عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 03-01-2012, 12:54 PM
*سلفيه مندسه* *سلفيه مندسه* غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
مكان الإقامة: ارض الكنانه
الجنس :
المشاركات: 405
افتراضي رد: الثورات العربية « ديناميات الفاعلين الاستراتيجيين» /د اكرم حجازي

القسم الأول



منظومة الهيمنة الدولية



نظرية « المركز -الهامش»[1]



1) البواكير الأولى لتشكل النظام
من الأهمية بمكان التأكيد، بدايةً، على أن الإمبراطورية العثمانية تعرضت مطلع القرن الثامن عشر لنفوذ ملحوظ من القوى الغربية، إلا أنها، والعالم الإسلامي، ظلا بمنأى عن اختراق عسكري يمكن أن يتصف بالخطر المصيري على الإسلام والمسلمين. إذ أن كل ما استطاع الغرب فِعْلُه ضد العالم الإسلامي لم يتعدَّ سياق الكرّ والفرّ بين القوى، مع السيطرة على بعض الثغور أو سقوطها، مقابل تقدم إسلامي على جبهات الغرب، في عقر دار أوروبا. لكن ابتداء من مطالع القرن التاسع عشر بدأ العالم الإسلامي يشهد اختراقات غربية وصهيونية خطيرة، وغير مسبوقة في كل التاريخ الإسلامي. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية كان الغرب قد نجح فيما لم ينجح به من قبل. إذ بعد أكثر من قرن من الحروب، استطاع الغرب أن يلغي نظام الخلافة الإسلامية، ويفكك الكتل الديمغرافية الكبرى في العالم الإسلامي. إذ خلافا لما هو شائع؛ فلم يكن العرب وحدهم من تعرض لـ معاهدة «سايكس - بيكو»، التي قسمت بلادهم، وزرعت في قلبها دولةً لليهود في فلسطين، بل أن ذات الأمر تعرض له المسلمون في بلاد الهند والترك والكرد[2].
هكذا استقبل المسلمون جسما غريبا في سويداء القلب، بعد أن خسروا نظام حكمهم، ووحدتهم الترابية، والديمغرافية، ليعيشوا في 22 دولة عربية، ضمن 56 دولة إسلامية، مع الغياب الكلي للأكراد عن أي مشهد سياسي، إلا كملاحق بشرية في دول إقليمية كبرى.
إذن جولات الصراع الطويلة، بين الغرب والعالم الإسلامي، لم تعد محصورة في حركة الكرّ والفرّ التقليدية، بقدر ما بدت مستقرة على أساس التفكيك والهيمنة والتبعية الدائمة. فللمرة الأولى، يتمكن الغرب من الإطباق على الأمة الإسلامية دفعة واحدة، وإخضاعها لهيمنته وتبعيته. ولا ريب أن لهذه السيطرة مضامين مختلفة عما سبقها من سيطرات. لكن أطرف ما في
هذا النوع من الهيمنة، أنه تجلى في صورة نظام دولي، بدأت بواكيره الأولى تتبلور في صيغة منظمات دولية، أنشأتها القوى الكبرى، مثل عصبة الأمم، ومن بعدها هيأة الأمم المتحدة، والمؤسسات التابعة لها، كالجمعية العامة، ومجلس الأمن، والجمعية العامة، ومنظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، والبنك الدولي وصندون النقد الدولي، وغيرها، من الأذرع الضاربة لهذا النظام، الذي وضعت أسسه وتشريعاته القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية[3].
وتبقى الحقيقة الثابتة أن نظام السيطرة والتحكم الذي يديره الغرب لا يقتصر على العرب وحدهم. لكنه بني على أشلاء العالم الإسلامي، وفي القلب منه العالم العربي، الذي ظل يمثل التهديد الأكبر لما يعرف بنظرية « المركز - الهامش». ولعل أدهى ما في النظرية؛ يقع في ديناميتها الهائلة، وقدرتها على العمل، بعيدا عن الاستخدام المباشر لوسائل الردع العنيفة إلا في الحالات الطارئة، التي تفشل فيها الوسائل السلمية في احتواء طوارئ الأحداث، أو حين يلجأ « المركز » إلى تمرير سياسات لا هدف لها سوى تأمين مصالحه وحماية « إسرائيل»، أو ديمومة عمل النظام، أو ترقيع ما بَلِيَ من منظومة «سايكس - بيكو». إلى هنا فالسؤال هو: كيف يُدير « المركز » النظام؟ أو كيف يُحْكم سيطرته على « الهامش»؟

2) إدارة النظام
















كما يشير الرسم؛ فالعالم ينقسم إلى « مركز » تمثله القوى العظمى، صاحبة العلم والمعرفة والقوة والرأسمال، والهيمنة على المؤسسات الدولية ومنظوماتها القانونية والتشريعية، و« هامش » يدور في فلكه، ولا يستطيع الفكاك منه مهما كان الثمن باهظا. هذا النظام الدولي يمتلك على الأقل أربع آليات تقليدية للتحكم في « الهامش» والسيطرة عليه، وهي بإيجاز شديد:
· التسلح. إذ يحتكر « المركز» العلوم ومصادر إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والتصنيع. وعبر قوانين التسلح والمراقبة وحق التصنيع والتطوير والحظر والتصدير ونوعية السلاح وكميته، يمكن للدول المصنعة التحكم في صناعة الحروب وآجالها، مثلما يمكنها التحكم في حالتي الردع واللاحرب واللاسلم، وتحديد المنهزم من المنتصر في أي صراع.
· النفط. فـ « المركز» هو الذي يتحكم، عبر منظمة الأوبيك والشركات المنتجة، في السيطرة على مصادر الطاقة والإنتاج والتصنيع والتسويق والسعر والثروات ومواطن تخزينها أو سبل إنفاقها ... فما يتم استخراجه وتسويقه يخضع، مبدئيا، لسياسة العرض والطلب[4]. كما أن الثروات التي تجنيها الدول المنتجة في « الهامش » يتم إعادة تدويرها باتجاه « المركز»، الذي يحتفظ بها في بنوكه. لذا لا نستغرب وجود دول نفطية غارقة في التخلف والديون، أو أخرى ينخرها الفقر المدقع، وثالثة تعاني من نقص في الطاقة.
· الغذاء. لتحقيق نتائج سياسية تستجيب لتطلعات الغرب، يستطيع « المركز» عبر المؤسسات الدولية وأنظمة العقوبات والمراقبة والتدخل، وبدعم من القوة المسلحة، أن يفرض على أية دولة أو مجموعة أو مؤسسة أو حتى فرد حصارا خانقا ومدمرا للمجتمع والدولة. ويستطيع أن يعرقل الأمن الغذائي والدوائي في أية دولة تخرج عن سياساته أو تضر بمصالحه الإنتاجية والسياسية. ومن طرائف الثورات ما كشف عنه الرئيس المصري في رده على مشروع زراعي – علمي يحقق للبلاد اكتفاء ذاتيا في إنتاج القمح حين قال: « كده بنزعل أمريكا» !!!
· العولمة. فـ « الهامش» واقع تحت تأثير ما تفرزه الحضارة الغربية من قيم وثقافة ومعلومات عبر وسائل الإعلام والاتصال الدولية التي يمتلكها « المركز» بإمكانياته الضخمة، وعبر منتجاتها الرقمية الثقيلة. وهو ما يجعل الثقافات المحلية والرصيد الحضاري وحتى العقدي عرضة لاختراقات بالغة الخطورة، حيث يكسب « المركز» باستمرار بينما يظل « الهامش»، بوصفه المستهلك، الخاسر الأكبر على الدوام.
بطبيعة الحال فإن قدرة « المركز» على التحكم والسيطرة تتفاوت وتتباين حتى في الوسائل، لكنها في المحصلة قادرة على حماية النظام، حتى لو اشتمل على دول ذات نفوذ سياسي كبير في الساحة الدولية كالصين وروسيا، أو نفوذ اقتصادي كاليابان وألمانيا وإيطاليا والمكسيك والبرازيل، أو دول متطورة في آسيا كالهند وماليزيا وكوريا وبعض البؤر الصناعية المتقدمة في « منطقةالهامش». إذ أن كل ما هو متاح في هذا النظام أن تجتهد دول « الهامش» في تحسين أوضاعها، أما أن تخرج عن إرادة « المركز» فهذا من أكبر الكبائر. فما هي مكانة العرب أو العالم الإسلامي في مثل هذا النظام؟
الثابت أن « المركز» لم يتوقف عن التدخل في قارات العالم، سواء: (1) عبر القوة المسلحة، أو (2) عبر نظم العقوبات أو (3) عبر الاغتيالات والانقلابات، أو (4) عبر الابتزاز والتهديد. لكن يبقى العرب هم الأكثر سوء في منظومة الهيمنة الدولية. وهي وضعية لا يخفيها « المركز» بقدر ما يصر على استمرارها دون مواربة. ففي أعقاب فوزه بولاية ثانية (1986) سئل الرئيس الأمريكي الأسبق، رونالد ريغان، عن رؤيته لمستقبل «الشرق الأوسط»، فكان رده بالغ الصراحة حين قال: «إن هذه المنطقة
وقعت تحت النفوذ الغربي سابقا ويجب أن تظل كذلك في المستقبل»!!!
لكن شواهد ما بعد الثورات، على هذه « الصراحة»، باتت تتكشف تباعا، وتغدو أكثر وضوحا، كلما صدرت عن رموز الفكر والإعلام والثقافة الغربية، لاسيما الأمريكية منها. ففي أول تعقيب له على اندلاع الثورات العربية، كتب « نعوم تشومسكي»، عالم اللغويات اليهودي، يقول: « إن ما يقلق واشنطن ليس الإسلام المتطرف بل نزوع دوله إلى الاستقلال»، مشيرا إلى أن واشنطن وحلفاؤها: « يتقيدون بالمبدأ الراسخ القائم على تَقبُّل الديمقراطية طالما أنها تتفق مع أهدافهم الإستراتيجية والاقتصادية، فهي مقبولة لديهم في بلد العدو حتى مدى معين، ولكن ليس في ساحتنا الخلفية ما لم يتم ترويضها»[5].
وبعد مضي قرابة العام، عزز«غراهام فولر»، الرئيس السابق للمجلس الوطني للاستعلامات بجهاز المخابرات المركزية الأميركية، ما قاله زميله « تشومسكي». ففي معرض تعليقه على «الخاسرين» و « الرابحين» من الثورات العربية، أشار إلى خسارة الولايات المتحدة بالقول: «إن أسباب خسارتها بسيطة؛ فالشعوب العربية غاضبة ومحبطة من عقود بل قرون من السيطرة الاستعمارية الغربية، انتهت بعقد من الحروب الأميركية على الأراضي الإسلامية في بحث وهمي عن حل عسكري للإرهاب المعادي للغرب »[6].
ولم يطل الوقت كثيرا حتى أطلقت مجلة« التايم»الأمريكية تحذيراتها للإدارة الأمريكية تجاه عودة الاحتجاجات الشعبية بقوة إلى« ميدان التحرير» في مصر .. هذه الاحتجاجات التي اندلعت في أعقاب ما سمي بـ« جمعة المطلب الوحيد – 18/11/2011»، المنادية بتسليم المجلس العسكري الحكم للمدنيين. إذ اعتبرت المجلة:«أن العام2011سيبقى في ذاكرة التاريخ باعتباره عام إعلان استقلال الشرق الأوسط عن النفوذ الأميركي». أما التحذير فقد ورد على خلفية«حيرة»الإدارة الأمريكية تجاه: « اختيارها بين استقرار نظام استبدادي في شكل العسكر والغموض في الديمقراطية»، فـ:« إذا ما وقفت الإدارة الأميركية مجددا صامتة أمام الوضع السياسي المتغير بشكل متسارع في مصر، فإن الدرس المستخلص سيكون بأن العام 2011 يؤكد مدى انحسار النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط»[7].
إذن كل ما يسمى بـ « دول الحدائق الخلفية» فاقدة للاستقلال الوطني والسيادة، ولا تستطيع مجرد التفكير في النهوض، اجتماعيا أو اقتصاديا أو علميا ناهيك عن التحكم في مستقبلها، قبل أن تفكر بثمن اختياراتها وتوجهاتها الإستراتيجية بحيث تتوافق مع « المركز». ومع أن الآليات الأربعة كافية يما تمتلكه من أدوات ووسائل عمل، إلا أنها تبقى ضعيفة، في منطقة حيوية، ما لم تساندها أدوات ميدانية فعالة، كلما لزم الأمر، مثل:
v « إسرائيل»، فهي تحتل المرتبة الأولى في حماية مسرح الهيمنة الدولي من الاختراق، ومراقبة منظومة الاستبداد المحلي من احتمالات التمرد. لكن النمو السكاني والوعي جعل العبء على « إسرائيل»كبيرا، وهو ما اضطر « المركز» إلى التدخل بنفسه، سياسيا أو عسكريا أو أمنيا أو بها مجتمعة، لحسم بعض بؤر التمرد والاعتراضات أو محاولات الإفلات من الهيمنة، كما حصل في عديد البلدان العربية. وبطبيعة الحال تسببت مثل هذه التدخلات بشيوع حالة شعبية من العداء والكراهية لـ « المركز»، فضلا عن تنامي الشعور الديني المناهض لـ « الكافر» و « الصليبي».
v فجاءت ثورة الخميني في إيران سنة 1979 كي تسد هذه الثغرة ابتداء من شعارات « الشيطان الأكبر»، مرورا بشعارات « المقاومة» و « الممانعة»، وانتهاء ببعث الحضارة الفارسية على أنقاض العالم الإسلامي. ورغم كل المؤشرات الدالة على «صفوية» المشروع الإيراني، وأدواته الضاربة، وتحالفاته الصريحة مع « المركز»، في إسقاط الدول الإسلامية السنية، إلا أن إيران «الصفوية» حققت اختراقات سياسية وأمنية ملحوظة، وأخرى أشد خطورة في مستوى العقيدة، وفي عقر ديار أهل السنة[8].
v وفي السياق لا يمكن غض الطرف عن أدوات أخرى يستعملها « المركز» في اختراق الأمة، من الداخل، عبر القوى الطائفية أو الإثنية، كما حصل في السودان الذي انفصل جنوبه المسيحي في دولة مستقلة (2011)، أو في مصر حيث تنشط « الكنيسة الأرثوذكسية» المصرية، بالتحالف مع القوى اللبرالية والعلمانية واليسارية، في إنكار عروبة مصر، والسعي إلى تجريدها من أي محتوى إسلامي، أو على الأقل تقسيمها.
وحدها « القاعدة»، ومعها جماعات التيار الجهادي العالمي، من « خرج » على « المركز»، وتجرأ عليه في عقر داره، ورفض هيمنته، ونفذ تهديداته، في سلسلة من الهجمات المدمرة في 11سبتمبر2001، لم تكن أهدافها إلا رموزا للقوة، بحيث يكون لـ « الخروج » صداه العالمي[9]. هذا التجرُّؤ من « القاعدة» على ضرب « المركز» عجلت في الكشف، علانية وصراحة، عن السياسات العدائية للعالم الإسلامي، وأخرجتها في صورة « فوبيا إسلامية»، وهجمات مسلحة، وأخرى أمنية، وثالثة اقتصادية، في سلسلة من التدابير العدوانية لم تتوقف عند حدود معينة إلى يومنا هذا. بمعنى أن المشكلة مع « المركز» ليست مشكلة «قاعدة»، ولا حركات «تحرر وطني»، أو جماعات «تطرف» و « إرهاب»، كما يرى، ولا هذا أو ذاك .. بل مشكلة « هيمنة» يجب أن تستمر، ضد كل محاولات « الانعتاق»، مهما اختلفت أشكالها وأدواتها ووسائلها.
__________________
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.59 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.77%)]