لله الذي أمـر بالجهاد دفاعـاً عن الدين، وحرمة المسلمين، وجعله ذروة السنام، وأعظـم الإسلام، ورفعـةً لأمّـة خيـرِ الأنـام. والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد ، وعلى آلـه ، وصحبه أجمعيـن ، لاسيما أمّهـات المؤمنين ، والخلفاء الراشدين،الصديق الأعظم والفاروق الأفخم وذي النورين وأبو السبطين...رضي الله عنهم أجمعين.
|