عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-05-2012, 02:20 PM
الصورة الرمزية فريد البيدق
فريد البيدق فريد البيدق غير متصل
مشرف ملتقى اللغة العربية
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 873
افتراضي رد: التفرقة العنصرية تقرها الديمقراطية الغربية وتمنعها الإسلام


8- الإسلام والتفرقة العنصرية:
لقد تحدثت لك طويلا عن هذه المشكلة بمفهومها ومظاهرها آثارها وتاريخها؛ لتكون على بينة من الأمر حيث تحكم عليها من واقع نصوص دينك، ولتعرف بوضوح أن الإسلام دين حق جاء بأرقى التشريعات لأرقى الأمم ولأرقى العصور، ومن المعروف أن صدق النتائج مرهون بصدق المقدمات، وأن الحكم الصحيح يلزمه التصور الواضح للمحكوم عليه. ولعلمي بأن العالم الإسلامي يملك رصيدا ضخما من النصوص الدينية بخصوص هذه المشكلة أحببت أن أعطيه بعض الرصيد من المعرفة العامة نحوها، فلخصت له كثيرا من الأبحاث والكتب حول هذه القضية، ولعل ما قدمته يكون فيه غناء له يوفر عليه جهدا كبير.
ولهذا سيكون حديثي عن موقف الإسلام من هذه القضية يميل إلى الاختصار والتركيز، معتمدا على أن مراجع البحث الديني كثيرة، والاطلاع عليها ميسر لكثير من المهتمين بهذا الموضوع. وحديثي سيكون في نقطتين هامتين: إحداهما عن الفلسفة التي قام عليها موقف الإسلام من رفضه للتفرقة العنصرية، وثانيتهما إيراد بعض المظاهر التطبيقية لهذه النظرة الإنسانية التي نظر بها الإسلام إلى البشر على اختلاف مستوياتهم.
فلسفة الإسلام في رفضه للتفرقة العنصرية:
(أ) قرر الإسلام أن الناس جميعا مخلوقون من أصل واحد هو التراب، قال تعالى: "وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا"، "ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا" [نوح: 17، 18]، وقال: "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى" [طه: 55]. وجعل حياتنا كلها، ونشاطنا في جميع المجالات مرتبطا بالأصل الذي خلقنا منه وهو الأرض، ووثق صلتنا بكل ما يعيش عليها من حيوان ونبات، فهى أمنا جميعا، ونحن لها أبناء؛ لم يخلق واحد منا من غير تربتها، ولم يعش واحد منا على غير خيرها، ولم يدفن واحد منا في غير بطنها.
(ب) قرر الإسلام أيضا أننا مولودون من أب واحد هو آدم، فنسبنا جميعا واحد، ونحن إخوة في هذه الأسرة الإنسانية الواسعة، وإذا كان لبعض أفرادها نوع امتياز بلون أو شكل أو نشاط فذلك لا يغض من قيمته في أنه يشكل ركنا أساسيا في تآلف هذه المجموعة وتضامنها في عمارة الكون وتحقيق الخلافة في الأرض، كما يعبر بعض الكاتبين عن ذلك بقوله: الإنسانية كلها حديقة كبيرة تختلف ألوان أزهارها وما يفوح منها من عطر دون أن يكون للون أو رائحة انفصال عن الآخر في إبراز بهجة هذه الحديقة، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ" [النساء: 1]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنما هو مؤمن تقي، وفاجر شقي. الناس بنو آدم، وآدم خلق من تراب" رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
(ج) قرر الإسلام أن الناس جميعا مخلوقون لخالق واحد هو الله سبحانه، فمبدؤهم منه خلقا، ونهايتهم إليه بعثا وحسابا "فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" [يس: 83]، "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ" [الروم: 40]، فهو وحده المحيي والرازق والمميت والمعيد للنشور، وكانا مدينون له بهذا كله وليس له شريك فيه، سواء أقر بذلك المؤمنون أم جحد الملحدون. ومن هنا لا يكون لأحد منا فضل على الآخر في هذه النواحي الجامعة لمسيرة الحياة من مبدئها إلى منتهاها وما يجري بينهما.
(د) جعل الإسلام الناس موزعين إلى مجموعات نسبية على الرغم من اتفاقهم في هذه الأصول، وذلك ليتميز بعضهم عن بعض، ولتعرف الحقوق وتحدد الواجبات، ويسهل تنظيم أمر الجماعة. فهذا الإجراء تنظيمي بحت لا يمس جوهر المساواة الحقيقية في الأصول المذكورة، وهذا التوزيع نعمة من نعم الله؛ لأنه مقتضى النظام، والنظام تستريح له النفس ويطمئن إليه القلب، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" [الحجرات: 13].
كما أن تقسيم الشعوب إلى ألسنة وألوان دليل على قدرة الله وتمام إرادته واختياره في خلقه "وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ" [الروم: 23].
(هـ) جعل الإسلام هناك تفاوتا في المعاملة بين البشر لا على الجنس أو اللون أو اللسان، بل على أساس الكمالات النفسية والأخلاق الطيبة والعمل الصالح القائم على الإيمان بالله. فالطبيعة البشرية واحدة، وإن كان هناك اختلاف فهو لأمور عارضة كتأثير البيئة، وعدم إتاحة الفرصة للبعض أن يكمل نفسه. وحارب الإسلام أن يكون هناك تفاوت في المعاملة على غير هذا الأساس كما تدل عليه آية الحجرات السابقة، وحديث "من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه" رواه مسلم. وحديث "ليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية" رواه أبو داود. وحديث "الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" رواه البخاري ومسلم. والنصوص في ذلك كثيرة.
تطبيقات عملية للقضاء على التفرقة العنصرية:
من التطبيقات العملية لجعل التفضيل بين الناس على أساس المزايا الدينية والخلقية بعيدا عن اعتبار الجنس والنسب تساوي الناس في التوجه إليهم بالخطاب للقيام بالتكاليف الدينية ووقوفهم متساويين في الصلاة أمام الله دون تمييز طبقي أو عنصري بينهم، وأداؤهم لشعائر الحج مجردين عن كل مظهر من مظاهر التفرقة التي كان الناس على أساسها يفرقون بين قبيلة وقبيلة، ومن ذلك وقوفهم جميعا بعرفة بعد أن كان بعضهم في الجاهلية يقف في المشعر الحرام "ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ" [البقرة: 199].
ومنها أن أعظم المناصب الدينية في المسجد النبوي كانت بين محمد القرشي وبلال الحبشي، فالنبي للإمامة وبلال للأذان.
ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم عن سلمان: "سلمان منا أهل البيت" مع أنه فارسي، لكن شرفه عمله وإيمانه وإخلاصه، وذلك لما رأى المسلمون قوته في حفر الخندق، وقال المهاجرون: "سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا" الزرقاني على المواهب.
ولما ضرب مسلم مشركا يوم أحد وقال: "خذها وأنا الغلام الفارسي"، نهاه النبي عن هذا القول الذي يشعر بالعصبية الجاهلية، وأرشده إلى قول مستمد من وحي الدين فقال له: "هلا قلت: وأنا الغلام الأنصاري" رواه مسلم.
ومنها توليته زيد بن حارثة قيادة الجيش، وكذلك تولية ابنه أسامة أيضا، وفي جندهما كان خيار المسلمين من العرب، وزيد كان رقيقا ثم أعتقه النبي وزوجه من زينب القرشية التي صارت بعد ذلك من أمهات المؤمنين.
ومنها قوله: "اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". رواه البخاري. وتطبيقا لذلك قال عمر: "والله لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما جعلتها شورى"، أي لأسندت الخلافة إليه. وسالم هذا كان مولى لأبي حذيفة، وأمر أن يتولى الصلاة بالناس صهيب الرومي، وكان صهيب عبدا أسر في بلاد الروم ثم بيع في بلاد العرب.
وتزوج بلال من أخت عبد الرحمن بن عوف وهي قرشية. وأعتق الحسين بن علي جارية ثم تزوجها، وعندما علم معاوية بذلك عاب عليه، فرد عليه الحسين بقوله: "قد رفع الله بالإسلام الخسيسة ووضع عنا به النقيصة، فلا لوم على امرئ مسلم إلا في أمر مأثم وإنما اللوم لوم الجاهلية".
وقد كان أكثر العلماء الأفذاذ الذين خدموا الإنسانية من غير العرب، ومن العناصر المختلفة والألوان المتباينة التي صهرها الإسلام في بوتقته وأخرج منها نماذج موحدة للمسلم الكامل الذي يردد هذا الشعار:
أبي الإسلام لا أب لي سواه **إذا افتخروا بقيس أو تميم
(ذكر ابن الأثير في كتابه الباعث الحثيث): روى مسلم "أن عمر رضي الله عنه لما تلقاه نائب مكة أثناء الطريق في حج أو عمرة قال له: من استخلفت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من الموالي، قال عمر: أما إني سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يرفع بهذا العلم أقواما ويضع به آخرين".
وذكر الزهري أن هشام بن عبد الملك قال له: من يسود مكة؟ فقلت: عطاء، قال: فأهل اليمن؟ قلت: طاوس، قال: فأهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فأهل خراسان؟ قلت: الضحاك بن مزاحم. قال: فأهل البصرة؟ قلت. الحسن بن أبي الحسن. قال: فأهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي. وذكر أنه كان يقول له عند كل واحد: أمن العرب أم من الموالي؟ فيقول: من الموالي. فلما انتهى قال: يا زهري، والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب من تحتها. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه؛ فمن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.
وأخبار المساواة في الحقوق والواجبات والمعاملة وأمام القضاء كثيرة مشهورة، من أبرزها حادث المخزومية التي أراد أسامة أن يتشفع في إسقاط حد السرقة عنها، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت يدها" رواه البخاري ومسلم.
ومن الأحاديث الواردة في الأخوة الإسلامية الجامعة "المسلم أخو المسلم" رواه مسلم. وحديث "المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
حتى إن اختلاف الدين لم يكن مانعا من تحقيق المساواة ونبذ التفرقة، فهناك رابطة إنسانية عامة تعلو على العقائد، قال تعالى: "لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة: 8].
وقد تولى هؤلاء مناصب عدة في الدول الإسلامية، وأفاد المسلمون من علمهم وخبرتهم على ما هو مذكور في كتب التاريخ، وقد ورد "أن النبي صلى الله عليه وسلم قام لجنازة، ولما قيل له: إنها جنازة يهودي قال: أليست هي نسمة" رواه البخاري ومسلم.
ولأجل أن يحمل الناس على نبذ العصبية المقيتة، وعلى التزام العدل في المعاملة حتى مع المخالفين في العقيدة قرر أن الأنبياء إخوة من علات، ومنع تفضيله على أحد من الأنبياء، على الرغم من أنه سيد ولد آدم، كما قرر القرآن وجوب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل دون تفريق بين أحد منهم.
9- نظرة الإسلام إلى الرق:
يظهر موقف الإسلام جليا في محاربته للتفرقة العنصرية في تشريعه الحكيم لإبطال الرق يتمثل في ثلاثة إجراءات رئيسية وهي:
(أ) تضييق باب الرق الذي كان متسعا جدا قبل الإسلام، من حرب وخطف وشراء وغير ذلك، وحصره في مورد واحد هو الأسر في الحروب المشروعة إذا رأى الإمام أن يضرب الرق على الأسرى. والأسر مبدأ معمول به قديما وحديثا، وله أثره عند التصالح وتبادل الأسرى، ولم يكن الشراء طريقا لامتلاك الرقيق إلا في عهد معاوية كما قال المحققون.
(ب) فتح الأبواب الواسعة لتحرير الرقيق، وإيجاد منافذ كثيرة للانطلاق من الرق إلى الحرية، فحثت النصوص على العتق في كثير من الأحاديث، وجعلته كفارة لكثير من الأخطاء كالقتل الخطأ والإفطار في رمضان والحنث في اليمين والظهار، وشجع على مكاتبة الرقيق وتيسير دفع ما يلزمه. وأباح التسري بالإماء دون تحديد بعدد، وليس هذا إطلاقا للمتعة الجنسية بل للحصول على حرية الإماء إذا حملن من السادة وولدن؛ فإنهن يعتقن بعد موتهم. وكذلك ليسري الدم العربي إلى غيره من الأجناس الأخرى التي كان منها الأسرى.
(ج) الأمر بالإحسان إلى الرقيق حتى تحين الفرصة لعتقه، والوصايا في ذلك كثيرة يكفي منها مراعاة شعوره، فلا يقال له: عبدي أو أمتي، بل يقال: فتاي وفتاتي، أو غلامي وجاريتي كما رواه مسلم. وإكرامه في مطعمه وملبسه كما في الحديث "هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس. ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" رواه البخاري ومسلم، وعندما سمع النبي أبا ذر يعير رجلا بأمه السوداء فقال له: "إنك امرؤ فيك جاهلية". كذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ظلمه، فقد سمع أبا مسعود يضرب غلامه فقال له: "الله أقدر منك عليه"، فكفَّر أبو مسعود عن ذنبه بعتقه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: "لو لم تفعل للفحتك النار" رواه مسلم.
هذا، وإذا كان الإسلام يضرب أروع الأمثلة في احترامه لآدمية الإنسان عن طريق الإحسان إلى الرقيق فإنه من غير شك يراعي هذا التكريم مع من لا يملك الإنسان رقبته، بل يملك رعايته وتوجيهه لا غير، وذلك كحال الرعايا في البلاد الإسلامية من الأديان المختلفة؛ لقد قال عمر بن الخطاب في توجيه عماله أي حكام البلاد المفتوحة: "إني لم أرسل إليكم عمالا ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنتكم، فمن فعل به سوى ذلك فليرفعه إلي. فوالذي نفسي بيده لأقصنه منه"، وقد اقتص للقبطي من ابن عمرو بن العاص على ملأ من الناس، وقال كلمته الخالدة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" سيرة عمر لابن الجوزي ص 67، 70.
وكل ذلك من وحي وصية الإسلام بأهل الذمة، ففي الحديث "من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس- فأنا حجيجه يوم القيامة" رواه أبو داود. وقال أيضًا: "إن الله لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم إذا أعطوكم الذي فرض عليهم" رواه البغوي. .
10 ـ رد بعض الشبهات:
(أ) قد يقول قائل: إذا كان الإسلام ينبذ التفرقة العنصرية فلماذا توجد تفرقة في معاملة بعض الناس، كجعل نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين في الميراث وجعل شهادته بشهادة امرأتين؟
والجواب أن هذه التفرقة في المعاملة ليست على أساس عنصري مما يتعامل على أساسه المستعمرون اليوم، وإنما هي لاعتبارات قائمة على المواهب والاستعدادات، والحياة البشرية لا بد أن يكون فيها تفاوت في ذلك لتترتب عليها آثار مناسبة، وهذا هو مقتضى العدل، قال تعالى: "أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ"، "مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" [القلم: 35، 36]، وقال: "أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ" [ص: 28]، وقال: "وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا" [الأحقاف: 19]، وقال: "وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ" [النساء: 32].
وبخصوص المثال السابق في الميراث والشهادة بالنسبة للرجل والمرأة قال العلماء: إن الرجل هو الذي يتولى الإنفاق عليها من نصيبه، وهو لا يمس نصيبها مطلقا في هذا الشأن؛ فهو محفوظ لها تتصرف به في أمورها الخاصة كيف تشاء على أن إثبات حقها في الميراث بوجه عام هو دليل مساواتها له في مطلق الحق، أما التفاوت فيه فهو أمر يقتضيه نظام الحياة. وكون شهادتها على النصف من شهادة الرجل بين حكمته قول الله تعالى: "فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى" [البقرة: 282]، ومراعاة طبيعتها البشرية أمر لا بد عليه، كما لا يعاب به أحد، على أن شهادتها في بعض الأحيان هي المعتمدة دون الرجل كمسائل الرضاع والبكارة والعيوب الداخلية للمرأة.
(ب) وقد يقال أيضا: إذا كان الإسلام لا يقر التفرقة العنصرية فلماذا رأينا بعض الولاة يخالفون ذلك، كما حدث في الدولة الأموية التي قلدت الوظائف الهامة للعرب دون العجم؟
والجواب أن عمل هؤلاء لا يُعد تشريعا يناقض التشريع المعتبر في مصادره المعروفة، وقد تكون هناك ظروف جعلت هؤلاء الولاة يتخذون هذا الإجراء، وذلك كعدم اطمئنان العرب إذ ذاك إلى العجم الداخلين في الإسلام حديثًا، والذين لم يزل الكثير منهم متأثرًا بمواريثه الدينية والسلوكية، الأمر الذي جعل بعض الأفراد ينادي بما سمي باسم الشعوبية، وجاءت على أثر هذه الصيحات الدولة العباسية بجهود الفارسيين المتشيعين للبيت الهاشمي والناقمين على البيت الأموي.
ومهما يكن من شيء فإن هذه التصرفات السياسية موكولة إلى رأي القائمين بالأمر، وهي على كل حال لا تعرض النصوص الأصلية في مقاومة التفرقة العنصرية من أراد التوسعة فليرجع إلى كتابنا "دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة".
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.71 كيلو بايت... تم توفير 0.61 كيلو بايت...بمعدل (1.95%)]