-
المصدر: موقع الأهرام الرقمي
أرقام منقولة عن مجلة الإكونوميست البريطانية
على مستوى « المركز»؛ فالمؤشرات انتقلت إلى الشوارع في صيغة احتجاجات عاصفة اجتاحت العواصم والمدن، ابتداء من اليونان وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وبريطانيا، وبروكسل وفرنسا، وصولا إلى قلب نيويورك وواشنطن وعدة ولايات أمريكية، عبر حركة «احتلوا وول ستريت -17/9/2011». وما لبثت أن تحولت إلى حركة احتجاج، عابرة للقارات، ضد الرأسمالية، بقيادة ما اشتهر بحركة «الساخطون15/10/2011»،التي استهدفت الرموز الكبرى لمافيا النهب العالمية الشهيرة بمناطق الـ «Offshore»، مثل أصحاب الشركات الكبرى والبنوك والمصارف ورأس المال وبورصة «وول ستريت» في نيويورك، و« حي المال» في لندن، و« البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت. ووصفتهم بـ « اللصوص» و «مصاصي الدماء». وحتى النظام السياسي نفسه، الحليف لرأس المال، لم يفلت من النقد والغضب، عبر لافتات رفعت شعارات واضحة تتساءل: «أين هي الديمقراطية .. أين هي العدالة»؟ « يا شعوب العالم انهضوا»، « انزل إلى الشارع»، « اصنع عالما جديدا».
ووفقا لكتاب الصحفي البريطاني، نيكولاس شاكسون، « مافيا إخفاء الأموال المنهوبة»، فإن مصطلح الـ«Offshore»يطلق على بعض الجزر القريبة من الداخل الأوروبي، مثل جزر البهاما وجرسي والكايمان, .. وهي مرتبطة عن كثب بالعواصم المالية والسياسية الكبرى, وغير تابعة لأية دولة، وتعد ملاذات آمنة لإيداع أموال الكبار وأموال الجريمة والأموال المنهوبة, بسرية دون أن تخضع لأية ضرائب تذكر. لكنها موجودة أيضا في قلب العواصم الكبرى. وتمر عبرها أكثر من نصف التجارة العالمية، والأصول المصرفية، وثلث الاستثمارات الأجنبية للشركات متعددة الجنسية، المسؤولة سنويا عن خسارة البلدان النامية لنحو160مليار$، كما تمر عبر هذه المناطق نحو85%من التعاملات المصرفية، بالإضافة إلى أن إصدار السندات يحدث في مكان يسمى« اليورو ماركت», وهي منطقة «Offshore»غير تابعة لأية دولة. وبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي لسنة2010فقد بلغت الميزانيات العامة لجزر المراكز المالية الصغيرة وحدها قرابة18تريليون$، بما يساوي ثلث حجم الناتج المحلي للعالم كله. ومن بين هذه الملاذات كنماذج:(1)جزر فرجين البريطانية التي لا يتعدى سكانها25ألف نسمة, بينما تستضيف أكثر من80ألف شركة!! وحي المال في لندن، الذي يضم تجمعا ماليا يستحوذ على أكثر من ثلث جميع الأصول المصرفية الدولية. وبحسب دراسة لمكتب المراجعات المحاسبية القومي في بريطانيا(2007)فإن:«أكثر من 230 من بين أكبر 700 رجل أعمال في البلد، لم يدفعوا أي ضرائب على الإطلاق في العام السابق», و(2)ومملكة لوكسمبورغ الأوروبية، ذات النصف مليون نسمة، لكنها تعد واحدة من أكبر ملاذات الضرائب في عالم اليوم، أما(3)هولندا فقد استقبلت سنة2008حوالي18تريليون دولار، بما يعادل أربعة أمثال حجم إجمالي الناتج المحلي, وكذلك (4)عددا من الدول الأوروبية الصغيرة، أبرزها منطقتي إمارة موناكو و ليشتنشتاين. وفي بحث أجرته شبكة«عدالة الضرائب - 2009»تبين أن99من أكبر مائة شركة أوروبية استخدمت أفرعا لها في«Offshore»,. و(5)من جهته ذكر تقرير مكتب المساءلة الحكومي الأميركي(2008)أن83من أكبر مائة شركة أميركية لها أفرع في الملاذات الآمنة[8].
هكذا إذن؛ فثمة مشكلة بنيوية عميقة تضرب الرأسمالية ومنطقة «اليورو»، لا حل لها إلا بـ«الدفع أو الانهيار». هذا ما قاله وزير المالية البريطاني الأسبق نورمان لامونت، في تعليق كتبه في صحيفة «صنداي تلغراف -18/9/2011» البريطانية، مشيرا إلى أن: «نهاية لعبة اليورو بدت واضحة. وإن ما يهم الآن هو منع تحول الأزمة إلى كارثة، لا تكتسح فقط منطقة اليورو لكن كل العالم الغربي»[9].
نموذج لحجم المديونية في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية ونسبتها % للدخل القومي العام[10]
الدولة
حجم الدين بمليارات الدولارات
نسبة الدين إلى الإنتاج القومي %
إجمالي الديون الأوروبية إلى الدخل القومي %
بريطانيا
8981
88.6
78.7
ألمانيا
3713
82.4
فرنسا
4698
97.1
النرويج
2239
53.6
إيطاليا
2223
120
إسبانيا
2166
68.1
إيرلندا
2131
112
بلجيكا
1241
97
سويسرا
1190
41.1
السويد
853
48.8
النمسا
755
73
أمريكا
13001
98.5
اليونان
532
157.7
البرتغال
497
101.7
«الدفع أو الانهيار» هي نفس المعادلة التي تعاني منها الولايات المتحدة خاصة بعد أزمة رفع سقف الدين الأمريكي بأكثر من تريليوني دولار، وبلوغ سفينة الأرقام الفلكية للدين العام إلى شواطئ إجمالي الناتج القومي. ففي سنة 2001 كان إجمالي الدين العام بحدود 5.8تريليون دولار، بما يوازي 56% من إجمالي الناتج المحلي، وفي سنة 2010 بلغت الأرقام الفعلية لإجمالي الدين العام 13.528 تريليوندولار[11]، ما لبثت مع أواخر العام 2011 أن وصلت إلى نحو 15 تريليون دولار، بما يزيد عن 95% من إجمالي الناتج القومي، أو 48 ألف دولار لكل مواطن. وبحسب تقديرات إجمالي الدين العام الأمريكي حتى سنة 2015 فمن المتوقع أن يرتفع حجم الدين إلى 19.7 تريليون دولارا، بنسبة تعادل 102.6% من الناتجالمحلي الإجمالي[12]، أو حتى 23 تريليون $ بحسب إعلان وزارة الخزانة الأميركية في 18/11/2011.
إذن الحروب الظالمة والاستبداد والطغيان والفساد والأزمات الاقتصادية الطاحنة، على امتداد الكرة الأرضية، والتي طالت التصنيف الائتماني لدول مثل اليابان والولايات المتحدة .. كلها، وغيرها أو مثلها، أحداث كبرى وقعت بعد هجمات 11 سبتمبر وليس قبلها. أما الديون العربية، وبحسب الأرقام الواردة في النص، فقد تضاعفت، بعد الهجمات، أربع مرات خلال السنوات العشر الماضية، فيما تضاعف الدين الأمريكي العام مرتين ونصف!!!
[1]أطرف تعقيب على أزمة الرأسمالية جاء على لسان الكاتب البريطاني تيم مونتغمري في صحيفة «الغارديان». فقد اعتبر السياسات الحكومية هي السبب في الأزمة وليس الرأسمالية كمنظومة حياة وإنتاج. راجع: « العلة بالسياسات وليس بالرأسمالية»، 12/11/2011، الجزيرة نت: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/C9548B94-4BB9-4108-BAE9-1C4AD236409A.htm?GoogleStatID=9، أما وجه الطرافة ففي كونها جاءت مطابقة لتلك الأطروحات التي جهدت في الدفاع عن « النظرية الاشتراكية»، غداة انهيارها، زاعمة العيب في التطبيق وليس في النظرية!!
[2]وتعليقا منه على الاحتجاجات العالمية ضد الرأسمالية، أشار الكاتب إلى:« البنوك الجشعة التي أخفت الديون السامة أو ذات المخاطر العالية بحيث لا يكتشفها المدققون الماليون ولا المشرعون ولا أي وكالة معنية بالتقييم إلا في وقت متأخر».نفس المرجع أعلاه. وفي التعليق ما يجيب على السؤال المحير: لماذا لم يتم الكشف على الأزمة مبكرا؟ لكن، في المحصلة، هل يمكن إحالة مثل هذه التصرفات المدمرة إلى مجرد عيوب في السياسات؟ أم هي مخرجات لمنظومة قيمية جشعة لا تسمح بامتياز إلا لذوي رأس المال؟
[3] حتى الأمريكيين لم يفلتوا من سياسة الإفقار. فقد أفاد التقرير السنوي الصادر عن مكتب التعداد السكاني لسنة 2010 أن عدد الأميركيين الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفع إلى 46 مليون نسمة نهاية العام الماضي، مسجلا أعلى مستوى له، وبذلك يرتفع معدل الفقر الأميركي للعام الثالث على التوالي مسجلا نسبة 15.1%، وهي النسبة الأعلى منذ بدء مكتب الإحصاء نشر تقديراته لعدد الفقراء قبل 52 عاما، كما أنها النسبة الأعلى منذ العام 1993. وأوضح التقرير أن هذا العدد كان الأكبر راجع: الفقر بأميركا يسجل أعلى مستوى، 14/9/2011،
موقع الجزيرة نت: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/9E0B7F89-27C8-49A6-B47C-B96A84058490.htm.ووفق معايير أخرى تم رفع العدد إلى 49 مليون فقير.
[4] الفساد يهدر ثلث الناتج القومي العربي، قناة الجزيرة، 6/7/2010 ، http://www.aljazeera.net/NR/exeres/0DD80CA9
-4651-4169-BDD9-B1CB6795C388.htm.
[5] صحيفة البيان الإماراتية، ارتفاع حجم الديون العربية إلى 160 مليار دولار وخدمتها توازي 17% من حجم صادراتها، الاحتياطي النقدي
يمثل 61.5 % من الواردات والتجارة البينية شكلت 8.4 % من «الخارجية»، 31/3/2001،على الشبكة: http://www.albayan.ae/economy/160-17-61-5-8-4-2001-03-31-1.1136764
[6] مجلة الإيكونوميست البريطانية: 649 مليار دولار حجم الدين العام في 15 دولة عربية في 2010 بنسبة 1.6% من الدين العالمي، 3/11/2010، موقع « معلومات مباشر» على الشبكة:http://www.mubasher.info/portal/dfm/getDetailsStory.html?
storyId=1801715&goToHomePage
[7] أحمد السيد النجار: طرائف الديون العربية دول الخليج ولبنان أكثر المدينين، 16/9/2010 المصدر: موقع « الأهرام الرقمي»، نقلا عن «الأهرام اليومي»: http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=256279&eid=46.
[8]لمزيد من التفاصيل لدى: بدر محمد بدر: مافيا إخفاء الأموال المنهوبة، 30/10/2011. موقع الجزيرة نت: http://www.aljazeera.net/NR/EXERES/7...7E5A17CD7A.htm
[9] قلق غربي من كارثة اقتصادية، 17/9/2011، موقع: الجزيرة نت، http://www.aljazeera.net/NR/exeres/89B255B5-A39D-4215-BD27-1DE380234FEF.htm?GoogleStatID=9
[10]الأرقام الواردة تتعلق بشهر أيار / مايو 2001. وهي ذات مصادر أوروبية متعددة، وللاطلاع فقط وليس للاقتباس.
[11] د. محمد إبراهيم السقا: الدَّين العام الأمريكي، الاقتصادية الإلكترونية، الجمعة 21 شعبان 1432 هـ. الموافق 22 يوليو 2011 العدد 6493، http://www.aleqt.com/2011/07/22/article_561426.html.
[12]د. محمد إبراهيم السقا: قراءة في الدَّين العام الأمريكي، 4/9/2010، موقع ألفا و بيتا: http://alphabeta.argaam.com/?p=20836.