عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 25-12-2012, 12:07 AM
الصورة الرمزية أبو الشيماء
أبو الشيماء أبو الشيماء غير متصل
مراقب الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مكان الإقامة: أينما شاء الله
الجنس :
المشاركات: 6,415
الدولة : Morocco
افتراضي رد: قواعد قرآنية مفسرة وضرورية لكل مسلم

الدرس الثاني عشر.

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله ، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..
أما بعد
:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عظيمة الصلة بواقع الناس ، وازدادت الحاجة إلى التنويه بها في هذا العصر الذي اتسعت فيه وسائل نقل الأخبار ، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، الحجرات : 6

وهذه القاعدة القرآنية المُحكمة جاءت ضمن سياق الآداب العظيمة التي أدب الله بها عز و جل عباده في سورة الحجرات ، قال تعالى( : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) الحجرات : 6

ولهذه الآية الكريمة سبب نزول توارد المفسرون على ذكره ، وخلاصته..
أن الحارث بن ضرار الخزاعي رضي الله عنه ـ سيد بني المصطلق ـ لما أسلم اتفق مع النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث له ـ في وقت اتفقا عليه ـ جابياً يأخذ منه زكاة بني المصطلق ، فخرج رسولُ رسولِ صلى الله عليه وسلم في ذلك الزمان الذي اتفق عليه ؛ لكنه خاف فرجع في منتصف الطريق ، فاستغرب الحارث بن ضرار تأخر رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وفي الوقت ذاته لما رجع الرسول إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله ! إن الحارث منعني الزكاة ، وأراد قتلي ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث إلى الحارث ، فالتقى البعث الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم مع الحارث بن ضرار في الطريق ، فقال لهم : إلى من بُعثتم ؟ قالوا : إليك ! قال : ولِمَ ؟ قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعث إليك الوليد بن عقبة ، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله ! قال : لا والذي بعث محمداً بالحق ، ما رأيته بتة ولا أتاني ، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! قال : منعت الزكاة وأردت قتل رسولي ؟! قال : لا والذي بعثك بالحق ، ما رأيته ولا أتاني ، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسولُك ، خشيت أن تكون كانت سخطة من الله عز وجل ورسوله ، قال فنزلت آية سورة الحجرات
: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، انتهى الحديث مختصراً ، وقد رواه الإمام أحمد بسند لا بأس به ، ويعضده الإجماع الذي حكاه ابن عبد البر على أنه هذه الآية نزلت في هذه القصة .

وجاء في قراءة سبعيّة مُتواترة(إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتثبتوا)وهذه القراءة تزيد الأمر وضوحاً ، فهي تأمر عموم المؤمنين حين يسمعون خبراً أن يتحققوا بأمرين :
الأول : التثبت من صحة الخبر .الثاني:التبيّن من حقيقته . فإن قلتَ : فهل بينهما فرقٌ ؟ فالجواب : نعم ، لأنه قد يثبت الخبر للإنسان ، ولكنه لا يُدْرى ما وجهه !

ولعلنا نُوضح ذلك بقصة وقعت فصولها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مسجده في العشر الأواخر ليُوصل زوجته صفية رضي الله عنها إلى بيتها ، فرآه رجلان ، فأسرعا في المسير فقال : على رسلكما إنها صفية . فلو نقل ناقل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمشي مع امرأة في سواد الليل لكان صادقاً ، لكنه لم يتبين حقيقة الأمر ، وهذا هو التبين الذي دلت عليه القراءة الأخرى .

وهذا مثال قد يُواجهنا يومياً :
فقد يرى أحدنا شخصاً دخل بيته والناس مُتجهون إلى المساجد لأداء صلاتهم جماعة مع المسلمين .فلو قال قائلإني رأيت فلاناً قد دخل بيته و قد أُقيمت الصلاة ، لكان ذلك القائل مُصيبا في قوله ، لكن هل تبين سبب ذلك ؟ وما يدريه ؟! فقد يكون الرجل لتوه قدم من سفر ، وقد جمَعَ جمْع تقديم فلم تجب عليه الصلاة أصلاً ، و قد يكون عنده مريض في البيت ، أو لغير ذلك من الأعذارإذن هذا هو مقام التنين بعد ان تحقق مقام التثبت.

وهذا مثال آخر قد يُواجهنا في شهر رمضان مثلاً
: قد يرى أحدنا شخصاً يشرب في نهار رمضان ماءً أو عصيراً ، أو يأكل طعاماً في النهار ، فلو نقل ناقل أنه رأى فلاناً من الناس يأكل أو يشرب لكان صادقاً ، ولكن هل تبين حقيقة الأمر ؟ قد يكون الرجل مُسافراً وأفطر أول النهار فاستمر في فطره على قول طائفة من أهل العلم في إباحة ذلك ، وقد يكون مريضاً ، وقد يكون ناسياً ،... الخ تلك الأعذار .

وإن هذه القاعدة القرآنية التي تأمرنا ان نتبين و نتثبت في مقام الاخبار لها دلالات أخرى ، منها :
1)أن خبر العدل مقبول غير مردود ، اللهم إلا إن لاحت قرائن تدل على وهمه وعدم ضبطه فإنه يُرد قوله ؛ و على ذلك جرى أئمة الحديث في نقدهم للمرويات التي تُروى ,,
2) أنه سبحانه لم يأمر بردِّ خبر الفاسق وتكذيبه ورد شهادته جملةً ، وإنما أمر بالتبين ، فإن قامت قرائن وأدلة من الخارج تدل على صدقه عُمل بدليل الصدق ، ولو أخبر به من أخبر" ، مدارج السالكين (1 / 360)
3) ومنها : أنها تضمنت ذم التسرع في إذاعة الأخبار التي يُخشى من إذاعتها ، ولقد عاب ربنا تبارك وتعالى هذا الصنف من الناس ، كما في قوله عز وجل) :وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(، النساء : 83 ، وقال تعالى : (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ)، يونس : 39 ، ينظر : القواعد الحسان في تفسير القرآن (98).
4)أن في تعليل هذا الأدب بقوله : (أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)ما يُوحي بخطورة التعجل في تلقي الأخبار عن كل أحدٍ و في بثها ، خصوصاً إذا ترتب على تصديق الخبر طعنٌ في أحد ، أو بُهتٌ له .
إذا تبين هذا المعنى ، فإن من المُؤسف أن يجد المسلم خرقاً واضحاً من قبل كثير من المسلمين لهذه القاعدة القرآنية المحكمة : ( فَتَبَيَّنُوا) ، ( فتثبتوا )، وازداد الأمر واتسع مع وسائل الاتصال المُعاصرة كأجهزة الجوال والإنترنت وغيرها من الوسائل !

وأعظم من يُكذب عليه من الناس في هذه الوسائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فكم نُسبت إليه أحاديث ، وقصص لا تصح عنه ، بل بعضها كذب عليه ، لا يصح أن يُنسب لآحاد الناس فضلاً عن شخصه الشريف صلى الله عليه وسلم .

ويلي هذا الأمر في الخطورة التسرع في النقل عن العلماء ، خصوصاً العلماء الذين ينتظر الناس كلمتهم ، ويتتبعون أقوالهم ، وكلُّ هذا محرم لا يجوز ، وإذا كُنا أُمرنا في هذه القاعدة القرآنية : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)أن نتحرى ونتثبت من الأخبار عموماً ، فإنها في حق النبي صلى الله عليه وسلم و في حق ورثته من العلماء أشد وأشد .

ومثل ذلك يُقال : في النقل عما يصدر عن ولاة أمور المسلمين ، أو عن خواص المسلمين ممن يكون لنقل الكلام عنهم له أثره ، فالواجب التثبت والتبين ، قبل أن يندم الإنسان ولات ساعة مندم .
ولا يقتصر تطبيق هذه القاعدة القرآنية : (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)على ما سبق ذكره فحسب ، بل هي قاعدة تمتد لتصل إلى حياتنا الخاصة و العامة ؛ إنها قاعدة يحتاجها الزوجان ، و يحتاجها الآباء مع أبنائهم ، والأبناء مع آبائهم .ولله كم من بيت تقوضت أركانه بسبب الإخلال بتطبيق هذه القاعدة القرآنية !
هذه رسالة قد تصل إلى جوال أحد الزوجين ، فإن كانت من نصيب جوال الزوجة ، واطلع الزوج عليها ، سارع إلى الطلاق قبل أن يتثبت من حقيقة هذه الرسالة التي قد تكون رسالة طائشة جادة أو هازلة جاءت من مُغرض أو على سبيل الخطأ ! و قل مثل ذلك في حق رسالة طائشة جادة أو هازلة تصل إلى جوال الزوج ، فتكتشفها الزوجة ، فتتهم زوجها بخيانة أو غيرها ، فتُبادر إلى طلب الطلاق قبل أن تتثبت من حقيقة الحال !ولو أن الزوجين أعملا هذه القاعدة القرآنية : ( فَتَبَيَّنُوا) ، ( فتثبتوا ) لما حصل هذا كلّهبإذن الله .

وإذا انتقلتَ إلى ميدان الصحافة أو غيرها من المنابر الإعلامية ، وجدت عجباً من خرق سياج هذا الأدب عند عدد غير قليل من الكُتاب و الصحفيين .. فكم من تحقيقات صحفية بُنيت على خبر إما أصله كذب ، أو ضُخّم وفُخّم حتى صُور للقراء على أن الأمر بتلك الضخامة والهول ، وليس الأمر كما قيل !

والواجب على كل مؤمن مُعظم لكلام ربه أن يتقي ربه
، وأن يتمثل هذا الأدب القرآني الذي أرشدت إليه هذه القاعدة القرآنية الكريمة : (فَتَبَيَّنُوا ) ،(فتثبتوا ) ,,
جعلنا الله وإياكم من المُتأدبين بأدب القرآن العاملين به ، وإلى لقاء جديد أستودعكم الله ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.


__________________
الحمد لله الذي أمـر بالجهاد دفاعـاً عن الدين، وحرمة المسلمين، وجعله ذروة السنام، وأعظـم الإسلام، ورفعـةً لأمّـة خيـرِ الأنـام.
والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد ، وعلى آلـه ، وصحبه أجمعيـن ، لاسيما أمّهـات المؤمنين ، والخلفاء الراشدين،الصديق الأعظم والفاروق الأفخم وذي النورين وأبو السبطين...رضي الله عنهم أجمعين.


رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]