لنكمل الحديث عن امنا خديجة رضى الله عنها
ويقول عنها الرسول – صلى الله عليه وسلم – "أمنتبي حين كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقنيالله منها الولد دون غيرها من النساء".
وقال عنها نبينا – صلى الله عليه وسلم – "خيرنساء العالمين أربعة، مريم ابنة عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنتخويلد، وفاطمة بنت محمد".
-كرم وإيثار:
كانت تضحي بكل ما تملك وتحب من أجل إسعاد زوجها فقد أحسَّت بأنالحبيب المصطفى يحب مولاها زيد بن حارثة فوهبته له.
ولما شعرت بتأثر النبي وضرعه – صلىالله عليه وسلم – على أمه فيالرضاع – حليمة السعدية – لسوء وضيق العيش عندها أعطتها عن طيب نفس أربعين رأسًا منالغنم وبعيرًا تحمل عليه الماء إرضاءً لزوجها محمد – صلى الله عليه وسلم – وكان قلبخديجة قد تأثر بعاطفة الرسول وهو وينادي حليمة في لهفة وحنان "أمي، أمي".
وحين قاطعت قريش المسلمين وحاصرتهم في الشعب كانت تمدهم بالطعاموالشراب خفية بعيدًا عن الرقباء حتى انكشف الأمر ودار بين غلمانها والمشركين قتال.
السيدة خديجة الفطنة ورجاحةالعقل:
ومن شواهد فطنتها وسلامة فطرتها حادثة إلقاء قناعها عند مجيء جبريلعليه السلام وإيقانها أن هذا ملك كريم، وليس شيطانًا رجيمًا، روى ابن الأثير في "أسد الغابة" قول خديجة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -: يا ابن عم، هل تستطيعأن تخبرني بصاحبك الذي يأتيك إذا جاءك؟ تقصد جبريل عليه السلام، قال: نعم، فبينمارسول الله – صلى الله عليه وسلم – عندها إذ جاءه جبريل، فقال رسول الله – صلى اللهعليه وسلم – هذا جبريل قد جاءني، فقالت: أتراه الآن؟ قال: نعم، قالت: اجلس على شقيالأيسر، فجلس فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعم، قالت: فاجلس على شقي الأيمن فجلس،فقالت: هل تراه الآن؟ قال: نعم، قالت: تحول فاجلس في حجري، فتحول رسول الله – صلىالله عليه وسلم – فجلس، فقالت: هل تراه؟ قال: نعم، فتحسرت (كشفت رأسها) وألقتخمارها فقالت: هل تراه؟ قال: لا، قالت: ما هذا شيطان، إن هذا لملك يا ابن عم ،اثبت وأبشر.
ومن هنا زاد قدر خديجة عند الله تعالى، وعند رسوله – صلى الله عليهوسلم – ولذلك بشرها جبريل ببيت في الجنة من قصب – وهو اللؤلؤ المجوف – لا نصب فيهولا صخب.
وليس شيء يدل على الحكمة والفطنة عند المرأة من أنها تختار عندالزواج وتبحث عن الأمانة والقلب السليم وغنى النفس وثراء الضمير، وكمال الرجولةوشرف المروءة وسلامة الطبع معرضة عن الغنى المادي والعرض الزائل فقد اختارت خديجة – رضي الله عنها – محمدًا وهو أحدث منها سنًا فضلاً عن قلة ماله وعدم رياسته ومكانتهآنذاك، وقد أحسنت الاختيار لضمان استمرار الحياة الهنية ووفقت بإرسال ميسرة مع محمدفي سفره ليختبر سلوكه حيث يكشف السفر عن المعدن والأخلاق والأصالة دون قناع أو ستارفرآه في كل أحواله مثلاً نادرًا وفريدًا فعرضت نفسها عليه دون كبر أو خجل، ثم غمرتهبعد ذلك بحنانها وحبها وطاعتها وما كان الرسول ليقبلها حتى ولو ملكت أبهى الجمالوالمال لولا ما رآه فيها من الفطنة ورجاحة العقل وشريف الخصال، وحميد الفعال، وعفةالمئزر، وسلامة الجوهر، وعراقة المنبت.
السيدة خديجة وموقفها منالوحي:
اختارت سيدة نساء الأمة محمدًا دون أن تعلم ما يكنه له الغيب منمكانة ومقام سيرتفع على رؤوس العالمين، ثم تزوج النبي – صلى الله عليه وسلم – باقيأمهات المؤمنين بعد نبوته ومجيئه بالرسالة، فكن يدركن شرف الانتساب إليه حيث ستصبحزوجة نبي مبعوث من قبل الله – عز وجل – وستكون أمًا لجميع المؤمنين، أما خديجة فقداختارت الإنسان المجرد من أي وجاهة دينية أو دنيوية.
لقد صدقت معه قبل الوحي فقوت ظهره وأعانته على حياته الطاهرة النقيةالبعيدة عن الأوثان والخمر والميسر والمجون واللغو والشهوات، وكانت له سندًاومعينًا في حياة التجرد والتأمل والبعد عن الصخب وضوضاء الحياة.
كانت تهيئ له الزاد كل عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء، ولو كانالأمر لعاطفتها لما رضيت – كامرأة – أن يغيب عنها ليلة، فكيف بالليالي العديدة وقدساعدته خديجة وشاركته بتوفير الهدوء والراحة والإشراف على الأولاد ولم تشعره بضيقولا ضجر مدة حياة التأمل والتجرد والانقطاع عن الناس وملازمته الغار حتى أتاه جبريلعليه السلام بالوحي، وبعد لقاء جبريل عاد النبي – صلى الله عليه وسلم – مرتجفًا وهويقول: زملوني زملوني، دثروني دثروني فطمأنته بثقة ويقين وقالت: "والله ما يخزيكالله أبدًا، أبشر واثبت فإنك تصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوموتصدق الحديث وتعين على نوائب الدهر، وإني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة" وطمأنتفؤاده - صلى الله عليه وسلم – وأخذته إلى ورقة بن نوفل وقد تنصر في الجاهلية فقبلرأس محمد وأخبره بأنه نبي هذه الأمة وقال: ليتني أكون حيًا فأنصرك، ولما سأل