السلام عليكم و رحمة الله و بركاته..
الأخت الفاضلة-ورد جوري-
أولا أقر بتقصيري لهذا القسم،وأطلب من الله تعالى أن يتجاوز عنا.
-----
الدرس العاشر..
----
الحمد لله ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين ،لا سيما امهات المؤمنين والخلفاء الراشدين.
، وبعد :
هذه حلقة جديدة من برنامج (قواعد قرآنية) ، نقف فيها مع قاعدة من قواعد التعامل مع النفس ، ووسيلة من وسائل علاجها من أدوائها ، وهي في الوقت ذاته سلّمٌ لتترقى فيه النفس قي مراقي التزكية ، فإن الله تعالى قد أقسم أحد عشر قسماً في سورة الشمس على هذا المعنى العظيم ، فقال سبحانه : "قد أفلح من زكاها" ، تلكم القاعدة هي قول الله تعالى : {بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } .. القيامة : 14-15
والمعنى : أن الإنسان وإن حاول أن يُجادل أو يُماري عن أفعاله و أقواله التي يعلم من نفسه بطلانها أو خطأها ، واعتذر عن أخطاء نفسه باعتذارات ؛ فهو يعرف تماماً ما قاله وما فعله ، ولو حاول أن يستر نفسه أمام الناس ، أو يُلقي الاعتذارات ، فلا أحد أبصر ولا أعرف بما في نفسه منه .وتأمل ـ أيها المبارك ـ كيف جاء التعبير بقوله : "بصيرة" دون غيرها من الألفاظ ؛ لأن البصيرة مُتضمنة معنى الوضوح والحُجة ، كما يُقال للإنسان : أنت حجة على نفسك ! أو انت خصيم نفسك و العلم عند الله تعالى ..
و لهذه القاعدة القرآنية الكريمة مجالات كثيرة في واقعنا العام والخاص ، فلعنا نقف مع شيء من هذه المجالات ؛ علّنا أن نفيد منها في تقويم أخطائنا ، وتصحيح ما ندّ من سلوكنا ، فمن ذلك :
1- طريقة تعامل بعض من الناس مع النصوص الشرعية ! فلربما بلغ بعضَ الناس نصٌ واضح مُحكمٌ ، لم يختلف العلماء في دلالته على إيجاب أو تحريم ، أو تكون نفسه اطمأنت إلى حكمٍ شرعي ما في تلك المسألة ، ومع هذا تجد البعض يقع في نفسه حرجٌ ! ويُحاول أن يجد مدفعاً لهذا النص أو ذاك لأنه لم يُوافق هواه !
يقول ابن القيم رحمه الله : "فسبحان الله ! كم من حزازة في نفوس كثير من الناس من كثير من النصوص وبودهم أن لو لم ترد ؟ وكم من حرارة في أكبادهم منها ، وكم من شجى في حلوقهم منها ومن موردها ؟ " .. الرسالة التبوكية .
ولا ينفع الإنسان أن يُحاول دفع النصوص بالصدر فإن الإنسان على نفسه بصيرة ، وشأن المؤمن أن يكون في هذا المقام كما قال ربنا تعالى : {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.. النساء : 65
يقول ابن الجوزي ( رحمه الله ) ، في كتابه الماتع الذائع الرائع (صيد الخاطر ) وهو يحكي مشاعر إنسان يعيش هذه الحال مع النصوص الشرعية ـ:
"قدرتُ مرة على لذة ظاهرها التحريم ، وتحتمل الإباحة ، إذ الأمر فيها مُتردد ، فجاهدت النفس فقالت : أنت ما تقدر فلهذا تترك ! فقارِبِ المقدورَ عليه ، فإذا تمكنتَ فتركتَ ، كنت تاركاً حقيقة ! ففعلتُ وتركتُ ، ثم عاودت مرة أخرى في تأويل أرتني فيه نفسي الجواز ـ و إن كان الأمر يحتمل ـ فلما وافقتها أثّر ذلك ظلمه في قلبي ؛ لخوفي أن يكون الأمر مُحرماً ، فرأيت أنها تارةً تقوى عليّ بالترخص والتأويل ، وتارةً أقوى عليها بالمُجاهدة والامتناع ، فإذا ترخصتُ لم آمن أن يكون ذلك الأمر محظوراً ، ثم أرى عاجلاً تأثير ذلك الفعل في القلب ، فلما لم آمن عليها بالتأويل ،... إلى أن قال رحمه الله : فأجود الأشياء قطع أسباب الفتن ، وترك الترخص فيما يجوز إذا كان حاملاً ومؤدياً إلى ما لا يجوز " .. صيد الخاطر : (152)
2ـ ومن مجالات تفعيل هذه القاعدة ـ في مجال التعامل مع النفس : أن مِنَ الناس مَنْ شُغف ـ عياذاً بالله ـ بتتبع أخطاء الناس وعُيوبهم ، مع غفلة عن عيوب نفسه ، كما قال قتادة (رحمه الله ) في تفسيره لهذه الآية : {بل الإنسان على نفسه بصيرة} .. قال : إذا شئت والله رأيته بصيراً بعيوب الناس وذنوبهم ، غافلاً عن ذنوبه ..تفسير ابن جرير .. وهذا ـ بلا ريب ـ من علامات الخُذلان ، كما قال بكر بن عبدالله المُزني ( رحمه الله ) : إذا رأيتم الرجل مُوكلاً بعيوب الناس ، ناسيا لعيبه ، فاعلموا أنه قد مُكِرَ بِهِ .
ويقول الشافعي ( رحمه الله ) : بلغني أن عبدالملك بن مروان قال للحجاج بن يوسف : ما من أحد إلا وهو عارف بعيوب نفسه ، فعِب نفسك ولا تخبىء منها شيئاً .. حلية الأولياء ( 9/146 ) ، ولهذا يقول أحد السلف : أنفع الصدق أن تقر لله بعيوب نفسك .. حلية الأولياء (9/282) ..
3-ومن مواضع تطبيق هذه القاعدة أن ترى بعض الناس يُجادل عن نفسه في بعض المواضع ـ التي تبين فيها خطؤه ـ بما يعلم في قرارة نفسه أنه غير مُصيب ، فيعتذر عن نفسه بأعذار ويُجادل عنها ، وهو يبُصرها بخلاف ذلك .. و هذا ما لا ينبغي البتة .
4 ـ ومن دلالات هذه القاعدة الشريفة : أن يسعى المرء إلى التفتيش عن عيوبه ، وأن يسعى في التخلص منها قدر الطاقة ، فإن هذا نوع من جهاد النفس المحمود ، وأن لا يركن الإنسان إلى ما فيه من عيوب أو أخطاء ، بحجة أنه نشأ على هذا الخُلق أو ذاك ، أو اعتاد عليه ، فإنه لا أحد من الناس أعلم منك بنفسك وعيوبها وأخطائها وذنوبها ، وما تُسره من أخلاق .
وإليك هذا النموذج المُشرق من حياة العلامة ابن حزم ( رحمه الله ) حيث يقول ـ في تقرير هذا المعنى :
"كانت فيَّ عيوب ، فلم أزل بالرياضة ( يعني : ترويض النفس ) واطلاعي على ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم ، والأفاضل من الحكماء المُتأخرين والمُتقدمين ـ في الأخلاق وفي آداب النفس ـ أعاني مُداواتها ، حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومَنّه ، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمّة الحقائق هو الإقرار بها ، ليتعظ بذلك مُتعظ يوماً إن شاء الله . ثم ساق الإمام ابن حزم جملة من العيوب التي كانت فيه ، وكيف حاول التغلب عليها ، ومقدار ما نجح فيه نجاحاً تاماً ، وما نجح فيه نجاحاً نسبياً ... رسائل ابن حزم (1 / 354) ..
5- ومن مواطن استفادة المؤمن من هذه القاعدة أن الإنسان ما دام يُدرك أنه أعلم بنفسه من غيره ، وجب عليه أن يتفطن إلى أن الناس قد يمدحونه في يومٍ من الأيام ، بل قد يُفرطون في ذلك ، وفي المُقابل قد يسمع يوماً من الأيام من يضع من قدره ، أو يخفض من شأنه بنوع من الظلم والبغي ، فمن عرف نفسه لم يغتر بمدحه بما ليس فيه ، ولم يتضرر بقدحه بما ليس فيه ، بل العاقل يستفيد من ذلك بتصحيح ما فيه من أخطاء وزلات ويسعى لتكميل نفسه بأنواع الكمالات البشرية قدر المستطاع .
6- وخاتمة هذه المجالات التي يُمكن الاستفادة منها في ظل هذه القاعدة القرآنية الشريفة :: أن من أكبر ثمرات البصيرة بالنفس ، أن يُوفق الإنسان إلى الاعتراف بالذنب والخطأ ، وهذا مقام الأنبياء والصديقين والصالحين ، وتأمل في قول أبوينا ( عليهما الصلاة و السلام ) ـ حين أكلا من الشجرة ـ: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الأعراف: 23 ] ، ثم نقرأ في القرآن الكريم اعتراف نوح وموسى عليهما السلام في سلسلة مُتتابعة من الإعترافات بالذنب كان من آخرها ما أثبته القرآن عن أولئك المُنافقين الذين اعترفوا بذنوبهم فسلموا فتِيب عليهم ، قال تعالى : {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .. التوبة : 102 ،،،، "فعلم أن من لم يعترف بذنبه كان من المنافقين" .. الصارم المسلول - (1 / 362) .
ومع توديعة الختام أهمس :
أقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه *** عنك فإن جحودَ الذنب ذنبانِ
أسأل الله تعالى أن يُبصرنا بعيوبنا ، وأن يقينا شح أنفسنا .