عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 03-01-2012, 12:55 PM
*سلفيه مندسه* *سلفيه مندسه* غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
مكان الإقامة: ارض الكنانه
الجنس :
المشاركات: 405
افتراضي رد: الثورات العربية « ديناميات الفاعلين الاستراتيجيين» /د اكرم حجازي

3) التوحش الأمني
منذ الحرب الخليجية الثانية (28آب
1990 إلى 28فبراير1991) وانهيار الاتحاد السوفياتي (1991)، ومن ورائه المنظومة الاشتراكية، قدمت « الرأسمالية» نفسها عبر أطروحتين، إحداهما للمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما عبر كتابه الشهير: « نهاية التاريخ والإنسان الأخير»[10]، وفيه بدت « الرأسمالية»كأرقى ما وصل إليه الإنسان من نمط للحياة أو سبيلا للتقدم، وأنْ لا بديل للبشرية عن تبني « الرأسمالية» وقيمها. أما مواطنه صموئيل هنتنغتون صاحب: « صدام الحضارات»!! فبدا، ظاهريا، على
النقيض منه، وهو يتنبأ بحتمية الصدام بين الحضارات الإنسانية. والحقيقة أن الأطروحتين شجعتا « الرأسمالية» على كشف توحشها ضد الأمم الأخرى، وفتحتا الباب للولايات المتحدة كي تستفرد بقيادة العالم بدلا من إعادة النظر فيها كي لا تسقط كما سقطت « النظرية الاشتراكية» من قبلها. والأسوأ من هذا أن « المركز» لم يجد، غداة انهيار الاتحاد السوفياتي سنة 1991، عدوا له، يسد الفراغ، إلا ما أسماه أحد قادة « الناتو»، وكثير من قيادات ومثقفي الغرب بـ « الإسلام الأصولي».
لم يطل الوقت كثيرا، حتى تعرضت « الرأسمالية»، في 11 سبتمبر 2001، إلى ضربات مهينة في عقر دارها، وضد أعتى رموز القوة فيها، وفي العالم. وبعيدا عن جدل المواقف من الهجمات، إلا أنها أظهرت حقيقة العداء الغربي للإسلام، في صورة دعوات صريحة، لقادة غربيين ومفكرين، في مقدمتهم الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، تنادي بشن « حرب صليبية» على العالم الإسلامي، بموجب لغة « رقمية»، لا تسمح بالتفكير في أدنى اختيار آخر،: « إما معنا أو ضدنا» .. عبارة لا قِبَلَ لتنظيم « القاعدة» في الرد عليها إلا بذات اللغة التي قسمت العالم إلى قسمين: « فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان»، كما ورد على لسان
الشيخ أسامة بن لادن في أول خطاب له بعد الهجمات[11].
هذه « الحرب الصليبية» جرى الإعلان عنها باسم « الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب». أما مدخلاتها، وفقا لعبارة بوش، فتمثلت بـ: الزج بالجيوش العسكرية والأمنية المتوحشة فيها، وتوقيع المعاهدات، وسن منظومات القوانين الدولية والمحلية، وحشد الأدوات الطائفية ( النصرانية والصفوية)، والجماعات والأحزاب، وعلماء الدين، ومراكز الأبحاث والجامعات، ووسائل الإعلام والنشر، وحتى الأفراد والشخصيات العلمية، والترحيب بكل من يتطوع للتحالف مع « المركز».
أما مدخلاتها لدى « القاعدة» و «طالبان» ومعهما جماعات « التيار الجهادي العالمي» فتمثلت بـ: التحصن بالأطروحة العقدية كمرجعية وحيدة للعمل، والنظر في شرعية الرايات الأيديولوجية، سواء للقوى الإسلامية أو الوطنية، وبدء المنازلة ضد « قوى الكفر العالمي» وحلفائها من « طواغيت العرب والعجم»، وشن المزيد من الهجمات على أراضيها، لاسيما تلك التي شاركت في احتلال أفغانستان والعراق، والتهيؤ لمواجهة قوى « المركز» في البلاد الإسلامية، وإشاعة ثقافة جهادية مؤصلة عقديا، لاقت جاذبية شعبية ملحوظة، وشن حملات إعلامية، ذات تأصيل عقدي، للكشف عن حقائق الصراع بين « المركز» والعالم الإسلامي، والحرص على استنزاف « المركز» اقتصاديا، عبر فتح جبهات أخرى أو إطلاق التهديدات المكلفة أمنيا.
هذه التحالفات « الصليبية» المتصارعة فيما بينها؛ تسببت في النصف الأول من القرن العشرين، فقط، بمقتل عشرات الملايين من مواطنيها خاصةً، ومن البشر عامةً، واستعملت أفتك سبائك الأسلحة ضد الإنسان. وفي النصف الثاني من القرن، زمن الحرب الباردة، كانت على وشك صدام نووي يهدد البشرية برمتها. لكنها فجأة توافقت على« القاعدة» و «طالبان» بوصفها العدويين الاستراتيجيين!!! فهل يعقل أن تأتلف كل هذه التحالفات الجبارة ، بكل ما أوتيت من قوة تدميرية واقتصادية وأمنية وعلمية، ضد جماعة مقاتلة؟
من المفترض أن يكون الجواب « نعم »؛ إذا اعتبرنا أن الإسلام هو قوة كامنة يمكن تفعيلها بحيث يستحق عن جدارة واقتدار صفة الخصم بالنسبة للقوى الكبرى. لكن هذه القوى لم تحسن القراءة التاريخية لقوة العقيدة الإسلامية إذا ما جرى تفعيلها في مواجهة العدو، أو لتكون بديلا عن الفلسفات السائدة كـ« الرأسمالية» و «الاشتراكية»وغيرها. لذا كانت المفاجأ مذهلة في أفغانستان والعراق، والتكلفة باهظة للغاية، ومؤشرات المأزق تنذر بانهيار كارثي للولايات المتحدة [12].
ولعل أعجب مفاعيل « تيارات الجهاد العالمي» في حروبه مع « المركز» أنه حصّن دول العالم الإسلامي من مجرد التفكير بغزو أي بلد إسلامي!!! فلا « إسرائيل» ولا « المركز» باتا قادرين على خوض حروب تقليدية، كما جرى في أفغانستان والعراق. إذ أن مقاتلي اليوم ليسوا كمقاتلي الأمس، والعقائد القتالية لتيارات الجهاد على النقيض تماما من سابقاتها، ذات المنحى الأيديولوجي، وحتى الاستعراضي في كثير من الأحايين.
لكن التيار لم ينجح، حتى هذه اللحظة، في تحصين العالم الإسلامي من هجمات « المركز» الأمنية، ولا حتى استطاع الحد من توغله الأمني، واحتلاله لقطاعات اجتماعية وأمنية واسعة. وعلى العكس من ذلك، فقد اتسمت السياسات الأمنية للدول بالتغول الحاد تجاه مواطنيها. وبدعوى « مكافحة الإرهاب»، وتجفيف منابعه، اتجهت الدول، وخاصة الأجهزة الأمنية، ومنظري الحل الأمني ودعاته، إلى ما يشبه الانتقام، وتصفية الحسابات مع الخصوم، زيادة على التضييق على الحريات، وامتطاء الفساد والاستبداد والطغيان، كنمط حياة يقدم المزيد من الامتيازات والمصالح، ويلبي تطلعات « المركز» وأمانيه. بل أن بعض الدول ذهبت أبعد مما هو مطلوب منها، حتى صارت أقرب ما تكون إلى مَخْبَر أمني عالمي لنظريات CIA فيما يسمى بـ: « الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب»، وسط شعور النظم السياسية بالحصانة من أية مسؤولية.
بعد هجمات 11 سبتمبر؛ لم يعد ثمة حدود للطغيان والاستبداد والظلم والفساد. ولم يعد، لأحد، ثمة حصانة عقدية أو دستورية أو قانونية أو قيمية أو إنسانية تذكر. بل أن حقوق الشعوب التاريخية، وما تعرضت له من مظالم، لم يعد لها أي وزن في سياسات « المركز» وأعرافه ومنظماته الدولية[13].


[1] د. أكرم حجازي، تأملات في شريط العاصفة الشعبية: صراع « المركز» و « الهامش» / 2، 16/6/2011، موقع المراقب: http://www.almoraqeb.net/main/articles-action-show-id-304.htm، المقالة مستقاة من شرح قدمه د. عبد الله النفيسي في لقاء جمعني به مع نخبة من العلماء والمفكرين والصحفيين العرب في الكويت في11/1/2011على هامش اللقاء الدوري لمنتدى المفكرين المسلمين.

[2]انقسمت بلاد الهند بانفصال باكستان عنها واستقلالها في 14/8/1948، ثم انقسمت باكستان إلى غربية احتفظت بالاسم الأول وشرقية اتخذت من بنغلادش اسما لها في أعقاب حرب أهلية طاحنة اندلعت سنة 1970، ويشكل مجموع المسلمين في الهند التاريخية، وفق إحصاءات 2009، حولي 480 مليون نسمة يمثلون قرابة 50% من إجمالي الكتة الديمغرافية بمختلف تشكيلاتها الإثنية والطائفية. كما عمدت القوى الاستعمارية إلى توزيع الكرد على أربعة دول إقليمية دون أن يكون لهم أي كيان سياسي، أما بلاد الترك فانقسمت إلى ثلاثة أجزاء هي: تركستان الشرقية التي ضمتها الصين إلى أراضيها سنة 1949 رغم وقوعها خارج سور الصين، وتركيا أتاتورك، والجمهوريات الخمس التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي بعد انهياره وهي: أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وطاجكستان. وأخيرا بلاد العرب التي قسمت إلى 21 دولة، وانتزعت منها فلسطين لتصبح دولة لليهود أسميت بـ « إسرائيل» سنة 1948.

[3] عصبة الأمم أول منظمة دولية تأسست سنة 1920 بعد مؤتمر باريس للسلام سنة 1919، والذي أنهى الحرب العالمية الأولى. وبعد الحرب العالمية الثانية حلت محلها منظمة الأمم المتحدة التي تأسست في24 أكتوبر 1945.

[4] في مقالة كتبها هنري كيسنجر بالتعاون مع البروفيسور مارتن فيلدشتاين، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، قال فيها: « إن ارتفاع أسعار النفط أدى إلى نشوء أكبر ظاهرة بالتاريخ لانتقال الثروات من منطقة بالعالم إلى أخرى، الأمر الذي قد تكون له آثار سياسية مستقبلية .. وأن دول أوبك ستحصل خلال العام الحالي (2008)، على ما قد يصل إلى تريليون دولار». للمتابعة:كيسنجر يحذر من تكدس مليارات النفط في الخليج.. ويدعو الغرب لتقليص قدرة أوبك على التأثير،16/9/2008،مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية: http://www.dctcrs.org/new419.htm . هذا مع العلم أن كاتبي المقالة تجاهلا المقارنات البسيطة في الأسعار، والتي أثبتت أن سعر برميل الكوكا كولا أغلى من برميل النفط الذي يشغل مصانع « المركز» ويضيء العالم؟

[5]« تشومسكي: أميركا تخشى استقلال الدول»، صحيفة « الغارديان - 5/2/2011»، نقلا عن: الجزيرة نت، على الشبكة:http://www.aljazeera.net/NR/exeres/83A075DB-CBF0-4D17-8B50-F9B688E3B455.htm.

[6]غراهام فولر، صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»، نقلا عن موقع الجزيرة نت، مقالة بعنوان: « الثورات العربية.. من الخاسر ومن الرابح؟»،21/11/2011، على الشبكة:http://www.aljazeera.net/NR/exeres/F...GoogleStatID=9 .

[7]الشرق الأوسط يستقل عن أميركا، مجلة« التايم»الأمريكية، 25/11/2011، نقلا عن: الجزيرة نت، على الشبكة:http://www.aljazeera.net/NR/exeres/1...GoogleStatID=9

[8]لاحظ مثلا بعض الفتاوى التي تجيز لأهل السنة التعبد بالمذهب الشيعي، كما ورد على لسان محمد مهدي عاكف، المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، الذي دافع عن حق إيران الحق في نشر مذهبها بين أهل السنة، باعتبارها: « الدولة الشيعية الوحيدة من بين 56 دولة إسلامية سنية المذهب،أنظر: « عاكف لـ "النهار": لا مانع من المد الشيعي.. فعندنا 56 دولة سنية»، 24/12/2008، صحيفة النهار الكويتية، http://www.annaharkw.com/annahar/Article.aspx?id=113158 ، وكذا المفتي علي جمعة: مفتي مصر: الشيعة طائفة متطورة ولا حرج من التعبد على مذاهبها، 4/2/2009، http://www.alarabiya.net/articles/2009/02/04/65714.html.، فضلا عن التحالفات الصريحة لـ «الصوفية العزمية» مع إيران، ودفاعها المستميت عن العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وأكثر من ذلك استعداد شيخ الطريقة، علاء ماضي أبو العزائم، لفتح باب الجهاد للدفاع عن إيران!!! وهي ذات الطريقة التي عبرت عن تحالفات استراتيجية مع القوى العلمانية واللبرالية في مصر ضد التيارات الإسلامية لاسيما السلفية منها. راجع: « أبو العزائم: سأدعو إلى الجهاد حال توجيه ضربة عسكرية إلى طهران»، موقع « الدستور الأصلي»، 8/11/2011،http://www.dostor.org/node/60770

[9] صراع « المركز» و « الهامش»، مرجع سابق.

[10] تراجع فوكوياما عن أطروحته لاحقا في مقالة بعنوان: «هدفهم العالم المعاصر»، 25ديسمبر2001، مجلة نيوزويك 25ديسمبر2001)، الطبعة العربية/ عدد 81. وقال فيها: « قبل 10 سنوات جادلت بأننا بلغنا "نهاية التاريخ" ولم أعلن بذلك أن الأحداث التاريخية قد تتوقف =
= لكن ما عنيته هو أن التاريخ الذي يفهم على أنه تطور المجتمعات الإنسانية من خلال أشكال مختلفة من الحكومات قد بلغ ذروته في الديمقراطية الليبرالية المعاصرة ورأسمالية اقتصاد السوق».

[11] الشيخ أسامة بن لادن، « خطاب القسم»، شريط مرئي، مؤسسة « السحاب» التابعة لتنظيم « القاعدة»،. 7/ 10/2001.

[12] عامر عبد المنعم: 22 دليلا علي الإنهيار الوشيك للولايات المتحدة الأمريكية، 19/10/2010. العرب نيوز: =
= http://www.alarabnews.com/show2.asp?NewId=26726&PageID=26&PartID=3.

[13]هذا ما عبر عنه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن خلال المؤتمر السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة ( 28 نوفمبر 2001)، حيث قال فيه: « لن يكون مسموحا لأولئك الذي يظنون أنهم مضطهدون ويبحثون عن تقرير مصيرهم أن يمارسوا العنف بعد الآن»، مما أثار فزع الوفد الفلسطيني الذي اضطر، غاضبا، لمغادرة القاعة. ومن جهته اعتبر تقرير الأمم المتحدة، الذي أعدته اللجنة الأممية برئاسة جيفري بالمر، رئيس وزراء نيوزيلندا السابق، للتحقيق في الهجوم الإسرائيلي على سفينة مرمرة التركية، وتم تسريبه بالكامل لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية قبل يوم من نشره: « أن حصار إسرائيل البحري لغزة قانوني لكن هجومها على سفينة مرمرة التركية التي حاولت كسر الحصار العام الماضي استخدمت فيه قوة مفرطة». 8/7/2011، موقع الجزيرة نت، نقلا عن صحيفة الديلي تلغراف البريطانية: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/5E16E276-A98F-4BFB-AFC6-24CADD12E02B.htm. هذا هو « المركز»، وهذه هي حقيقة منظماته الدولية التي شهدت زورا على جرائمه في شتى أنحاء العالم منذ نشأتها وإلى يومنا هذا.
__________________
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.57 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]