الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ..
أما بعد
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عظيمة القدر ، لعظيم أثرها في حياة العبد ، وهي قاعدة لها صلة بالنفوس و القلوب و تزكية القلب و تزكية النفس ، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى : {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} ،، فاطر : 18
الله تبارك و تعالى يُوضح لنا في هذه القاعدة القرآنية أن التزكية إنما المُستفيد منها هو ذلك العبد المُكلف ؛ رجلا كان أو إمرأة ،، فما هي التزكية ؟
التزكية في اللغة مصدر زكى الشيء يزكيه ، وهي تُطلق ويُراد بها معنيان :
المعنى الأول : الطهارة و السلامة من العيوب ، و الأخلاق الرديئة و السيئة ، ومنه قوله تعالى عن يحيى عليه السلام : (وزكاة وكان تقياً) ، فإن الله زكاه وطهر قلبه وفؤاده ، وهذا تطهير معنوي ، ويُطلق على التطهير الحسي ، يُقال : زكيت الثوب إذا طهرته .
والمعنى الثاني : هو الزيادة و النمو ، يقال زكى المال يزكوا إذا نمى . و منه تسمية الزكاة زكاة ؛ لأن أثرها الحقيقي هو نمو في المال .. و ايضا زكاة النفس ( طهارتها من أدرانها ) هو في الحقيقة نمو في أخلاقها الطيبة و أفعالها الحميدة الحسنة ..
و المعنى الشرعي للتزكية يدور على هذين الأمرين ، يدل على خُلو النفس من الأخلاق الرديئة ، كما يدل على زيادة في أخلاقها الطيبة و الصالحة ،،، و هذان المعنيان كلاهما مُراد شرعا ؛ بل آيات التزكية في القرآن كلها يُقصد منها أن يُحقق الإنسان هذين الأمرين : سلامة من الأخلاق الرديئة ، و تخلق بالأخلاق الحسنة ، و لهذا يقول بعض المُعبرين عن ذلك إن الزكاة للنفس ـ باختصار ـ تدور على مرحلتين :
مرحلة التخلية ، ثُم بعد ذلك التحلية .
والمقصود بالتخلية : أي تطهير القلب من ردئ الأخلاق ، والمقصود بالتحلية : أي تحلية النفس بمكارم الأخلاق ، وطيب الشمائل..
وهما عمليتان تسيران جنباً إلى جنب ، فالمؤمن مُطالب "بالتنقِّي من العيوب ، كالرياء والكِبر ، والكذب والغش ، والمكر والخداع والنفاق ، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة ، ومُطالب بالتحلَّى بالأخلاق الجميلة ، من الصدق ، والإخلاص ، والتواضع ، ولين الجانب ، والنُصح للعباد ، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق ، فإن تزكيته يعود نفعها إليه ، ويصل مقصودها إليه ، ليس يضيع من عمله شيء" ،، تفسير السعدي : (687)
وعلى هذا المعنى جاءت الآيات القرآنية بالأمر بتزكية النفس وتهذيبها بطرق شتى ، فمن ذلك مثلا أن الله سبحانه و تعالى جعل من مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه و سلم هو هذا الأمر ؛ تزكية النفوس ،، تأمل قول الله عز و جل : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ،، [آل عمران : 164] ،
وقال تعالى :{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين} الجمعة : 2
لاحظ أنه عز و جل جاء بالتزكية قبل العلم و الحكمة لأن القلب إذا زُكى صار تلقيه لشرع الله سبحانه و تعالى أقوى و أسرع ، و لذلك اجتهد النبي صلى الله عليه و سلم في المرحلة المكية على هذا الأصل العظيم وهو تزكية النفوس و تهيئتها ، فلما واجه المشركين في غزوة بدر على غير ميعاد ظهرت البطولات ، و ظهرت التضحيات ، و ظهرت آثار هذه التزكية القرآنية الإيمانية النبوية ..
و من ذلك أيضا ما ذُكره الله عز و جل عن نبيه ابراهيم عليه السلام لما بنى البيت ، دعا بدعوات عظيمة كان منها ذلك الدعاء : { ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يُزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم }, البقرة : 129
و ثالث المواضع التي تدل على عناية الشرع بأمر التزكية هو سورة الشمس ، ومن تأمل سورة الشمس ، أدرك عظيم هذه الغاية ، وخطورة هذه العبادة الجليلة ، فإن الله تعالى أقسم أحد عشر قسماً مُتتابعاً على أن فلاح النفس لا يكون إلا بتزكيتها ! ولا يُوجد في القرآن نظير لهذا ـ أعني تتابع أحد عشر قسماً على مُقْسَمٍ واحد ( قد أفلح من زكاها )ـ وهو ـ بلا ريب ـ دليل واضح ، وبرهان ساطع على خطورة هذا الموضوع .،، أطول قسم في القرآن يأتي من أجل هذه القضية ، و هى قضية تزكية النفس ؛ ذلك أن القلب إذا لم يزكو فكيف يتلقى الشرائع ، و كيف يمتثلها ، و كيف يضحي من أجل دينه ؟؟؟؟؟
و حتى يتبين لك هذا المعنى جيدا انظر إلى الذين ( عياذا بالله ) فُرغت قلوبهم من هذا المعنى الشرعي العظيم : كيف هى حالهم ؟ و كلما كان الإنسان أكثر كفرا و عنادا و جحودا كان أعظم بُعدا عن هذا المعنى الشرعي ؛ و لذلك كان سادات الذين تزكت نفوسهم هم الرسل و الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ..
إذا اتضح لنا هذا المعنى تبين لنا سر من أسرار اهتمام أهل العلم رحمهم الله تعالى بهذا الجانب ،، و من قرأ مثلا كتاب الإمام ابن القيم ( رحمه الله تعالى) " مدارج السالكين " وجده يدور حول تحقيق مدارج العبودية التي تزكو بها النفس ،،، و لابن تيميه ( رحمه الله تعالى ) رسائل مستقلة كالتحفة العراقية و غيرها من الرسائل و الكتب ، هذا - فضلا عن كلامه المنشور في فتاواه - يجد عناية بالغة جدا بهذ الأمر ؛ أعني تزكية النفوس .. و من قرأ تراجم السلف رحمهم الله تعالى و كلماتهم و خصوصا في كتاب " حلية الأولياء " ، و أنصح بقراءة مُختصراته لأن الأصل لا يُناسب إلا أهل العلم ،،،،
أقول من قرأ في مًُختصراته وجد العناية الفائقة من قِبل أئمة السلف من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و من التابعين و أتباعهم بهذا الامر العظيم ،،، فما أكثر حديثهم عن التقوى ،، و ما اكثر حديثهم عن الإخلاص ،، و ما أكثر حديثهم عن الخشية ,,,عن المُراقبة ،، عن التوكل ،،، عن الصدق ،، عن اليقين ،، في سلسلة عظيمة من الأخلاق التي هي قواعد يقوم عليها بناء النفس و تزكيتها ..
إن منطوق هذه القاعدة القرآنية : {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} يدل بوضوح أن أعظم أثر لهذه التزكية هو أثرها على نفسي المُتزكي ، ومفهومها يتضمن تهديداً : أنك إن لم تتزكَ يا عبد الله ، فإن أعظم مُتضرر بإهمال التزكية هو أنت .
ولئن كانت هذه القاعدة تعني كل مسلم يسمعها ، فإن حظ الداعيةِ وطالبِ العلم منها أعظم وأوفر ، لأن الأنظار إليه أسرع ، والخطأ منه أوقع ، والنقد عليه أشد ، ودعوته يجب أن تكون بحاله قبل مقاله . ولعظيم منزلة تزكية النفس في الدين ، كان الأئمة والعلماء المصنفون في العقائد يؤكدون على هذا الأمر بعبارات مختلفة ، ذكر شيخ الإسلام ابنُ تيميه رحمه الله جملةً من الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنّةِ ومن ذلك قولُه : "يأمرون بالصبر عند البلاء ، والشكرِ عند الرخاء ، ويدعون إلى مكارمِ الأخلاق ومحاسن الأعمالِ ، ويعتقدون معنى قولِه صلى الله عليه وسلم : "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خلقاُ" ،، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها" انتهى .
وإنما نص أئمة الدين على ذلك ؛ لأن هناك تلازماً وثيقاً بين السلوك والاعتقاد :
فالسلوك الظاهرُ مرتبطٌ بالاعتقادِ الباطن ، فأيُّ انحرافٍِ في الأخلاقِ إنما هو من نقص الإيمان الباطن ،
قال ابنُ تيميه رحمه الله : (إذا نقصت الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ ، كانَ ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان ، فلاُ يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب ، أن تُعدم الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ" ،، ينظر : مجموع الفتاوى 7/582، 616،621.
ويقول الشاطبيُّ رحمه الله : "الأعمالُ الظاهرةُ في الشرع دليلٌ على ما في الباطن ؛ فإذا كان الظاهرُ منخرماً أو مستقيماً حُكم على الباطن بذلك" ،، الموافقات 1/233.
فالسلوكُ والاعتقادُ مُتلازمان ، كذلك فإن من الأخلاقِ والسلوك ما هو من شُعَبِ الإيمان .
هناك سؤال يتبادر إلى الذهن ونحن نتحدث عن هذه القاعدة القرآنية : {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} كيف نزكي نفوسنا ؟ والجواب عن هذا يطول جداً ، لكنني أشير باختصار إلى أهم وسائل تزكية النفس ، فمن ذلك :
1-أعظم ما تُزكى به النفوس هو توحيد الله تعالى ، وقوة التعلق به .
2- مُلازمة قراءة القرآن ، وتدبره .
3- كثرة الذكر عموماً .
4- المُحافظة على الصلاة المفروضة ، وقيام الليل ولو قليلاً .
5- لزوم مُحاسبة النفس بين الفينة والأخرى .
6- حضور الآخرة في قلب العبد .
7- تذكر الموت ، وزيارة القبور .
8- قراءة سير الصالحين .