ضاع كل شيء:
لقد ضاع كل شيء، ضاع تعبي ولهثي وراء المال، لقد انشغلت بتأمين مستقبل أولادي في الدنيا ونسيت تأمين مستقبلي ومستقبلهم الحقيقي هنا في القبر، وهناك في دار الخلد..
لقد اتضح لدي الآن بعد أن انكشفت الغشاوة عن عيني، ورأيت الدنيا على حقيقتها، أن مفهومي للمستقبل لم يكن صحيحًا.. فالمستقبل الحقيقي للإنسان يبدأ بعد الموت، فمهما جمع من مال في الدنيا فسيتركه، ومهما أحب من شيء فيها فسيفارقه... أما الذي يبقى فهو الطاعات {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46].
فوامصيبتاه على ما ضاع مني من فرص لتأمين مستقبلي الحقيقي، وواحسرتاه على ثواب صلاة الجماعة الذي فاتني[14].
ويا خيبة أملي عندما ضاعت مني فرصة بناء بيت في الجنة بصلاة اثنتى عشرة ركعة كسنن رواتب للصلوات الخمس[15].
ويا عظيم خسارتي عندما فاتتني فرصة التبكير لصلاة الجمعة[16].
لم أستفد بتحصيل ثواب حجة وعمرة تامتين حين لم أجلس في المسجد أذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس ثم أصلي ركعتين بعدها[17].
ضاعت مني فرصة صيام التطوع، فكل يوم يصومه العبد يباعد بينه وبين النار سبعين خريفا[18].
يا خيبة أملي في أولادي، لقد تركوني وحيدًا، ولما أجد أثرًا لدعائهم لي كأنهم نسوا أني أبوهم وأحتاج إلى دعائهم.
الاستثمار النافع:
ليتني أنفقت الكثير مما كان يزيد عن حاجتي من المال في سبيل الله، فهذا هو الرصيد الحقيقي الذي ينفع العبد... لقد ضاعت مني فرصة استثمار مالي عند الله... لقد كان المقابل سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء.. كيف كنت غافلًا عن هذا الخير العميم؟!
أي غشاوة تلك التي كانت على عيني؟! وأي صدأ كان على قلبي؟!
القرآن مليء بالآيات التي تحثنا على الإنفاق في سبيل الله رحمة بنا وتأمينًا لمستقبلنا، لقد استقرضني الله عز وجل ليطفئ بإنفاقي خطاياي، وينوِّر قبري، ويظلني بظل هذا الإنفاق يوم القيامة، ولكني أبيت إلا إمساك المال، فنفسي كانت تخوفني دائمًا من الفقر والمجهول... فأي تعاسة وأي كرب، وأي ندامة أشعر بها وأنا أتذكر قول الله عز وجل: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } [الحديد: 11].
يا مصيبتاه على تضييعي لوقتي دون ذكر الله، فالذكر عبادة خفيفة لا تحتاج إلى كثير معاناة.
يا حسرتاه على القرآن الذي تركته مهجورًا، فلم أداوم على قراءته ولم أتدبر معانيه أو أتخلق بها، وضيعت على نفسي فرصة عظيمة للتغيير الحقيقي الذي يُرضي الله عز وجل.. لقد سهرت ليال كثيرة من أجل الحصول على شهادات تنفعني في الدنيا لتخدم سيرتي الذاتية، ولم أشأ أن أتعب نفسي لنيل شهادة القرآن، والتي يمتد نفعها إليَّ هنا في قبري، بل وهناك في دار الخلد حيث يأتي القرآن شفيعًا لصاحبه الذي كان يعمل به.
يا ليتني قدمت لحياتي:
ليتني استبدلت المصايف التي كنت حريصًا على مداومة التنزه فيها بالسفر إلى بيت الله الحرام لأداء الحج والعمرة فأكفِّر عن سيئاتي، وأجلو الصدأ عن قلبي، وأزوده بالتقوى والإيمان[19].
ليتني اتبعت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم... ماذا سأقول له حينما أراه يوم القيامة..
ليتني قمت بواجب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشاركت العاملين للإسلام عملهم في سعيهم لتحكيم شرع الله في سائر شئون الحياة.
ليتني استمعت لنصيحة سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام عندما قال: "الكيِّس من دان نفسه، وعمل لَما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله"[20].
يا ليتني قدمت لحياتي