عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 26-02-2012, 11:42 PM
الصورة الرمزية أبو الشيماء
أبو الشيماء أبو الشيماء غير متصل
مراقب الملتقيات
 
تاريخ التسجيل: Jul 2008
مكان الإقامة: أينما شاء الله
الجنس :
المشاركات: 6,415
الدولة : Morocco
افتراضي رد: أيسرالطرق لمعرفة أصول الفقه-سؤال و جواب-

سـ20/ ما القاعدة في العبادات المؤقتة بوقت مع بيانها بالدليل والتفريع ؟

جـ/ أقول: القاعدة في ذلك تقول (العبادات المؤقتة بوقت تفوت بفوات وقتها إلا من عذر) وقد شرحنا هذه القاعدة في تلقيح الأفهام وبيانها أن يقال:
إن العبادات باعتبار التوقيت من عدمه قسمان: عبادات مؤقتة وعبادات مطلقة عن الوقت، أي غير مؤقتة، والكلام في هذه القاعدة ليس عن العبادات المطلقة عن الوقت وإنما هو خاص في العبادات المؤقتة بوقت، وهذه العبادات المؤقتة بوقت باعتبار وقتها لا تخلو من ثلاث حالات:
إما أن تفعل قبل وقتها وإما أن تفعل أثناء وقتها وأما أن تفعل بعد وقتها، فأما فعلها قبل وقتها فلا يجوز ولا تبرأ به الذمة، كمن صلى الفريضة قبل وقتها بلا مسوغ شرعي كجمع التقديم إذا توفر سبب الجمع، وكمن ذبح الهدي قبل يوم العيد، وكمن حلق رأسه في عرفة وكمن ذبح أضحيته قبل الصلاة أي صلاة العيد وكمن وقف بعرفة في اليوم الثامن ونحو ذلك، فكل ذلك لا يقع عن المأمور به ولا تبرأ به الذمة، ويجب عليه أن يعيد الواجب إذا دخل وقته، وأما فعلها في أثناء وقتها فهذا هو الواجب عليه ولا كلام لنا في هذه الحالة لأنها معلومة للمكلف بالضرورة، وأما إذا فعلت بعد وقتها فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون أخرجها عن وقتها بالعذر الشرعي وإما أن يكون بلا عذر شرعي، فإن كان بالعذر الشرعي فإنه يسوغ له قضاؤها وأما إذا كان بلا عذر شرعي فلا يسوغ له قضاؤها، ولو فعلت بعد وقتها ألف مرة فإنها لا تجزئ عنه ولا تبرأ بها ذمته بل عليه التوبة النصوح المستجمعة لشروطها وأن يكثر من التطوع بجنسها عسى أن يسد هذا الخلل الذي حصل وهذا القول وإن كان القائل به هم القلة إلا أن الحق لا يعرف بكثرة ولا بقلة وإنما يعرف بالحق بموافقة الكتاب والسنة من عدم الموافقة، فالحق الحقيق بالقبول في هذه المسألة هو أن العبادة المؤقتة تفوت بفوات وقتها إلا من عذر، والدليل على هذه القاعدة عدة أمور:
فمن الأدلة: أن الأدلة في إثبات حق القضاء إنما وردت في حق المعذور فقط دون غيره، كما في قوله »صلى الله عليه وسلم من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك« وكما في قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولا يصح إلحاق المتعمد به لأنه يكون قياساً مخالفاً للنص ولأنه قياس مع الفارق فالمعذور يستحق الرحمة والتخفيف بخلاف المتعمد، فإن المعذور لم يتجانف الإثم فلم تحرمه الشريعة من تدارك هذه المصلحة الفائتة وأما المتعمد فإنه آثم عاصٍ قد فوت المصلحة باختياره وكامل إرادته رغبة عنها واشتغالاً بغيرها فهو متجانف لإثم، فكيف يقاس الآثم على غير الآثم ؟ وكيف يقاس المجرم على المتقي ؟ ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
ومن الأدلة: ما في الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم --الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله« وفي الصحيح من حديث بريدة مرفوعاً »من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله« ووجه الاستشهاد أنه لو كان يمكنه الاستدراك بفعل الصلاة خارج وقتها لم يكن موتوراً في أهله وماله ولم يكن عمله حابطاً.
ومن الأدلة: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم»من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر« ووجه الاستشهاد أنه لو كان فعلها بعد غروب الشمس وحلول وقت المغرب صحيحاً مطلقاً لكان مدركاً لها سواءً أدرك ركعة قبل الغروب أو لم يدرك، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خص من أدرك ركعة قبل الغروب فيخرج بذلك من عداه، ولأن اعتباره مدركاً للعصر ولو بعد الغروب يبطل قيداً اعتبره الشارع وهو إدراكه بركعة، ولأن مفهوم الحديث قاضٍ بأن من لم يدرك من العصر ركعة فإنه لا يعد مدركاً لها وقد تقرر في الأصول أن مفهوم المخالفة حجة.
ومن الأدلة: أن فعل العبادة في غير وقتها، غير مشروع وما كان غير مشروع فهو مردود على فاعله لأن هذه الصلاة التي أوقعها بعد إخراجها عمداً عن وقتها لم يوقعها في الوقت الذي أمره الشارع أن يوقعها فيه، فصلاته خارج الوقت فعل ليس عليه أمر الشارع وقد قال عليه الصلاة والسلام »من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد«"رواه مسلم" .
ومن الأدلة: أن الشارع أوجب الفعل بصفةٍ معينة وهي: كونه في وقت معين وهذه الصفة من آكد صفات الفعل ووجباته، حتى إنه يترك من أجله كثيراً من واجبات هذا الفعل، فإذا فعل الفعل الواجب خارج وقته فإنه لم يأت بالفعل الواجب على الصفة التي أوجبها الشارع عليه، فلم يفعل ما وجب عليه على الوجه الشرعي الذي وجب عليه، ومن لم يأت بالعبادة على وجهها الشرعي فإنها لا تقبل منه.
ومن الأدلة: أنه قد تقرر في القواعد أن العبادة لا تقبل إلا إذا توفرت شروطها وانتفت موانعها، ومن المعلوم أن الوقت هو آكد الشرائط، فإذا فعلت العبادة خارج وقتها فإنها تكون بذلك قد فقدت شرطاً من شروط صحتها وقد قررنا أن العبادة لا تقبل إلا بشروط صحتها فحيث تخلف شرط الوقت قلا تقبل هذه العبادة ولا تصح وإنما قلنا (إلا بعذر) لأن الدليل دل على جواز فعل العبادة بعد وقتها بسبب طروء العذر المانع من فعلها في وقتها، فإن قيل لنا: ولماذا تبطلون هذه العبادة التي فعلت بعد وقتها ؟ فنقول: لأنها فقدت شرطاً من شروط صحتها وهو الوقت وهذا واضح.
ومن الأدلة: قياس شرط الوقت على شرط استقبال القبلة فكما أنه لا يجوز الإخلال بشرط استقبال القبلة فكذلك لا يجوز الإخلال بشرط الوقت بجامع أن كلا منهما شرط من شروط صحة الصلاة، وكما أنه لو صلى إلى غير جهة القبلة بطلت صلاته فكذلك لو صلى خارج الوقت بطلت صلاته.
ومن الأدلة: قياس التوقيت الزماني على التوقيت المكاني، فإن من العبادات ما هو محدد بمكان معين كالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة وبمنى والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ونحو ذلك، فهذه العبادات قد حدد لها مكان معين فلو أن المكلف أخرجها عن مكانها وفعلها في غيره لما صحت منه فلو أنه طاف بغير البيت العتيق لما صح طوافه ولو أنه سعى بين جبلين من جبال الدنيا غير الصفا والمروة لما صح سعيه ولو أنه وقف خارج حدود عرفة لما صح وقوفه وهكذا فإذا كان التحديد المكاني لا يجوز الإخلال به، فكذلك التحديد الزماني لا يجوز الإخلال به، وهذا قياس صحيح.
ومن الأدلة: أن هناك عبادات مؤقتة بوقت لو أخرجت عن وقتها لما صحت كالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة والمبيت بمنى ليالي أيام التشريق، فإذا فعلت بعد أوقاتها المشروعة لما صحت وسبب عدم الصحة فوات الوقت، فصار فوات الوقت مؤثراً في الإبطال، فكذلك يقال في سائر العبادات المؤقتة لأنها باب واحد فيكون القول فيها قولاً واحداً ومن فرق القول في الباب الواحد فقد وقع في التناقض.
ومن الأدلة: أنه لو فعل هذا الواجب قبل وقته لما صح منه عندنا وعند المخالفين فكذلك لو فعل بعد وقته، ولا فرق بينهما لأن الكل إتيان بالواجب في غير وقته فيعلل في الأول: أنه لم يدخل وقتها، ويعلل في الثاني: أنه خرج وقتها. والله أعلم.
ومن الأدلة: أن الشارع حكيم فلا يقرر من الأحكام إلا ما فيه الحكمة والمصلحة الكاملة، ومن أحكامه تخصيصه هذه العبادة بهذا الوقت المعين، فالشارع لم يختر هذا الوقت بعينه من بين سائر الأوقات ويربط هذه العبادة به إلا لأن هذا الوقت له مزية على سائر الأوقات، وأن سائر الأوقات ليست فيها هذه المزية التي اختص بها هذا الوقت، فليست الأوقات سواء بالنسبة لهذه العبادة، وإلا جاز فعلها في كل وقت من غير حصر للناس بزمن معين، وهذا يبين لك أن الشارع لم يخصص هذا الوقت بعينه إلا لحكمة وغاية ومصلحة فتجويز فعلها في غيره وتصحيحها فيه إخراج لها عن هذه الحكمة والغاية والمصلحة.

ومن الأدلة أيضاً: إن القول بجواز قضاء ما ترك من العبادات المؤقتة بعد خروج الوقت فيما لو تركت عمداً وصحتها وقبولها من الفاعل يؤدي إلى الاستهانة بتلك العبادات والتقليل من شأنها وعدم المحافظة عليها بخلاف القول بعدم صحتها وقبولها لو فعلت فإن هذا يدعو من في قلبه أدنى إيمان إلى المحافظة عليها. فهذه الأدلة والأوجه تفيدك أن القول الصحيح في هذه المسألة هو أن العبادة المؤقتة تفوت بفوات وقتها إلا من عذر. والله أعلم.
ويفرع على ذلك الصلوات المفروضة إذا فاتت بلا عذر أي فات وقتها فإنه لا يسوغ له قضاؤها، والنوافل القبلية والبعدية إذا فات وقتها بلا عذر فإنه لا يسوغ قضاؤها، ووقت زكاة الفطر إذا فات عمداً فإنه لا يسوغ له قضاؤها ووقت ذبح الهدي أو الأضحية إذا فات عمداً فإن لا يسوغ له قضاؤه، والوتر إذا فات وقته عمداً فإنه لا يسوغ له قضاؤه شفعاً بالنهار وعلى ذلك فقس والله أعلم.
****
سـ21/ ما لقاعدة فيما لا يتم الوجوب والواجب إلا به ؟ مع التفصيل والتمثيل؟
جـ/ أقول: إنه لابد من التمييز بين قاعدتين أصوليتين حتى يتبين الأمر وهما :
الأولى: (ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب)
الثانية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)

أما القاعدة الأولى فبيانها أن يقال:

إن الشريعة الإسلامية قد رتبت على وجوب العبادة في الذمة بعض الشروط، فلا تجب العبادة في ذمة المكلف أصلاً إلا بوجود هذه الأشياء، فهي أشياء لا يتم وجوب العبادة في الذمة إلا بها، فهذه الأشياء لا توصف بأنها واجبة، وعلامتها أن تكون خارجة عن قدرة المكلف أصلاً، أو تكون مما لم يطالب به العبد، فمثال الأول دخول الوقت لوجوب الصلاة، فإن دخول الوقت لا يوصف بأنه واجب وكذلك دخول وقت الصوم لوجوب الصيام، فإن دخول وقته لا يوصف بأنه واجب، وذلك لأن دخول الوقت قد علق عليه الوجوب، وما علق عليه الوجوب فليس بواجب، فلا يقال إن زوال الشمس واجب ولا يقال إن غروب الشمس واجب لصلاة المغرب وهكذا، هذا تعبير خاطئ لأن زوال الشمس وغروبها لا يدخل تحت دائرة التكليف حتى يوصف بأنه واجب لخروج ذلك عن قدرة المكلف، فقوله (ما لا يتم الوجوب إلا به) أي الأشياء التي علق عليها وجوب العبادة في الذمة، وقوله (فليس بواجب) أي لا يوصف بأنه من الواجبات الشرعية التي يؤمر المكلف بها، وكذلك يعرف بعدم طلبه من العبد كالنصاب لوجوب الزكاة فإن الزكاة لا تجب في الذمة إلا بالنصاب، فالنصاب ليس بواجب لأن النصاب قد علق عليه وجوب الزكاة في الذمة، وما علق عليه الوجوب فليس بواجب، وكذلك الإقامة لوجوب الصوم فإن الصوم لا يترتب وجوبه في الذمة أصلاً إلا بالإقامة فالإقامة لا توصف بأنها واجبة، لأن الإقامة قد علق عليها وجوب الصوم وما علق عليه الوجوب فليس بواجب، وهذه قاعدة مطردة لا تنخرم أبداً، فإذا أردت أن تعرف ذلك فاسأل نفسك سؤالاً: هل إذا تخلف هذا الشرط يتخلف الوجوب عن الذمة، أم أن الوجوب ثابت حتى لو تخلف الشرط ؟ فإن كان الوجوب لا يثبت إلا بهذا الشرط، فاعرف أن الشرط هذا لا يوصف بأنه واجب فيدخل في هذه القاعدة جميع الأشياء التي يلزم من تخلفها تخلف الوجوب عن الذمة وزيادة في التوضيح أضرب لك بعض الأمثلة:
منها: لا شك أنك تعرف أن التكليف مربوط بالبلوغ، فلا تكليف إلا ببلوغ لحديث »رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ...الحديث « فالعبادات لا يترتب وجوبها في الذمة أصلاً إلا بالبلوغ فإذا انعدم البلوغ انعدم التكليف فالبلوغ لا يوصف بأنه واجب لأن الوجوب في الذمة قد علق عليه وما لا يتم الوجوب في الذمة إلا به فليس بواجب.
ومنها: الاستطاعة لوجوب الصوم، فإن الصوم لا يترتب وجوبه في الذمة إلا بالاستطاعة، فلا صوم إلا باستطاعة فالصوم لا يتم وجوبه في الذمة إلا بالاستطاعة فلا توصف الاستطاعة بأنها واجبة، لأن الوجوب معلق عليها ولا يتم إلا بها، وما لا يتم الوجوب في الذمة إلا به فليس بواجب.
ومنها: اشترط الأصحاب لوجوب الجمعة في الذمة حضور أربعين رجلاً، فلا جمعة إلا بأربعين، فالجمعة لا يتم وجوبها في الذمة إلا بالأربعين، فالأربعون هنا لا يوصف بأنه واجب، لأن الوجوب في الذمة معلق به، وما لا يتم الوجوب في الذمة إلا به فليس بواجب.
ومنها: العقل لثبوت التكليف، فإن التكليف لا يثبت في الذمة إلا بالعقل فلا تكليف إلا بعقل، فإذا فقد العقل فقد التكليف، فالعقل إذاً لا يوصف بأنه واجب لأنه مما علق عليه الوجوب، فلا يتم وجوب التكليف إلا بالعقل، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب.
ومنها: المحرم للحج بالنسبة للمرأة، فإن القول الصحيح أن المحرم شرط لترتب وجوب الحج في الذمة، فإذا وجد المحرم وجب الحج وإن انعدم المحرم انعدم الوجوب، فلا وجوب إلا بمحرم، فالمحرم إذاً لا يوصف بأنه واجب، لأنه مما علق عليه الوجوب في الذمة، وما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، ولعل الأمر أتضح إن شاء الله تعالى، أعني وضوح قاعدة (ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب).
وأما القاعدة الثانية وهي قولهم (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) فبيان هذه القاعدة أن يقال: إن هناك أشياء لا يتحقق فعل ما وجب في الذمة إلا بتحصيلها أي أن المكلف لا يستطيع أن يقوم بما أوجب الله عليه تجاه هذه الواجبات إلا بتحصيل هذه الأمور، فهذه الأمور التي علق عليها حصول الواجب هي التي توصف بأنها واجبة، فالشريعة الإسلامية علقت صحة بعض العبادات على بعض الشروط فلا تصح العبادة إلا بهذه الشروط، فهذه الشروط هي التي توصف بأنها واجبة، فالشريعة إذا أوجبت شيئاً فإنها توجب جميع ما يتوقف حصول ذلك الواجب عليه، فكل وسيلة لا يتحقق الواجب إلا بها فهي واجبة، كالطهارة للصلاة فإن الصلاة لا تتم صحتها إلا بالطهارة، فالطهارة توصف بأنها واجبة وسيأتي مزيد من الأمثلة على ذلك بعد قليل إن شاء الله تعالى، وعلامة هذه الأشياء أنها لا تكون إلا داخلة تحت قدرة المكلف وهي مما أمر المكلف بها فجمعت بين أمرين: دخولها تحت قدرته وأمره بها، ولكن لا تعلق لها بوجوب العبادة في الذمة، كما في القاعدة الأولى، فالعبادة هنا واجبة واجبة سواءً تخلف الشرط أو توفر، أي أن الصلاة تجب من حين دخول الوقت، بغض النظر عن حالة المكلف هل هو محدث أم متطهر، فالطهارة لا تضيف وجوباً جديداً للصلاة ولكن لا تتم هذه الصلاة أي لا تتم صحتها إلا بالطهارة فبان بذلك أن تخلف هذا الشرط لا يلزم منه تخلف وجوب الصلاة في الذمة، وإنما هو متعلق بالصحة لا بالوجوب، فهذا هو الذي يوصف بأنه واجب، فلابد من التفريق بين القاعدتين: وحتى يتضح الأمر أكثر نضرب فروعاً على القاعدة الثانية فأقول:
منها: لقد ثبت في الدليل الصحيح وجوب صلاة الجماعة، ولكن إلا أن صلاة الجماعة لا تتم إلا بالمشي إليها، لأنها تقام في المساجد فلابد من المشي إليها، فلما توقف تحقيق إيقاع الجماعة على المشي إليها صار المشي إليها واجباً لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالمشي لا تعلق له بوجوب الجماعة في الذمة، لأن صلاة الجماعة واجبة ولو لم يمش إليها، ولكن المشي للجماعة له تعلق بتمام إقامة صلاة الجماعة فليس هو مما لا يتم الوجوب في الذمة إلا به، بل هو مما لا يتم الواجب ويتحقق إلا به، فإذا تحقق وجوب صلاة الجماعة في الذمة فاسأل نفسك: وكيف تتحقق الجماعة ؟ والجواب: بالمشي إليها، فيكون المشي واجباً لأن ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب، والله أعلم.
ومنها: إذا تحقق وجوب الحج في الذمة، أي إذا استقر وجوبه في الذمة، فإنه لا يمكن أن توجد حقيقته إلا بقطع المسافات للوصول إلى تلك البقاع، فقطع المسافة يوصف بأنه واجب لأنه قد علق عليه تمام الواجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن قطع هذه المسافات لا تعلق له بالوجوب في الذمة، فالحج إذا توفرت شروط وجوبه وجب في الذمة سواءً قطع هذه المسافات أو لم يقطع، فلا تعلق له بالوجوب وإنما له تعلق بالواجب، ففرق بين الأمرين، فالحج لا يتحقق إلا بقطع هذه المسافات - أي بالنسبة للبعيد - فيكون قطع المسافة واجباً.
ومنها: ستر العورة للصلاة، فإنه إذا دخل الوقت وجبت الصلاة في ذمة كل مكلفٍ سواءً ستر عورته أو لم يستر عورته، فهذا الشرط لا تعلق له بوجوب العبادة في الذمة، ولكن لا تتم صحة الصلاة إلا بستر العورة، فحيث كان هذا الشرط لا تعلق له بالوجوب وإنما تعلقه بتمام الصلاة فإنه يوصف بأنه واجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي أن الصلاة بعد وجوبها في الذمة لا يمكن أن تتم وجوداً وصحةً إلا بأشياء، فهذه الأشياء هي التي توصف بأنها واجبة، فهذه الأشياء لها تعلق بتمام الواجب ووجوده لا بل بأصل وجوبه في الذمة. ولعلك فهمت الفرق بين القاعدتين إن شاء الله تعالى. وخلاصة ذلك أن يقال: الفرق بين هاتين القاعدتين من وجوه:
أحدها: أنالأولى تتكلم عن الشروط التي لها تعلق بوجوب العبادة في الذمة وأما الثانية فإنها تتكلم عن الأشياء التي يتوقف عليها حصول هذا الواجب الذي استقر وجوبه في الذمة، فمتعلق هاتين القاعدتين يختلف فالأولى تتكلم عن شيء والأخرى تتكلم عن شيء آخر.
ثانيها: أن الأولى لا يدخل فيها إلا الأشياء التي لا يقدر عليها المكلف كزوال الشمس وغروبها وحلول شهر رمضان ونحو ذلك أو الأشياء التي لم يؤمر المكلف بتحصيلها كالنصاب الزكوي. والإقامة لوجوب الصوم ونحو ذلك، فيدخل فيها غير المقدور وما ليس بمأمور، وأما القاعدة الثانية فإنه لا يدخل فيها إلا ما كان داخلاً تحت القدرة ويكون مما أمر العبد به، كالطهارة وستر العورة وإزالة النجاسة واستقبال القبلة والنية وغير ذلك، فهذه الأشياء تدخل تحت قدرة المكلف وهي مما أمر المكلف بها.
ثالثها: أن القاعدة الأولى تتكلم عن الأشياء التي يكون في انعدامها انعدام الوجوب في الذمة وأما الثانية فإنه لا تعلق لها بالوجوب في الذمة، فهي تبحث في الأشياء التي يتوقف عليها حصول الواجب، فالأولى يختص نظرها بالوجوب في الذمة أي أنها تنظر إلى ذمة المكلف، أما الثانية فإنها تنظر إلى ذات العبادة وكيف الطريق لتصحيحها وتكميلها والله أعلم.

رابعها: أن القاعدة في الأولى تبحث في الأحكام الوضعية أي في الأسباب والشروط والموانع. وأما القاعدة الثانية فإنها تبحث في الحكم التكليفي، والله أعلم.
فهذه بعض الفروق بينهما، وخلاصة الأمر أن يقال:
إن الأشياء التي يتوقف عليها الوجوب في الذمة لا توصف بأنها واجبة، والأشياء التي يتوقف عليها حصول الواجب وتحقيقه في الخارج هي التي توصف بأنها واجبة.
والله ربنا أعلى وأعلم.
__________________
الحمد لله الذي أمـر بالجهاد دفاعـاً عن الدين، وحرمة المسلمين، وجعله ذروة السنام، وأعظـم الإسلام، ورفعـةً لأمّـة خيـرِ الأنـام.
والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد ، وعلى آلـه ، وصحبه أجمعيـن ، لاسيما أمّهـات المؤمنين ، والخلفاء الراشدين،الصديق الأعظم والفاروق الأفخم وذي النورين وأبو السبطين...رضي الله عنهم أجمعين.


رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.36 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.73%)]