عرض مشاركة واحدة
  #40  
قديم 03-01-2012, 09:14 AM
*سلفيه مندسه* *سلفيه مندسه* غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
مكان الإقامة: ارض الكنانه
الجنس :
المشاركات: 405
افتراضي رد: ملاحظات منهجية في قراءة «السلفية الجهادية»د/اكرم حجازي

ثانيا: النشأة العقدية للظاهرة

بداية لا بد من القول الفصل بأننا لسنا معنيين مطلقا ولا مضطرين لِأنْ نقبل أو نرفض أطروحة السلفية الجهادية، لكن منطق الأطروحة يفرض علينا التحدث بلغتها، وهو اختيار منهجي باعتباره وسيلة ناجعة تمكننا من الوقوف على المقاصد أو إدراك المعاني التي قد تساهم في فهم الظاهرة وتفسير خطاباتها والنظر في استراتيجياتها وسياساتها بالمضمون الذي هي تعتقد به وتسعى إلى التعبير عن نفسها من خلاله[1]، فلعلنا بذلك نفهم بعض ما تشي به من مضامين ما زالت خبيئة أو أنها عصية على الفهم خاصة وأنها تُطرَح بلغة العلم الشرعي فيما الغالبية الساحقة من الأمة بعيدة عن العلم بعقيدتها أو فهم مراميها، ولأن لغة العلم الشرعي صعبة حتى على كبار العلماء والفقهاء فلنتحدث إذن بلغة ميسرة قريبة من الأفهام، مع التأكيد على أننا لا نرى غضاضة في استخدام أدوات تحليل من شأنها أن تساعد في فهم الظاهرة بشرط عدم المس بجواهر المسائل المطروحة أو إحداث أي خدش يقلل من قيمة التوصيف.

هذا الاختيار المنهجي حاسم بالمقارنة مع ما يمكن وصفه بـ «الزلل المنهجي» لمن يلجؤون إلى قراءة الأطروحة السلفية اعتمادا على المقاربات الإعلامية أو الأيديولوجية أو الأمنية أو السياسية أو القانونية أو حتى التنظيمية أو الأماني والرغبات، ذلك أن السلفية تيار متشعب ومعقد لكنه ليس تنظيما ولا حزبا حتى وإن بدت أدواته الضاربة للعيان كذلك في مواضع شتى، فهو تيار عقدي يضم رموزا وقادة وعلماء وأنصارا ومجاهدين، لا فواصل بينهم ولا امتيازات ولا مغريات ولا هوى من أي نوع كان. وكل هؤلاء ومن يدور في فلكهم ينطقون بلغة واحدة هي لغة « التوحيد» التي يقدمون أنفسهم بها أينما كانوا دون أن يعني ذلك عصمتهم من الوقوع بأخطاء قاتلة وتأويلات غير شرعية.

هذا المفهوم، « التوحيد»، قد يكون مألوفا تداوله والدفاع عنه بين الجماعات والفِرَق الإسلامية كافة على اختلاف عقائدها ومناهجها وصولا إلى الأحزاب العلمانية التي لا تنكره فضلا عن العامة من الناس. وبالتالي يبدو عصيا على الفهم، وربما استفزازيا، خاصة وأن السلفية الجهادية تظهر كمن يحتكر الوصاية على المفهوم بينما هو في الحقيقة من أصول الإيمان لدى كافة المسلمين. لكن حين يجري استعمال المفهوم لفحص عقائد ومناهج الجماعات والفرق الإسلامية سنجد فوارق كبرى تتراوح ما بين « التوحيد البراغماتي»، الذي لا يضيره التصالح مع أعداء الملة وحتى التحالف معهم إلى إذا لزم الأمر، و « التوحيد القبوري» الذي يصل إلى حدود الشرك كما هو الحال، مثلا، مع أغلب الفرق الصوفية. وسعيا منها لإبعاد « التوحيد» عن أية شوائب تعكر صفوه ونقاءه تلجأ السلفية إلى الاستعانة بمعيار « الولاء والبراء» لِنظْمه والتأكيد على أنه وحدة واحدة لا يقبل القسمة على غيره من العقائد والمذاهب الوضعية والأيديولوجيات، ولا يقبلالنسبة والتناسبولا يقبل التكامل في العمل ولا في آليات العمل ولا حتى في تقاطع المصالح معها ولا مشاركتها في الأهداف. وهو بهذا المعنى يختزل إجمالي التيار ويكشف عن هويته وطبيعة مواقفه وأطروحاته وعلاقاته البينية والخارجية، وحتى عن تاريخية نشأته.

على هذه الأرضية وانطلاقا منها؛ ليس غريبا أن يبدو التيار في واد وكافة البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الراهنة ... في واد آخر ابتداء من الأعداء العقديين مرورا بالدول والجماعات والأحزاب والمنظمات وانتهاء بالنظم والشرائع والفلسفات القديمة والحديثة. وعلى هذه الأرضية أيضا؛ وانطلاقا منها، نشأت القاعدة كأطروحة عقدية. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار بنية النظام الدولي القائم وتقسيماته السياسية وعلاقاته ومؤسساته وقوانينه ونظم الاجتماع السياسي فيه؛ فلعله من الجدير بالذكر ملاحظة أن القاعدة كأحد الأدوات الضاربة، بخلاف الجماعات والأحزاب الوطنية، هي جزء من تيار لا يمكن نسبة نشأته إلى أية أطر سياسية أو أيديولوجية أو جغرافية أو حتى ديمغرافية[2]. وهذا يعني أن هوية التيار ونشأته تقع، حكما، في منطقة عقدية وليس سياسية ولا أيديولوجية، وهو ما تؤكده نشأة القاعدة ذاتها في أفغانستان وأغلب جماعات التيار المسلحة خاصة في العراق والصومال وحتى في الجزائر.

إذ خلافا لما هو شائع؛ فـ « القاعدة» نشأت منذ اللحظات الأولى لتأسيس بيت الأنصار بوصفها مؤسسة خدماتية ذات « سجل إداري» يُعنى بأحوال المتطوعين العرب وليس كتنظيم أو حزب أو حركة سياسية محلية ذات أيديولوجية وهيكلية تقليدية، ولم تقدم نفسها كذلك لا قبل مرحلة الجهاد الأفغاني الأول ولا في ظل حكم حركة « طالبان» الذي ابتدأ فعليا من العام 1996. وبعد انتهاء المرحلة الأولى لم يتبق من « السجل» الذي اشتمل على بيانات بآلاف المتطوعين سوى بضعة مئات التحقوا ببن لادن في السودان، هم من المريدين أو المقربين أو الأنصار. بل أن « القاعدة»، كتسمية، لم تظهر قط في أية وثيقة رسمية قبل تأسيس « الجبهة الإسلامية العالمية لمقاتلة اليهود والصليبيين سنة 1998»، وإلى جانب « جماعة الجهاد» المصرية[3] وليس بصفة منفردة. وكان من المفترض أن يكون الإعلان عن ميلاد « الجبهة» بمثابة العنوان الرئيس للتيار الجديد، لكنها سقطت ولم يصدر عنها أية بيانات لاحقة في حين ثبتت القاعدة. ويبدو أن الإعلام الدولي وأجهزة الأمن العالمية تقبلوا مصطلح « القاعدة» كتنظيم حتى قبل تأسيس « الجبهة» لكنهم وإنْ تقبلوه كأطروحة عقدية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 إلا أنهم لم يدركوا، بعدْ، جواهر الأطروحة إلا بوصفها « أيديولوجية إرهابية متطرفة»[4].

لو تتبعنا الأمر في العراق سنقع على نشأة مماثلة لم يكن التنظيم فيها، بحد ذاته، هدفا. فـ « جماعة التوحيد والجهاد» خاضت قتالا مريرا ضد الأمريكيين والقوى الحليفة لها في العراق قبل أن تتخذ لها اسمها أو تفكر حتى بإصدار بيان يتبنى ما تقوم به من عمليات، أما أبو مصعب الزرقاوي فلم يكن، آنذاك، ليفكر بتأسيس جماعة أو قيادتها قبل أن ينضم أبو أنس الشامي إليه ويصر لاحقا على ضرورة وجود هوية وقيادة لمن يقاتلون معه خاصة بعد أن تبنت جهات عديدة المسؤولية عن عمليات قام بها مقاتلوه[5]. أما « حركة الشباب المجاهدين» في الصومال فكانت مندمجة في إطار « المحاكم الإسلامية»، وقبل ذلك لم تتخذ لها اسما، ولم يعرف عنها أي شيء يذكر قبل الغزو الأثيوبي للصومال وسقوط « المحاكم»*.

الحقيقة أن الشواهد على عقدية التيار أكثر من أن تخطئها العين، ومع ذلك فقد اتجهت الكثير من الدراسات والتحليلات إلى قراءة القاعدة والتيار كما لو أنها تنظيم تقليدي يمكن تفكيكه أو هزيمته عبر المقاربة الأمنية أو الإعلامية أو حتى التنظيمية. وفي السياق بدا واضحا محاولات الفصل المحمومة بين قيادات القاعدة على أساس وطني، كالتفريق بين السعوديين والمصريين أو الفلسطينيين والسعوديين أو الزعم بوجود تنافس في القيادة ين المصريين والليبيين. وغني عن البيان الفشل الذريع الذي منيت به مثل هذه القراءات خاصة وأن التيار برمته لا يعترف قط بالتراث الوضعي ولا بمفاهيمه وتقنياته ومصطلحاته ونظمه المعرفية ولا بنماذجه الثقافية. فالتيار يجتمع حول مرجعية عقدية، ويسترشد في عمله وسلوكه ويبني سياساته انطلاقا من النص الشرعي والسنة والاجتهاد والإجماع، أما أدائه الميداني فيقع بموجب ما تفرضه السياسة الشرعية من مصالح ومفاسد وكذا التراث والفتوحات والغزوات الإسلامية وما تقدمه من نماذج قابلة للاقتداء.

[1]أطرف ما قيل في مايكل شوير رئيس الوحدة المكلفة بملف أسامة بن لادن في وكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، حين كان يمازحه أصدقائه: «لعل شيطان أسامةقد ركبك!»، ذلك أن الرجل ربما يكون أدرك بعضا من عقل أسامة وخطاب السلفية وبات يتحدث بلغتها، ومع ذلك فقد فشل في القبض على غريمه وتم حل الوحدة وإقالته من منصبه.

[2] سعيد علي عبيد الجمحي، « تنظيم القاعدة: النشأة .. الخلفية الفكرية .. الامتداد (اليمن أنموذجا)»، ط1، (القاهرة – مصر، مكتبة مدبولي، 2008)، ص 35.

[3]كل البيانات والمذكرات التي كان يصدرها بن لادن، قبل إعلان الجبهة، بما فيها بيانه الأول ضد الولايات المتحدة في شهر نوفمبر سنة 1996، والذي حمل عنوان: «إعلان الجهاد لإخراج الكفار من جزيرة العرب»،كانت توقع باسمه ولم توقع باسم القاعدة كتنظيم رغم تداول التسمية بين أنصار بن لادن.

[4] لا بد من الإشارة إلى أن كل ما أنجزته مؤسسة راند للأبحاث فيما يتعلق بالجماعات الجهادية في العراق استند إلى التمييز بينها على أسس أيديولوجية أكثر منها عقدية. أما لماذا فعلت ذلك؟ فلأنها وضعت هدفا أمنيا يستهدف محاربة التيار وليس دراسته أكاديميا، لذا فقد نجحت الولايات المتحدة باختراق الساحة لضرب الجماعات الجهادية ببعضها لكنها لم تنجح في احتواء أطروحة التيار.

[5]الشيخ أبو حسين المهاجر، الانتصار لأهل التوحيد، 27ذي القعدة سنة 1427هـ، ص 14.

* غزت القوات الأثيوبية الصومال في 24/12/2006، وانسحبت منه بتاريخ 15/1/2009.
__________________
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.70 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (2.20%)]