عرض مشاركة واحدة
  #33  
قديم 02-01-2012, 09:15 AM
*سلفيه مندسه* *سلفيه مندسه* غير متصل
عضو متميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2011
مكان الإقامة: ارض الكنانه
الجنس :
المشاركات: 405
افتراضي رد: مسائل جوهرية في فكر السلفية الجهادية (من التوحيد إلى صناعة القيادة)د/اكرم حجازي

باختصار، هل خصائص وأنماط القيادة التي تفرزها ثقافة التوحيد هي نفسها الخصائص والأنماط الكائنة في ثقافة سايكس – بيكو؟
في تحليله لمفهوم الدولة يقدم أبو بكر ناجي فكرة طريفة يرى فيها أن الدولة في العصر الحديث هي الدولة أينما تكون، لكن الفرق يكمن فيما تكتسبه الدولة من محتوى أيديولوجي، فإذا ما اكتسبت الدولة العربية أو الإسلامية ثقافة التوحيد وأنزلت الحاكمية منزلتها فلا غبار عليها، لذا فهو يعتقد أن الأحزاب العلمانية نجحت في السيطرة على الدولة فيما كان الإسلاميون يتناظرون في بنائها على الطريقة النبوية! أما السلفية الجهادية فهي مدعوة لتطبيقه على القيادة عبر فهم الفروق، ولأنها مسألة يصعب التثبت منها إلا من أصحاب الشأن فإن صراحة الشيخ عطية الله من جهة وصرامة أبو بكر ناجي تبقى هي المداخل الأكثر أهمية للفهم، ففي ضوء السؤال إياه، يقدم الشيخ عطية الله توصيفا للسلفية الجهادية، بوصفها اليد الأمينة على الراية، على النحو التالي:
"عندما أقول "الحركة الجهادية" فإنني أعني بها:
· الحركة الجهادية العالمية التي هي مشروع أمة الإسلام الكامل ... التي لا ترضى بأنصاف الحلول والتسويات،
ولا تلتقي مع عدوّها الكافر في منتصف الطريق، ولا ترضى بالفتات!!؛
· حركة أخذت على عاتقها الإحاطة بهذا الدين من كل جوانبه بحسب الوسع والطاقة ... من مبادئها: ليس عندنا ما نخسره: نحن بين إحدى الحسنيين: نصرٍ أو شهادة؛
· حركة غاية الجهاد عندها ودافعه هي: أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدينُ كله لله، هذا هو المبدأ الأساسي والأكبر والمقصد الأعظم؛
· حركة لا تعترف إلا بشرعية ديننا وشريعتنا المطهرة ... كمرجعية مطلقة، لا بما يُسمّى اليوم بـ"الشرعية الدولية" وغيرها... ؛
· لا تعترف بسايكس بيكو والحدود التي صنعها ووضعها أعداء الأمة ومزقوها بها، ...
· حركة عرفت عدوّها جيدا وعرفت أعداء الأمة ولم تعد منخدعة فيهم أو مغترّة بنفاقهم وألاعيبهم.. لا تسلم قيادتها إلا للأمناء على الدين فعلا ... إن راية الجهاد لابد أن تكون في أيد أمينة، يمكن ائتمانها على الجهاد ".
إذن هذه القيادات لا يمكن أن تُصنع على عجل ولا أن تدفعها الظروف أو المصالح للظهور ولا هي قيادات ولدت بالترقيات ولا بالأقدميات ولا بالمصاهرات ولا هي من ذوي القربى ولا من المرضي عنها وليس أعضاؤها من سادات القبائل والعائلات ولا من ذوي الحسب والنسب وحواشي السلطة، إنها قيادات مرّستها ميادين الحركة من تنقلات أمنية خطرة ومهمات معقدة ومطاردات وتَخَفِّي وقتال شرس وخطوب ومحن قاسية واقتحام لأهداف من المفترض أنها مستحيلة حتى بعرف الحرب الباردة وليس بعرف سايكس – بيكو فحسب. ولعله من الإنصاف عدم المقارنة بين قيادات السلفية والقيادات الأخرى باعتبار أن لكل بيئة منتجاتها وللظروف أحكامها، ومع ذلك فإنه "حق للجميع أن يجاهد ويساهم، لكن حق أيضا لأمثال هؤلاء أن يعرفوا قدر أنفسهم"[90] .
هنا بالضبط يتدخل أبو بكر ناجي ليكشف عن متلازمة العلم الشرعي، كي لا تنفلت الأمور من عقالها فيسقط القادة ويسقط معهم المشروع الجهادي برمته، مؤكدا على:
· "أن يكون أغلب قادة الحركة الإسلامية قادة عسكريين أو عندهم قدرة على القتال في الصف على الأقل ... ؛

· خطورة ترك القرار السياسي بأيدي من لا يخوض المعارك العسكرية تحت أي حجة. (لذا يجب) أن يكون القرار السياسي صادرا من القائد العسكري، بل الإدارة السياسية كلها أو أغلبها ينبغي أن تكون من المقاتلين من مساعدي القادة العسكريين وجنودهم ... فالمعركة معركتهم قبل أن تكون معركة غيرهم؛
  • أن يعمل هؤلاء القادة على إتقان علم السياسة كإتقان العلم العسكري سواء بسواء.
· القرارات الإدارية والسياسية العليا الخاصة باستهداف فئات والكف عن آخرين ... يجب أن تمر، وقبل أن تصدر، على الراسخين في العلم في حركة الجهاد الرئيسية، أو عالماً راسخاًفي العلم مشهوداً له بذلك تبعاً لمعايير شرعية صحيحة إذا تعذر الرجوع إلى علماء حركة الجهاد الرئيسية"[91] .

غير أن هذه الضوابط لا تعني أن للقيادة سطوة على ما دونها، فهي وإن كانت أبوابها مفتوحة إذا ما تحققت شروطها إلا أن للقواعد، التي من اللازم تنميتها وتوعيتها حتى تصل إلى مرحلة متقدمة من النضج والوعي والعلم الشرعي، حق المراقبة على أداء القيادات السياسية اعتمادا على مبدأ الثقة الذي تكون عناصره الحيوية "في عصرنا ... مبنية على معطيات ثابتة لقيادة تم اختبار صدقها عملياً وفي شتى الميادين"[92] ، فإذا ما ضعف هذا المبدأ، الذي تغذيه الأحكام الشرعية والثبات والصبر على البلاءات والمحن والإرادة والعزيمة وقبل كل شيء عقيدة الولاء والبراء وميادين المعارك والأمن، فمن شأن أي قرار سياسي كبير أن يحدث بلبلة وربما تفككا في الجماعة. وفي الحقيقة فإن الحديث عن الضعف صعب القبول بما أن المقصود هو اختبارات ثقة أو ما تسميه السلفية بـ "تجاوز العتبة أو القنطرة"، فمن قطع مراحل الاختبارات سيكون من شبه المستحيل عليه النكوص بالنظر إلى أن خياراته في التراجع تكاد تبلغ من النسبة المئوية صفرا أو أقل.
لا شك أن اختبارات الثقة للقائد ليست من النوع التقليدي الذي يسود الجيوش وحركات التحرر، وكذا الأمر فيما يتعلق ببناء القيادات وصنعها، فهناك مثلا خصائص هامة جرى التعبير عنها في الكثير من المواضع منها تزكية بن لادن لبعض منفذي هجمات سبتمبر وهو يصفهم بالحياء وسمو الأخلاق والصبر والمواظبة على قيام الليل[93] وهي صفات ذكرت أخيرا بحق شهاب قدورة الملقب بـ "أبو هريرة" أحد قادة فتح الإسلام الذي سقط مؤخرا ورفضت قريته دفن جثمانه فيها فاستحق لقب الغريب كما استحقه غرباء العصر في شتى ميادين الجهاد. لكن ثمة خصيصة لا يمكن أن تفلت من ثقافة التوحيد وهي مسألة العزيمة والإرادة والهمة {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران 159) {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } (محمد21)، وهنا يمكن أن يتساءل المراقب وهو بأقصى حالات الاندهاش: ما الذي يجعل رجلا مثل أبي مصعب الزرقاوي يقطع آلاف الأميال من هيرات بأفغانستان إلى العراق متجهما كل المخاطر سعيا لمقاتلة دولة تفر منها الدول وجبابرة العصر!؟ وما الذي يدفع التسعة عشر لفعل ما فعلوه لو لم يكونوا يتسموا فعلا بالعزم والتصميم وعلو الهمة؟ بل ما الذي يجعل بن لادن يترك الدنيا وراءه بملايينها وزخرفها مفضلا عليها البرد والقيظ وحياة الكهوف والمعاناة؟ وفي الواقع فإن هذا هو حال الملا محمد عمر وداد الله والظواهري وأبو مصعب السوري والجزائري وأبو أنس الشامي وأبو حفص المصري وسيف العدل وسليمان أبو غيث وعبد الهادي العراقي ومصطفى أبو اليزيد وأبو يحيى الليبي وأبو الليث الليبي وعطية الله وحسن معصوم وجمعه باي وخالد الشيخ ومحمد عطا وعبد العزيز المقرن ويوسف العييري وأبو الوليد الغامدي وحامد الجبوري وأبو حمزة المهاجر وأبو عمر البغدادي وشاكر العبسي وأبو سياف وجمال أبو سمهدانة وغيرهم الكثير.
في ساحة العراق تواجه السلفية الجهادية جبهة من الأعداء يصعب تصورها، ومع ذلك يصول مقاتلوها ويجولون ويبذلون جهودا جبارة للإفلات من العملاء والأعداء من أجل أن ينجحوا بزراعة عبوة ناسفة[94] ، ويضطرون إلى خوض المعارك وحدهم في الكثير من المناطق كما يحدث في ديالى، فأي عزيمة وإرادة يتحلى بها هؤلاء؟ ليقدروا على الجهاد ومواجهة شظف الحياة ومعاناتها وتربص الجيوش الغازية بهم ومطاردة الخونة والعملاء لهم؟ والطريف حقا لا يكمن في عزيمتهم بل في نفاذ صبر القادة العسكريين الأمريكيين مما يواجهونه من هؤلاء المقاتلين. فإذا كان من المثير أن يكرر الأمريكيون على الدوام، رغم الضربات الموجعة التي يتلقونها، عزمهم على تحقيق النصر في العراق فإنه لمن المدهش والمعجز حقا أن يعلن المجاهدون عن تصميمهم على بلوغ ما يرونه أقصى درجات التوحيد.
أيضا لوحظت الكثير من وسائل اختبارات الثقة منها عمليات ذبح للأسرى أو ممن أدينوا بالخيانة ومعاونة المحتل وأعوانه، ففي الأشرطة التي بثتها بعض الجماعات الإسلامية خاصة جماعة التوحيد والجهاد التي أسسها وقادها الزرقاوي كان اللافت للانتباه فيها وجود فريق كامل يحيط بالضحية أحدهما يلقي بيانا واثنين أو ثلاثة يقومون بالحراسة ومراقبة المشهد وآخر مهمته التصوير الفيديوي، ولو أن الغاية من بث الشرائط المروعة هو إرهاب الأعداء إلا أنها لا تخلو من كونها آليات اختبار للتمرس على الشدة والغلظة مما يبعث على الاعتقاد بأن الفريق قد يتغير بفريق آخر.
ومن الأساليب أيضا التدريب في ساحات القتال، فقد غلب على بعض عمليات القاعدة في الجزائر خاصة تلك التي استهدفت سبعة مراكز للشرطة في ولاية تيزي أوزو موقعة بعض الخسائر كما لو أنها أقرب إلى العمليات الاستطلاعية والتدريبية من كونها عمليات هجومية يقصد منها إيقاع الخسائر، أما في العراق فقد أعلن البغدادي أمير دولة العراق الإسلامية في خطاب صريح "عن تخريج أكبر دفعة فيتاريخ العراق لضباط الجهاد فيسبيل الله وبدرجة العالمية العليا"[95] مبينا أن"الدراسة متواصلة بلا انقطاع صيفا وشتاء،ليلا ونهاراولسنا ندري ولا نجد تفسيرا كيف يكون في العراق متسعا من الوقت والمكان لدراسة وتدريب على هذا النحو الرفيع فيما البلاد تشهد حربا طاحنة منذ خمس سنوات لا مثيل لها في أي بلد آخر. ولعل الأقرب إلى المنطق أن يكون هؤلاء قد تمرسوا في الميدان على مختلف الأسلحة والوسائل القتالية وفي مختلف الظروف الجوية[96] إلى جانب اتباع أساليب التكيف مع الواقع بالإضافة إلى الدورات التعليمية والتدريبية المكثفة والمتتالية والمعتمدة على الاختبارات الميدانية.
إلى هنا يمكن أن نختم هذا المحور بالسؤال التالي: إذا كان القادة السياسيون ملزمين "لتجاوز العتبة" بأن يكونوا على علم شرعي ومن المتمرسين في ميادين القتال ومن أصحاب العزيمة، فهل من شروط لتجاوز العتبة، غير الصدع بالحق، لدى مشايخ وعلماء السلفية الجهادية ممن يعيشون حياتهم المدنية؟ سؤال للبحث.

خلاصة القول
هذه بعض أهم ملامح أطروحات السلفية الجهاديةكما بدت للباحث، وبالتأكيد هناك الكثير من الأطروحات التي ينبغي التوقف عندها وبيان مضامينها كمسائل التكفير والفتنة والجهاد ومراحل النكاية والتمكين والعلم والمعاملات وفقه الحرب والتحييد وغيرها ممن لم يتم بحثها حتى الآن من قبل الأكاديميين، والإشكال واقع حكما في التوصيفات قبل التعرض لها بالدرس والتحليل والنقد الذي لو اضطلع به باحثون غير شرعيين لكانت النتائج أفضل والصورة أكثر وضوحا خاصة وأن المسائل الشرعية قلّ من يفهمها من العامة وحتى من الباحثين. وقبل أن نختم يستحسن تثبيت بعض الإشكالات التي تواجه الخصوم وتنفع في البحث عن أجوبة لها:
1) لا شك أن المتابع للشأن السلفي سيلاحظ أن الإشكال الذي بات يواجه الخصوم لم يعد ينحصر في دخول السلفية فيما تسميه مراحل النكاية في بعض الجبهات المفتوحة كالعراق وأفغانستان والشيشان والصومال ... إنما حقا في تضخم تيار الجهاد العالمي الذي بلغت امتداداته شتى أصقاع الأرض حتى ولج في رحم الحياة الاجتماعية وبات يتربص بالفرد والجماعة على السواء. ولعل هذا الأمر هو ما يخيف الخصوم ليس فقط خارجيا بل محليا. والإشكال الأهم في السياق أن الانتشار الحاصل هو انتشار أفقي، أي غير تنظيمي. وهذا يؤشر على أن الانتشار على الطريقة السلفية الجهادية ليس مرتبطا بآلية نشوء التنظيمات التقليدية القائمة على التمويل وتلقي الدعم السياسي والغطاء الأمني من أية جهة سياسية كما هو حال نشأة الأحزاب وحركات التحرر الوطني التي كانت تحتاج إلى حوار إقليمي أو دولي يؤمن لها الظهور والاستمرارية.
2) والإشكالالثاني، هو عبثية السعي الحثيث لشخصنة التيار السلفي الجهادي وحصره في القاعدة كمرحلة أولى، ومن ثم شخصنة القاعدة وبعدها شخصنة دولة العراق الإسلامية وصولا إلى تفكيك كل جماعة جهادية من خلال رد نشأتها إلى رموزها وضربها ببعضها البعض كمدخل لتفكيك الجماعة، لكن الذين يحاولون إظهار القاعدة وكأنها تنظيم الظواهري هم أنفسهم الذين عارضوا بن لادن والزرقاوي والمهاجر والبغدادي، وهم أنفسهم الذين عارضوا طالبان، وهم أنفسهم الذين عارضوا العبسي وأبو سياف وخطاب، وهم أنفسهم الذين سيعارضون كل جماعة جهادية أو مقاومة حتى لو كانت وطنية، وهم أنفسهم الذين قدموا العمل السياسي وراهنوا عليه على حساب الجهاد، وهم أنفسهم الذين غرقوا في الشخصنة حتى شخصنوا معهم كبريات القضايا الوطنية والإسلامية، فلم تعد عقلياتهم تتسع لغير التنظيم أو لأكثر من كونهم "شخصيات تاريخية" فيه، بل أن عقلياتهم تحجرت لدرجة أنهم لم يعد بمقدورهم أن يتصوروا عقلا وشرعا وجودهم خارج التنظيم، حتى باتوا كالسمك إذا خرج من الماء هلك. هؤلاء، بنمطية التفكير لديهم،خفي عنهم ملاحظة أن القاعدة جماعة تحمل راية وليست راية، هذه الميزة التي تفصل بين الجماعة والراية فصلا تاما هي الحصن الحصين الذي يجعل من القاعدة تيارا عقديا غير قابل للشخصنة مما يمنحها امتدادات شعبية في شتى أصقاع الأرض، ولو كانت راية التوحيد راية تنظيمية، كما هو الشأن لدى الحركات الإسلامية عامة، لما تجاوزت القاعدة حدود نشأتها، وهذا هو سر انتشارها كفكرة وليس كتنظيم، وهو جوهر المشكلة مع كافة القوى والخصوم لأنها تيار عقدي غير قابل للشخصنة، لذا نؤكد ثانية على أن المشكلة ليست في احتكار القاعدة للجهاد ولا في احتكارها للراية،بدليل أن البداية كانت مع الجهاد الأفغاني ثم تطورت نحو الأفغان العرب ثم القاعدة ثم التيار السلفي بكل أدواته الضاربة، وها نحن نشهد دولة العراق الإسلامية وما بات يتجه نحو حركة الجهاد العالمي في مناطق كثيرة من العالم الإسلامي، لذا فالتفكير في القاعدة وكأنها الوصية على الراية أو الجهاد العالمي هو تفكير عبثي أو مغرض كالشخصنة تماما ليس وراءهمن هدف سوى الطعن بالحركة الجهادية العالمية لا أكثر ولا أقل عبر حصرها في تنظيم القاعدة، وتأسيسا على ذلك فإذا ما اختفت القاعدة أو اضمحل نشاطها وذكرها فلأن الأمر وارد ولم يعد يعني الشيء الكثير، وحتى اختفاء رموزها وقادتها لن يغير في الأمر شيء[97] بما أن الحديث الآن عن الراية تجاوز مرحلة التنظيم بالكامل ليغدو حديثا وفعلا عن راية أمة قد يكون للقاعدة السبق في رفعها والتعبير عنها ولكنها بالتأكيد ليست ملكها ولا هي سعت لاحتكارها ولا يحق لها ذلك، وليس أدل على ذلك من ظهور جماعات ضاربة ذات طابع سلفي جهادي ولكنها ليست فرعا من القاعدة ولا من غيرها.
3) أما الإشكال الثالث فواقع في تصريحات الشيخ عطية الله، فقد لا يهتم لها البعض من الجماعات الإسلامية أو ممن "يستحسنون المد في اللحايا ويشرِّعون الجَزْر في العقيدة والتوحيدولكنها بالتأكيد ستلقي بظلالها على جماعة الإخوان المسلمين التي حددها بالاسم كجماعة، من بين جماعات أخرى، غير مؤتمنة على قضايا الأمة والحركة الجهادية العالمية، وهو تصريح غير مسبوق بهذه الصراحة والوضوح، والأكيد أن الجماعة تشعر بأن السلفية الجهادية إن لم تكن قد سحبت البساط من تحت أقدامها فهي على الأقل تزاحمها وتخوض معها صراعا أيديولوجيا وسياسيا مكشوفا جرى التعبير عنه بوضوح وعديد المرات من قبل د. أيمن الظواهري وأبي يحيى الليبي[98] وقادة دولة العراق الإسلامية وغيرهم من رموز السلفية على خلفية اتهام الجماعة بالنكوص عن مبادئها وأهدافها[99] فضلا عن أنها متهمة "بالعمل على تعميم الإرجاء على أوسع نطاق"[100] . وإذا كانت السلفية تقرر أنها لا يمكن أن تسلم القيادة والراية للإخوان المسلمين فهذا يعني أضعف الإيمان، ولكن في معنى آخر قد يشي القرار بأنها لن تغفر للجماعة ما فعلته وتفعله بها في أفغانستان والعراق والجزائر أيا كانت المبررات.
4) ويبقى الإشكال الرابع فيما تكشفه التصريحات الأمريكية للقادة العسكريين، فهؤلاء، سواء صدقوا أو راوغوا، إلا أنهم يقرون ميدانيا أنهم يواجهون خصما عنيدا بلا رحمة ولا يمنحهم أية فرصة للقتال على طريقتهم ووفقا لما تعلموه في كلياتهم الحربية، فهم مصممون على المواجهة والصمود والتحدي مثلما هم مصممون على القتال حتى الموت، وهي حالة فريدة لم يسبق للأمريكيين وغيرهم أن خبروها في أي مكان آخر لا في فيتنام ولا في كوريا ولا في أوروبا. ربما في هذه صدقوا ولكنهم في مسألة الانسحاب مراوغون بلا شك حتى وإن كان القرار السياسي متعلقا بتوصياتهم.
__________________
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.16 كيلو بايت... تم توفير 0.62 كيلو بايت...بمعدل (1.84%)]