الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين ، المبعوث رحمة للعالمين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..
أما بعد..
**
إن اللائق بالإنسان العاقل أن يكون في حياته على الصواب لا على الخطأ، وعلى الحق لا على الباطل، ولكن للوقوع في الخطأ أسباب متعددة.
أولاً: غفلته عن موقعه اللائق به، فيخطئ الكبير لنسيانه أنه كبير، ويخطئ العالم لنسيانه أنه عالم، ويخطئ الأستاذ لنسيانه أنه أستاذ، ويخطئ الطالب لنسيانه أنه طالب علم، ويخطئ الوالد لنسيانه أنه والد وقدوة لأولاده... وهكذا بقية أفراد المجتمع -إلا من رحم الله-.
والمخطئ الأول(البادئ أظلم) غالبًا يحمِّل المسئولية لغيره، ويرى أن غيره هو المخطئ أو هو الذي تسبب في وقوع الخطأ، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ القَذَاةَ فِي عَيْنِ أَخيه، ويَنْسَى الجِذْعَ فِي عَينه!) (رواه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان، وصححه الألباني).
فيرى أحدنا أقل الهفوات التي وقع فيها أخوه، ثم هو عنده مِن العيب كأصول النخل وأصول الشجر، لكنه لا يذكرها، فينسى ما عنده من عظائم ومِن بلايا، ويذكر هفوات أخيه! وكذلك أهل البدع ينظرون في فقهاء الملة وعلماء الشريعة إلى أقل الأخطاء، وينسون أنهم مخالفون لأصول الدين وأصول الشريعة.
ثانيًا: الوقوع في أسر الشهوات والشبهات، وفتنة الشبهات أخطر وأشد من فتنة الشهوات؛ ففتنة الشهوات عن طريق الفساد العظيم المنتشر.
وأما فتنة الشبهات: فقد انتشرت المذاهب الإلحادية والعقائد الفاسدة والفرق الضالة، والمذاهب الفكرية المنحرفة، والبدع المستحدثة.
وأما عن الأهواء... فقد قال الله -تعالى-: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص:26). فحصر الحكم في أمرين لا ثالث لهما عنده، وهو: "الحق والهوى".
وقال: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) (الكهف:28)، فجعل الأمر محصورًا بين أمرين: "اتباع الذكر، واتباع الهوى". وقال -تعالى-: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) (القصص:50).
ثالثًا: التأثر بالبيئة المحيطة، وبالصحبة والمجتمع، وهنا يخطئ أو يضل بضلالهم، ومِن هنا تظهر خطورة الصحبة التي تتأثر فيها شخصية بشخصية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا، وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيٌّ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني.).

رابعًا: عدم إدراكه لحقيقة الأمور وعدم التفريق بيْن الحق والباطل، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الأنفال:29).
والمراد بالفرقان: ما يفرِّق به المرء بين الحق والباطل، وبين الخير والشر. وقيل: يجعل لكم مخرجًا ونجاة. فلا بد مِن تقوى الله حتى نستطيع أن ندرك حقيقة الأمور ولا تلتبس علينا.
خامسًا: عدم قبول النصيحة… إياك أن تأخذك العزة بالإثم، وأن تستنكف وتستكبر عن قبول النصيحة.
والإنسان الذي يقدم اعتذاره بطريقته لغيره وفي المكان المناسب ليس نقصا من قيمته بل تعبيرا عن خلقة وحضاريته،وعلى الغير أن يتقبل الإعتذار بدون تعليق أو افتخار أو يحسبه انتصار.
يقول الشاعر..
إِذَا اعْتَذَرَ الْجَانِي ومَحَا الْعُذْرُ ذَنْبَهُ*** كَـــانَ الَّذِي لاَ يقبل العذر جانيا
قال ابن القيم -رحمه الله-: "أركَانَ الكفر أربعة: الكبر والحسد والغضب والشهوة، فالكبر يمنعه الانقياد، والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها، والغضب يمنعه العدل، والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة… ".
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَبْغَضُ الْكَلاَمِ إِلىَ اللهِ -عَزَّ وَجَلّ-: أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ اتَّقِ الله، فَيَقُول: عَلَيْكَ بِنَفْسِك) (رواه ابن منده في التوحيد والبيهقي في الشعب، وصححه الألباني).
سادسًا: أن يقع الإنسان في الخطأ عفوًا من غير قصد، وقد ثبت في الحديث: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) (رواه ابن ماجه والبيهقي، وصححه الألباني).
خرج الإمام البيهقي بسنده في شُعَب الإيمان إلى جعفر بن محمد قال: إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا، فإن أصبته، وإلا، قل لعل له عذرا لا أعرف.
والغرض المقصود: أن الحريص على الحق والصواب مَن تنبه إلى هذه الأسباب وابتعد عنها، وليعلم الإنسان أنه ليس إنسانًا بجسمه وصورته، وثيابه ومظهره… لا، ولكن بخلقته وخلقه معا...
والترفع عن القيل والقال وكثرة السؤال أولى ببني آدم وإلا فالشيطان سوف يتعلم من الإنسان طريق الظلام بعدما علمهم طريق الضلال.
وختاما يقول بن الجوزي
لا تأخذك العزة بالاثم
أعظم المعاقبة ألا يحس المعاقب بالعقوبة، وأشد من ذلك نفع السرور بما هو عقوبة، كالفرح بالمال الحرام، والتمكن من الذنوب. ومن هذه حاله، لا يفوز بطاعة... وإني تدبرت أحوال أكثر العلماء والمتزهدين فرأيتهم في عقوبات لا يحسون بها ومعظمها من قبل طلبهم للرياسة.
فالعالم منهم، يغضب إن رد عليه خطؤه، والواعظ متصنع بوعظه، والمتزهد منافق أو مراء. فأول عقوباتهم، إعراضهم عن الحق شغلا بالخلق.
ومن خفي عقوباتهم، سلب حلاوة المناجاة، ولذة التعبد إلا رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات، يحفظ الله بهم الأرض، بواطنهم كظواهرهم، بل أجلى... وسرائرهم كعلانيتهم، بل أحلى... وهممهم عند الثريا، بل أعلى... إن عرفوا تنكروا، وإن رئيت لهم كرامة، أنكروا...
فالناس في غفلاتهم، وهم في قطع فلاتهم، تحبهم بقاع الأرض، وتفرح بهم أملاك السماء.
نسأل الله عز وجل التوفيق لاتباعهم، وأن يجعلنا من أتباعهم
.وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
منقول بتصرف شخصي وزيادة