
03-01-2012, 09:16 AM
|
|
عضو متميز
|
|
تاريخ التسجيل: Dec 2011
مكان الإقامة: ارض الكنانه
الجنس :
المشاركات: 405
|
|
رد: ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»د/اكرم حجازي
ثالثا: عوائق البحث
لا بد من التنبيه بداية إلى أن تعبير « السلفية الجهادية»[1] بدأت تباشيره الأولى في سبعينات القرن الماضي، نظريا، في رحاب أحفاد الدعوة الوهابية التي نجحت في محاربة « شرك القبور» لكنها لم تنجح، بحسب السلفية الجهادية، في محاربة « شرك الحاكمية» لعجزها عن تنزيل الحكم الشرعي على الواقع. هذا الخلاف كان في الواقع بمثابة المقدمة التاريخية الجوهرية التي مهدت لاحقا لظهور التعبير في أول مناسبة حاسمة له توفرت في أعقاب انفجارات مدينتي الرياض (13/11/1995) والخُبر (25/6/1996) في السعودية. فقد تلا الحدثان إجراءات أمنية، وحملات لاستصدار فتاوى شرعية، ودعوات باتخاذ مواقف واضحة لا لبس فيها لجهة إدانة التفجيرات. وأسفرت الضغوط عن عملية تمايز في الموقف الشرعي بين من يؤيدون الجهاد بصيغته العالمية ومن يعارضونه. وهكذا فقد ظهر التعبير بوصفه صيغة إعلامية استعملت بالدرجة الأساس للتمييز بين ما يمكن تسميته بتيار «السلفية التقليدية» و « السلفية الجهادية».
الحاصل أن السلفية الجهادية ربما تكون الجماعة الإسلامية الأميز، من حيث وحدانية المرجعية ولغة الخطاب الديني والبنية الهيكلية وتاريخية النشأة، بالمقارنة مع ما سبقها من جماعات ظهرت في عالمنا هذا منذ تقسيم الوطن العربي وانهيار الخلافة العثمانية. ومع ذلك؛ فإن أكثر الأخطاء الشائعة في توصيف الظاهرة أو التعليق على خطاباتها أو رصد سياساتها واستراتيجياتها العسكرية والأمنية والإعلامية هي تلك التي ينطلق أصحابها في قراءة الحدث، علما أو جهلا، من مكونات الواقع السياسي أو الأيديولوجي الذي يعيشونه، أما أشد الأخطاء المنهجية تعسفا فهي تلك التي تأبى، عبثا، الإقرار بعقدية الظاهرة، وتقفز فوق مراحل البحث مفضلة النقد على التوصيف.
لذا فقد تباينت إجمالي الأطروحات التي عبر عنها مختلف الباحثين تجاه الظاهرة، سواء عبر تصريحاتهم أو عبر دراساتهم وكتاباتهم، إلى حد التناقض مخلفة وراءها فقرا مدقعا في الرصيد المعرفي يمكن ملاحظته في صورة:
· أطروحات محافظة أفرزها نموذج ثقافي ينزع إلى الحياد أكثر من الانحياز.
· أطروحات ميالة إلى الفهم لكنها نأت بنفسها عن الخوض في الظاهرة عميقا إما تحرجا أو لخشيتها من المتاعب الأمنية.
· أطروحات معادية للظاهرة عقديا وسياسيا وإعلاميا لكنها منفتحة عليها أكاديميا.
· أطروحات أكاديمية غلب عليها الجهل المطبق بأبسط خصائص الظاهرة رغم أن أصحابها من الدارسين تاريخيا للحركات الاجتماعية الإسلامية والعلمانية.
· أطروحات أيديولوجية أميل ما تكون إلى معاداة الظاهرة أو الاستخفاف بها من دراستها.
· أطروحات صماء لا تعترف حتى بوجود ظاهرة.
لا ريب أن أغلب هذه الحصيلة من الأطروحات المتناثرة، كما ونوعا، هي أقرب ما تكون إلى التعبير عن المواقف تجاه الظاهرة أكثر مما هي نتاجات لأبحاث علمية، مما يعني أننا، في سياق البحث العلمي وما تستحقه الظاهرة من جهد، ما زلنا في أحسن الأحوال في المراحل الأولى من التوصيف والذي نحسب أنه لن ينته قريبا، وتبعا لذلك فنحن أبعد ما نكون، علميا، عن تناول الظاهرة بالتحليل العميق والنقد الموضوعي. لذا وجب التحذير من أن توصيف الظاهرة قد يبدو سهل المنال لكنه في الحقيقة مظهر خادع ليس الوصول إليه متاحا، على الأقل، بالنظر إلى التباين المنهجي في تناول الظاهرة فضلا عن سرية الفاعلين واختلاف البناء الهيكلي للأدوات التي تشكل الظاهرة كالتنظيم الأم والأدوات الضاربة لها في شتى أنحاء العالم وآليات العمل مقارنة بالأبنية التقليدية التي ألفناها من الجماعات الجهادية المسلحة.
هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن السلفية لا تتمتع بإنتاج معرفي هائل، تفوقت فيه، كما ونوعا، على ما سبقها من الجماعات السياسية، لكن فقط في مستوى الخطاب العقدي وليس التنظيمي أو العملي الذي لمّا يزل عصيا على التناول. ومع ذلك فإن بعضا من أهم صعوبات دراسة الظاهرة تكمن في السعة اللامتناهية لهذا الإنتاج الذي يجد صداه في أعماق التاريخ الإسلامي منذ البعثة النبوية وإلى يومنا هذا. فمن ذا الذي يمكنه أن يتفرغ للإحاطة بالظاهرة بحيث يكون ملزما، علميا وأدبيا، بمطالعة ملايين الصفحات من المنشورات التي تعج بها الشبكات الإعلامية الجهادية، ومئات الساعات من الأشرطة المرئية والصوتية، والآلاف من المجلدات والكتب والأبحاث؟ سؤال ثقيل خاصة إذا ما تم وضعه في سياق الظاهرة بوصفها أطروحة عقدية لا تقبل بغير الدليل الشرعي حَكَما بينها وبين الآخرين، وفي هذا السياق سيكون على الباحث تكبد المشاق من كل حدب وصوب. إذ أن لغة الخطاب السلفي بوصفها لغة العلم الشرعي التي يختلف العلماء والمتخصصين في فهمها وتفسيرها، من الطبيعي ألا يقوى على فهم شروطها وتفاصيلها إلا من امتلك قدرا معقولا منها، فكيف سيكون الحال لمن لا يمتلك منها حتى القليل؟ وغني عن البيان أن الخطاب السلفي يخاطب، مبدئيا، الجميع بلغة واحدة، لكنه حافل بالرموز بحيث يتوجب على الباحث التنقيب عن، والتمييز بين، رسالة موجهة للنخبة والمتخصصين وثانية موجهة للقيادات الميدانية والمقاتلين وثالثة تستهدف الأتباع ورابعة للعامة من الناس الذين يستقبلون في الغالب خطابا تحريضيا وخامسة تحمل تهديدا ووعيدا وسادسة تتحدث عن هدنة ... وهكذا.
لكن لأن لغة الخطاب السلفي الجهادي صعبة التوصيف وليست سهلة كما يعتقد البعض فمن المهم الإفادة من اللغة السائدة في وسائل الإعلام الجهادي بوصفها مخزنا للمعلومات والآراء والأفكار المؤيدة والمعارضة، ومصدرا رئيسيا للأخبار فيما يتعلق بالتيار الجهادي، وهذا من شأنه أن يساعد أي باحث في فهم لغة التيار عبر مفردات ومصطلحات يسيرة. ولا نبالغ إذا قلنا أن هذه الوسائل تعبر، إلى حد كبير، عن السَّمت الحقيقي لتوجهات الرموز وسياسات التيار في مختلف مناطق تواجده، كما أن لها من القوة والحصانة الشرعية بما يكفي لتحصين الرموز ودفعهم نحو الصراحة في القول والحسم في القضايا الخلافية على أسس شرعية أيا كانت النتائج. والأكيد أن المتابع لهذه الوسائل سيحتاج إلى فترة طويلة وجهود مضنية ومتابعة حثيثة كي يفهم آلية عملها وطرق التعامل مع روادها وكتابها ومشايخها وما يدور فيها والوقوف على المستجدات وإلا فقد يختلط عليه الأمر لو انقطع عن المتابعة ويفقد بذلك ما جناه من تراكم معرفي ثمين.
[1] لا يحبذ التيار الجهادي استعمال التعبير للدلالة عليه، وبدلا منه يفضل التعبير عن نفسه باسم «أهل السنة والجماعة»، ومؤخرا ظهر مصطلح «أهل التوحيد». والقياديان الوحيدان اللذان استعملا التعبير، خلافا لكافة رموز التيار، هما أبو عمر البغدادي (أمير دولة العراق الإسلامية) في خطابه الصوتي المعنون بـ: « وإن تنتهوا فهو خير لكم» في سياق هجومه على إيران. (مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان» الإعلامية التابعة لـ « دولة العراق الإسلامية»، 7/8/2007)، وأبو حمزة المهاجر في خطابه الصوتي بعنوان: « قل موتوا بغيظكم»، ( مركز الفجر، مؤسسة «الفرقان»، 5/5/2007).
|