مواقف من السنة المطهرة
ومن أهم المواقف التي تثبت عدم سريان قانون الإمكانيات مع رسوخ عقيدة الإيمان والتوكل على الله في العهد النبوي، موقف الصحابة في غزوة مؤتة.
فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمانٍ من الهجرة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة. وقال: إن أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب على الناس. فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة على الناس.
فتجهز الناس، ثم تهيئوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسلموا عليهم. ثم مضوا حتى نزلوا مكانا قريبا من أرض الشام. فبلغ الناس أن هرقل زعيم الروم، إحدى أكبر إمبراطوريتين في ذلك الوقت، قد نزل بالقرب منهم في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من القبائل القريبة مائة ألف آخرين. مائتي ألف في مواجهة ثلاثة آلاف!! وإمبراطورية عريقة ضالعة في الحروب في مواجهة دولة فتية ناشئة لم تثبت أركانها بعد!!
فلما بلغ ذلك المسلمين، أقاموا في مكانهم ليلتين يفكرون في أمرهم. وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له. فوقف عبد الله بن رواحة يشجع الناس، وقال: يا قوم! والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة. فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس. وذهبوا للقاء عدوهم.
أرأيت إلى قول عبد الله بن رواحة: وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. هذا هو سر الحرب لدى المسلمين.
ولنتابع بقية القصة.
ثم بدأت المعركة. فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى استشهد برماح القوم. فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب يقاتل تحت لوائها. وقد أخذ جعفر الراية بيمينه، فقطعت. فأخذها بشماله، فقطعت. فاحتضنها بعضديه، حتى قُتل رضي الله عنه. فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. ويقال إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين.
فلما استشهد جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الراية ثم تقدم بها، وهو على فرسه. فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد. ثم حسم أمره وتقدم نحو العدو. فلما كان في طريقه نحو العدو، أتاه ابن عم له بعرق من لحم. فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت. فأخذه من يده، ثم انتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس. فقال لنفسه: وأنت في الدنيا!! يريد أن المعركة حامية وهو مازال بأكله عرق اللحم هكذا يفكر في الدنيا! ثم ألقى عرق اللحم من يده، وأخذ سيفه فتقدم فقاتل حتى قُتل.
ثم أخذ الراية أحد المسلمين، وقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القوم وحاول تثبيت مواقع الجيش حتى نزول الظلام. فلما أصبح بدأ في إعادة ترتيب جيشه: فجعل مقدمة الجيش مكان ساقته، وساقة الجيش مكان مقدمته. وميمنة الجيش مكان ميسرته، وميسرة الجيش مكان ميمنته. فلما رأى الروم جيش المسلمين بهذه الهيئة، أنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئاتهم. وقالوا: قد جاءهم مدد! وهم قد كانوا رأوا الأعاجيب من هذه القلة التي تقاتلهم، فما بالك بمدد يأتيهم ليشد أزرهم. فرُعبوا وانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم.
فأين كانت الإمكانيات التي قاتل بها المسلمون في هذه الموقعة؟!!
بل قد تكون الوفرة في العدد والعدة سببا في نزول الهزيمة
بالمسلمين، إذا تمسكوا بأسبابها ولم يتجهوا إلى حول الله وقوته.
وأكبر دليل على ذلك ما شهدته غزوة حنين في بادئ الأمر من هزيمة ماحقة للمسلمين حين اتكلوا على أنفسهم. فلما فاءوا إلى الله وتمسكوا بحبله، أنزل نصره وسكينته على المؤمنين. وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ اْلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ ] التوبة: 25 [ ، يُعلم تبارك وتعالى أن النصر ليس على كثرة العدد ولا بلبس اللأمة والعِدد، وإنما النصر من عنده تعالى. كما قال تعالى: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ ] البقرة: 245 [ .