عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 14-12-2012, 06:14 PM
الصورة الرمزية ورد جوري
ورد جوري ورد جوري غير متصل
مراقبة الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Jul 2007
مكان الإقامة: اسطنبول
الجنس :
المشاركات: 15,311
الدولة : Iraq
افتراضي رد: قواعد قرآنية مفسرة وضرورية لكل مسلم

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الشيماء مشاهدة المشاركة
الدرس الحادي عشر..


الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله ، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ..
أما بعد
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية عظيمة القدر ، لعظيم أثرها في حياة العبد ، وهي قاعدة لها صلة بالنفوس و القلوب و تزكية القلب و تزكية النفس ، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى : {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} ،، فاطر : 18

الله تبارك و تعالى يُوضح لنا في هذه القاعدة القرآنية أن التزكية إنما المُستفيد منها هو ذلك العبد المُكلف ؛ رجلا كان أو إمرأة ،، فما هي التزكية ؟
التزكية في اللغة مصدر زكى الشيء يزكيه ، وهي تُطلق ويُراد بها معنيان :
المعنى الأول : الطهارة و السلامة من العيوب ، و الأخلاق الرديئة و السيئة ، ومنه قوله تعالى عن يحيى عليه السلام : (وزكاة وكان تقياً) ، فإن الله زكاه وطهر قلبه وفؤاده ، وهذا تطهير معنوي ، ويُطلق على التطهير الحسي ، يُقال : زكيت الثوب إذا طهرته .

والمعنى الثاني : هو الزيادة و النمو ، يقال زكى المال يزكوا إذا نمى . و منه تسمية الزكاة زكاة ؛ لأن أثرها الحقيقي هو نمو في المال .. و ايضا زكاة النفس ( طهارتها من أدرانها ) هو في الحقيقة نمو في أخلاقها الطيبة و أفعالها الحميدة الحسنة ..

و المعنى الشرعي للتزكية يدور على هذين الأمرين ، يدل على خُلو النفس من الأخلاق الرديئة ، كما يدل على زيادة في أخلاقها الطيبة و الصالحة ،،، و هذان المعنيان كلاهما مُراد شرعا ؛ بل آيات التزكية في القرآن كلها يُقصد منها أن يُحقق الإنسان هذين الأمرين : سلامة من الأخلاق الرديئة ، و تخلق بالأخلاق الحسنة ، و لهذا يقول بعض المُعبرين عن ذلك إن الزكاة للنفس ـ باختصار ـ تدور على مرحلتين :
مرحلة التخلية ، ثُم بعد ذلك التحلية .

والمقصود بالتخلية : أي تطهير القلب من ردئ الأخلاق ، والمقصود بالتحلية : أي تحلية النفس بمكارم الأخلاق ، وطيب الشمائل..
وهما عمليتان تسيران جنباً إلى جنب ، فالمؤمن مُطالب "بالتنقِّي من العيوب ، كالرياء والكِبر ، والكذب والغش ، والمكر والخداع والنفاق ، ونحو ذلك من الأخلاق الرذيلة ، ومُطالب بالتحلَّى بالأخلاق الجميلة ، من الصدق ، والإخلاص ، والتواضع ، ولين الجانب ، والنُصح للعباد ، وسلامة الصدر من الحقد والحسد وغيرهما من مساوئ الأخلاق ، فإن تزكيته يعود نفعها إليه ، ويصل مقصودها إليه ، ليس يضيع من عمله شيء" ،، تفسير السعدي : (687)

وعلى هذا المعنى جاءت الآيات القرآنية بالأمر بتزكية النفس وتهذيبها بطرق شتى ، فمن ذلك مثلا أن الله سبحانه و تعالى جعل من مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه و سلم هو هذا الأمر ؛ تزكية النفوس ،، تأمل قول الله عز و جل : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ،، [آل عمران : 164] ،
وقال تعالى :{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين} الجمعة : 2
لاحظ أنه عز و جل جاء بالتزكية قبل العلم و الحكمة لأن القلب إذا زُكى صار تلقيه لشرع الله سبحانه و تعالى أقوى و أسرع ، و لذلك اجتهد النبي صلى الله عليه و سلم في المرحلة المكية على هذا الأصل العظيم وهو تزكية النفوس و تهيئتها ، فلما واجه المشركين في غزوة بدر على غير ميعاد ظهرت البطولات ، و ظهرت التضحيات ، و ظهرت آثار هذه التزكية القرآنية الإيمانية النبوية ..
و من ذلك أيضا ما ذُكره الله عز و جل عن نبيه ابراهيم عليه السلام لما بنى البيت ، دعا بدعوات عظيمة كان منها ذلك الدعاء : { ربنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك و يعلمهم الكتاب و الحكمة و يُزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم }, البقرة : 129
و ثالث المواضع التي تدل على عناية الشرع بأمر التزكية هو سورة الشمس ، ومن تأمل سورة الشمس ، أدرك عظيم هذه الغاية ، وخطورة هذه العبادة الجليلة ، فإن الله تعالى أقسم أحد عشر قسماً مُتتابعاً على أن فلاح النفس لا يكون إلا بتزكيتها ! ولا يُوجد في القرآن نظير لهذا ـ أعني تتابع أحد عشر قسماً على مُقْسَمٍ واحد ( قد أفلح من زكاها )ـ وهو ـ بلا ريب ـ دليل واضح ، وبرهان ساطع على خطورة هذا الموضوع .،، أطول قسم في القرآن يأتي من أجل هذه القضية ، و هى قضية تزكية النفس ؛ ذلك أن القلب إذا لم يزكو فكيف يتلقى الشرائع ، و كيف يمتثلها ، و كيف يضحي من أجل دينه ؟؟؟؟؟

و حتى يتبين لك هذا المعنى جيدا انظر إلى الذين ( عياذا بالله ) فُرغت قلوبهم من هذا المعنى الشرعي العظيم : كيف هى حالهم ؟ و كلما كان الإنسان أكثر كفرا و عنادا و جحودا كان أعظم بُعدا عن هذا المعنى الشرعي ؛ و لذلك كان سادات الذين تزكت نفوسهم هم الرسل و الأنبياء عليهم الصلاة و السلام ..

إذا اتضح لنا هذا المعنى تبين لنا سر من أسرار اهتمام أهل العلم رحمهم الله تعالى بهذا الجانب ،، و من قرأ مثلا كتاب الإمام ابن القيم ( رحمه الله تعالى) " مدارج السالكين " وجده يدور حول تحقيق مدارج العبودية التي تزكو بها النفس ،،، و لابن تيميه ( رحمه الله تعالى ) رسائل مستقلة كالتحفة العراقية و غيرها من الرسائل و الكتب ، هذا - فضلا عن كلامه المنشور في فتاواه - يجد عناية بالغة جدا بهذ الأمر ؛ أعني تزكية النفوس .. و من قرأ تراجم السلف رحمهم الله تعالى و كلماتهم و خصوصا في كتاب " حلية الأولياء " ، و أنصح بقراءة مُختصراته لأن الأصل لا يُناسب إلا أهل العلم ،،،،
أقول من قرأ في مًُختصراته وجد العناية الفائقة من قِبل أئمة السلف من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم و من التابعين و أتباعهم بهذا الامر العظيم ،،، فما أكثر حديثهم عن التقوى ،، و ما اكثر حديثهم عن الإخلاص ،، و ما أكثر حديثهم عن الخشية ,,,عن المُراقبة ،، عن التوكل ،،، عن الصدق ،، عن اليقين ،، في سلسلة عظيمة من الأخلاق التي هي قواعد يقوم عليها بناء النفس و تزكيتها ..

إن منطوق هذه القاعدة القرآنية : {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} يدل بوضوح أن أعظم أثر لهذه التزكية هو أثرها على نفسي المُتزكي ، ومفهومها يتضمن تهديداً : أنك إن لم تتزكَ يا عبد الله ، فإن أعظم مُتضرر بإهمال التزكية هو أنت .

ولئن كانت هذه القاعدة تعني كل مسلم يسمعها ، فإن حظ الداعيةِ وطالبِ العلم منها أعظم وأوفر ، لأن الأنظار إليه أسرع ، والخطأ منه أوقع ، والنقد عليه أشد ، ودعوته يجب أن تكون بحاله قبل مقاله . ولعظيم منزلة تزكية النفس في الدين ، كان الأئمة والعلماء المصنفون في العقائد يؤكدون على هذا الأمر بعبارات مختلفة ، ذكر شيخ الإسلام ابنُ تيميه رحمه الله جملةً من الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنّةِ ومن ذلك قولُه : "يأمرون بالصبر عند البلاء ، والشكرِ عند الرخاء ، ويدعون إلى مكارمِ الأخلاق ومحاسن الأعمالِ ، ويعتقدون معنى قولِه صلى الله عليه وسلم : "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خلقاُ" ،، ويأمرون بمعالي الأخلاق وينهون عن سفاسفها" انتهى .

وإنما نص أئمة الدين على ذلك ؛ لأن هناك تلازماً وثيقاً بين السلوك والاعتقاد :
فالسلوك الظاهرُ مرتبطٌ بالاعتقادِ الباطن ، فأيُّ انحرافٍِ في الأخلاقِ إنما هو من نقص الإيمان الباطن ،
قال ابنُ تيميه رحمه الله : (إذا نقصت الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ ، كانَ ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان ، فلاُ يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب ، أن تُعدم الأعمالُ الظاهرةُ الواجبةُ" ،، ينظر : مجموع الفتاوى 7/582، 616،621.
ويقول الشاطبيُّ رحمه الله : "الأعمالُ الظاهرةُ في الشرع دليلٌ على ما في الباطن ؛ فإذا كان الظاهرُ منخرماً أو مستقيماً حُكم على الباطن بذلك" ،، الموافقات 1/233.
فالسلوكُ والاعتقادُ مُتلازمان ، كذلك فإن من الأخلاقِ والسلوك ما هو من شُعَبِ الإيمان .

هناك سؤال يتبادر إلى الذهن ونحن نتحدث عن هذه القاعدة القرآنية : {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} كيف نزكي نفوسنا ؟ والجواب عن هذا يطول جداً ، لكنني أشير باختصار إلى أهم وسائل تزكية النفس ، فمن ذلك :
1-أعظم ما تُزكى به النفوس هو توحيد الله تعالى ، وقوة التعلق به .
2- مُلازمة قراءة القرآن ، وتدبره .
3- كثرة الذكر عموماً .
4- المُحافظة على الصلاة المفروضة ، وقيام الليل ولو قليلاً .
5- لزوم مُحاسبة النفس بين الفينة والأخرى .
6- حضور الآخرة في قلب العبد .
7- تذكر الموت ، وزيارة القبور .
8- قراءة سير الصالحين .

وفي مقابل هذا... فإن العاقل من يتنبه لسد المنافذ التي قد تفسد عليه أثر تلك الوسائل ( وسائل تزكية النفس ) ؛ لأن القلب الذي يتلقى الوسائل والعوائق موضع واحد لا يمكن انفصاله . إذن لا يكفي أن يأتي الإنسان بالوسائل بل لا بد من الانتباه إلى العوائق ، مثل : النظر إلى المُحرمات ، أو سماع المُحرمات ، اطلاق اللسان فيما لا يعني فضلاً عما حرم الله تعالى .
اسأل الله عز وجل أن يرحمنا و إياكم برحمته الواسعة ، و أن يرزقنا و إياكم زكاة قلوبنا و نفوسنا ..


و الحمد لله رب العالمين ، و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و صحبه ,,
جزاكم الله خيرا مراقبنا الفاضل
ابو الشيماء
سبحان الله نرى بعض الناس يقترف بعض المنكرات وعند تنبيهه لفعله يقول لك لا تسيء الظن بي فإن قلبي سليم
ومن هنا اقول لهم تمعنوا بقراءة العبارة التالية:

ويقول الشاطبيُّ رحمه الله : "الأعمالُ الظاهرةُ في الشرع دليلٌ على ما في الباطن ؛ فإذا كان الظاهرُ منخرماً أو مستقيماً حُكم على الباطن بذلك"

وفق الله الجميع للسير على الطريق الحق

...

__________________



بصمتك في المنتدى ستبقى حتى بعد رحيلك, فلتكن دوما في الخير وجدد النيّة لله تعالى عند كل تواجد, تكن من السعداء
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.45 كيلو بايت... تم توفير 0.67 كيلو بايت...بمعدل (2.47%)]